أصداء وآراءبأقلام الكُتّاب

بـيـن الحـلـم والـكابـوس..

الكاتـب/ عـبـدالله الفـارسـي

 

بـيـن الحـلـم والـكابـوس..

 

سألني بعضكم : لماذا لم تكتب عن هذا الكابوس الذي يسمى إعصار شاهين ؟؟.

فقلت له : إنني أفضل الكتابة عن أعاصيري وأمطاري وكوابيسي.

*****

سأحدثكم بشكل سريع عن حلم جميل وكابوس فظيع.

سأبدأ حديثي بالجانب الإيجابي سأبدأ بالحلم الجميل حتى لا يقول المقرضون بأنني سلبي وظلامي وعاشق للسواد.

*****

حلم جميل لطالما اضاء في رأسي حاولت استحضاره بل تمنيت أن أعيشه في كل مناماتي

وجه مألوف لدي وجه قابلته في إحدى طرقات الحياة وأزقتها المتعرجة فعلق في ذاكرتي كنقش في حجر والتصق في رأسي كوشم في وجه بدوية يأبى الهرب والفرار والاندثار.

*****

دائما ما يبرز أمامي ذات فجأة في زحمة الناس ويضيء فكري في كثافة الظلام.

حيث الجفون تعانق الجفون والرموش تلتصق بالرموش.

دائما يلمع في عقلي كلما غصت في عفن الحياة وكأنه ينبهني بأن أتجاوز … بأن أمضي قدما .. أقفز فوق الصخور .. أتسلق الشوك وأعبر السدود.

وكأنه يود أن يحميني وينقذني من شيء ما.

كم تمنيت أن يزورني هذا الوجه في منامي.

لأقضي معه لحظات حين تكون الروح خارج الجسد.

فتتلامس الأرواح بعيدا عن التراب وتتعانق الأنفس في أجنحة الكون الواسع.

*****

البارحة زارني ذلك الوجه وقرع جرس ليلتي.

فابتهجت به نفسي أيما ابتهاج وفرحت به روحي أي فرح.

جلست بجانبي حدقت فيها.

ابتسم واضحك واقهقه طرباً.

وهي صامتة كالفراش ساكتة كالتلال وأنا أثرثر كببغاء.

شعرت بسعادة طافحة لا نظير لها..

وعشت بروعة أجزاء من عمر الليل.

فجأة رن منبه الصلاة ليقطع حلماً طالما اشتهيته.

نهضت ومازال وجهها ملتصقاً بعيني.

توضأت صليت طويت سجادتي بسرعة وهي عالقة في رأسي.

قفزت إلى سريري واستدعيت حلمي.

الغريب أن الوجه الحلم جاءني بسرعة وبسهولة لأكمل ثرثرتي معه وأطفئ أشواقي فيه، وليكمل صمته وسكوته الابدي.

*****

لا أدري كم قضيت معه من عمر النوم.

كم خيطاً من خيوط الظلام تسلقت.

كم كلمة عبأت بها رأسه.

وكم عبارة زرعتها في صدره.

لقد ثرثرت معه بما يسمح وقت الحلم أن أثرثر.

*****

كان حلماً جميلاً نادراً.

ولكنه كان ناقصاً مبتوراً.

كنت اتمنى ان اسمع كلمة واحدة من رفيقة الحلم ؛ كلمة واحدة فقط تثبت لي بأن كل ما حدث معي ليلة البارحة في منامي لم يكن حلماً بل حقيقةً بيّنةً ساطعةً ناصعة.

كم كنت أتمنى أن أعرف أنه حقيقة أطفأها نور الشمس حين تسلل خلسة إلى غرفتي واجبرني أن أنهض لأواصل المرارة .. وأركب الشوق ، وأزرع الاشتهاء ، وأحصد الأحلام ، وألهث خلف الامنيات.

*****

الكابوس..

*****

أنا بصراحة قليل الصداقات لا أحتفظ بالأصدقاء فترة طويلة!!.

أضجر منهم بسرعة ، وأتخلص منهم بسرعة ؛ فيتساقطون تباعاً من قلبي!!.

يبقى فقط من يلتصق بقوة .. يظل صامداً ولا يسقط .. لذلك الملتصقون بالقلب نادرون جداً !!.

ربما السبب هو قلبي الذي لا يلتقط الأصدقاء بسهولة .. ولا يستجيب لنداءات الصداقة في ذروة مواسم تزاوج الصداقات وتلاقحها.

اعتقد ان هذا هو السبب الرئيس في ندرة صداقاتي وجفافها.

*****

لدي صديق غير ملتصق بالقلب مجرد صديق أقضي معه وقت الفراغ.

هو يُفَرّغ سمومه في رأسي ، وأنا أسكب همومي ولعناتي في جمجمته.

بمعنى كانت تربطنا صداقة مصلحة نفسية .. نتبادل التخلص وتفريغ مشاعرنا السلبية نحو الناس والمجتمع لا أكثر ولا أقل.

*****

ذات نهار كنت في مسقط فوصلني خبر وفاة والده .. ولم اعرف بخبر الوفاة إلا بعد مرور الأيام الثلاثة وانتهاء فترة العزاء.

اتصلت به فلم يرد.

أرسلت له رسالة نصية فلم يجب.

ثم أرسلت له رسالة واتسابية جميلة ومنمقة فلاحظت بأنه حظرني.

طبعاً هذا دليل على أنه كان ساخطاً عليْ سخطاً عظيماً.

لأنني لم ألبس دشداشتي العمانية العبيدانية الفاخرة ، ولم ألبس عمامتي الترمة الثمينة ولم أمسك باكورتي المطرزة بالفضة والمحناة بمهارة ورشاقة وجمال ، ولم أتصدر مجلس العزاء ولم أتوسط الشخصيات والمنافقين والأعيان.

لقد حظرني هذا الصديق لأنني لا أجيد هذه المهازل ولا أتقنها.

وهذا دليل صارخ على هشاشة العلاقات الاجتماعية وضحالتها

واعتمادها على الرياء والتملّق والنفاق.

*****

من مصائبنا العظيمة أننا لا نتقن مهارة الاحترام الخالص .. الاحترام القائم على الصدق والوضوح والشفافية.

لا نقدر الآخر لذاته.

لا نقدر ظروفه ولا نكترث بمشاكله ومشاغله وهمومه.

إننا نتقن مهارة الحظر.

مهارة القطع .. قطع لحظات الفرح.

قطع لحظات التواصل ، ووأد لحظات الترابط.

قطع الخيط الدقيق الرقيق الأخير للبقاء على تواصل وتناغم وانسجام.

*****

إننا فعلا نعيش كابوساً فظيعاً في علاقاتنا الاجتماعية!!..

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى