أصداء وآراءبأقلام الكُتّاب

بناءً على متغيرات إقليمية ودولية .. الحرب في اليمن ستتوقف..

وافـي الـجـرادي

صحفي ومحلّل استراتيجي يمني

 

بناءً على متغيرات إقليمية ودولية .. الحرب في اليمن ستتوقف..

 

لا شك أن المملكة العربية السعودية وصلت الى قناعة باستحالة حل الازمة اليمنية عسكرياً، وأن خياراً كهذا وبعد سبع سنوات من الحرب بات أمراً مستحيل التحقق نظراً لعدة عوامل داخلية وخارجية، وأن الاستمرار في الحرب وما يترتب عليها من استنزاف مالي ومادي لا يصب أساساً في مصلحة السعودية وخططها الطموحة اقتصادياً، وإنما تُشكّل عبئاً كبيراً ومجازفة من شأنها أن تؤدي إلى انعكاسات خطيرة لا تخدم اليمن والسعوديين في شئ، ولهذا فقد أعلنت عن مبادرة لوقف إطلاق النار والدخول في هدنة، وفي هذا الصدد أعلنت الأمم المتحدة عن موافقة الأطراف اليمنية بالهُدنه في الـ 30 من مارس الماضي، ودخلت حيز التنفيذ في الـ 2 من أبريل الماضي لتمدد أغسطس الجاري؛ على أن يتم تمديدها حتى الـ 2 من أكتوبر المقبل.

إنّ ما تمخّض عن الحرب في اليمن ومنذ سبع سنوات من إهدار دم قرابة 600 ألف شخص، و دمار هائل للبنية التحتية، وتردئ الخدمات وانقطاع رواتب قرابة مليون ومائة ألف موظف .. كل هذا ترك مآس عدة، وتحوّل اليمن إلى واحدة من أسوأ بلدان العالم وأفقرها، وكل هذا ساهم في تشظي وتمزيق البنية الاجتماعية وتشرذمها.

وفي هذا التطور الخطير من اللازم والمهم أن تجنح كل الأطراف إلى السلام العادل، وأن تتخلى عن كل الحسابات الضيقة ودعوات الطائفية والمذهبية الشنعاء، وأن تعمل جنباً إلى جنب مع كل القوى الإقليمية والدولية، وأن تكون علاقاتها قائمة على حسن الجوار والاحترام والمصالح المتبادلة؛ فشعبنا اليمني يعاني ومنذ الستينات من الصراعات والأزمات المتواصلة، بينما موارده وثرواته إن تم استغلالها الاستغلال الأمثل فهي كفيله لبناء الارض والإنسان، ولأصبح اليمن واحداً من اقتصادات التنمية الواعدة في المنطقة.

فبرغم تضمّن الهدنه لأليات محددة ومنذ دخولها حيز التنفيذ كوقف العمليات العسكرية الجوية والقتالية على الارض، وفتح الطرق المغلقه في تعز ولحج، والإفراج عن المعتقلين؛ إلا أن كل ذلك لم يتحقق وبشكل تام، فعلى سبيل العمليات القتالية والهجمات الجوية فقد ساهمت الهُدنة في خفض التصعيد العسكري ومن الخسائر المادية والبشرية، اما فيما يتعلق بفتح الطرقات وتحديداً في محافظة تعز؛ فقد فشلت الأطراف في نجاح هذا الملف، ولم يتم أيضاً الإفراج عن المعتقلين من الطرفين، ولخلافات بينية يتحمل طرفي الصراع تداعياتها؛ بالمقابل كل هذه الاخفاقات لا يمكن اعتبارها معضلة تقف في وجه تحقسق حل سلمي، وعلينا التأكيد بأن تلك المرحلة وحتى اللحظة لا زال أمر التوجه صوب التمديد للهدنات حاضر إلى حين انتهاء المفاوضات بين القوى الكبرى وطهران، وما سينجم عنها من متغيرات، إلى جانب الجولات الحواريه بين الرياض وطهران وما ستؤول إليه نتائجها، والتي تشير إلى إعاده العلاقات قريباً بين الطرفين، ومن حينها ستأخذ الأزمة والحرب في اليمن منحىً آخر، وباستطاعة الطرفين الضغط على القوى المتصارعة بالداخل لإنجاز كل ماتم إنجازه وفي مدة قصيره، ومن ثم الدخول في مفاوضات مباشره تفضي لتوافق شامل تتقاسم فيه كل الأطراف السلطة.

في الحقيقة يدرك الطرفان السعودي والإيراني أهمية الحوار الثنائي بينهما، لغاية الوصول إلى تفاهمات من شأنها أن تؤدي إلى حلحلة الأزمات في المنطقة، التي تأتي في طليعتها الأزمة اليمنية والتي تشكل مساحة اختلاف وصراع وتنافس بين الطرفين.

ومن هنا يمكن فهم الحوارات التي تجري في بغداد بين السعوديّين والإيرانيّين على أنها القاعده الأساسية والمهمة، وخطوة عقلانية تصب في مصلحة الطرفين، ولها ارتداداتها الإيجابية على كل أزمات وصراعات المنطقة، وستضمن للمنطقة ازدهاراً وعلاقات متينة إن تم توظيفها وبشكل يراعي تطلعات وآمال كل شعوب المنطقة؛ فالسعودية تملك القدرة على التأثير على القوى الحليفة لها في اليمن كمجلس القيادة الرئاسي والانتقالي الجنوبي، كما تملك إيران القدرة على التأثير على حليفها الحوثي (جماعه أنصار الله)، وهذا بدوره قد يجعل من الطرفين يقودان حلفاءهما إلى تسوية من شأنها أن تنهي رحى حرب مدمره ومنهكة لليمنيين، ومستنزفة للسعودية وإيران وبالتالي مكاسب تحقيق سلام في اليمن سيعود بالنفع على اليمنيّين في المقدمة، وعلى طرفي الصراع الاقليمي (إيران والسعودية) أيضاً.

يمكن اعتبار الموقف الأمريكي في عهد الرئيس الحالي بايدن بمنزلة تحوّل من سُلّم الداعم والمخطط للحرب على اليمن إلى سُلّم الوسيط الداعي والساعي لإنهاء الحرب في اليمن انطلاقاً من الخطوات التي أقدمت عليها إداره بايدن فيما يخص الحرب في اليمن؛ كإنهاء الدعم الأمريكي لكافة العمليات العسكرية، وما يتعلق بها من صفقات تسليح، ودعم جهود الأمم المتحدة الرامية لوقف الحرب، إلى جانب الضغوط المتواصلة للإدارة الأمريكية لتمديد الهُدنات، وإتاحة مساحة لأطراف الصراع للتوصل إلى توافق يقود لحوار شامل يضع حداً للحرب المتأزمة والكارثية نتائجها، وبنظري فإن سعي الولايات المتحدة لوقف الحرب يأتي من منطلق الضغوط التي تواجهها إداره بايدن من المنظمات الحقوقية والإنسانية، إلى جانب الإدراك بأن استمرار الصراع والحرب قد يُشكّل عبئاً إضافياً في حال توسعت العمليات الهجومية على مصادر الطاقة السعودية، وما ينجم عن ذلك من ارتفاع لأسعار الطاقة في وقت تواجه فيها إداره بايدن صعوبات جمّه نتيجة الحرب الروسية الأوكرانية، وما نجم عنها من أزمة طاقة، دفع الاقتصاد الأمريكي ثمناً باهض، الى جانب ما أحدثته من امتعاض مجتمعي متزايد على سوء إداره الرئيس بايدن وأدائه.

أيضاً في الـ 3 من مارس الماضي زار المبعوث الامريكي الخاص لليمن “تيمية ليندركينغ” محافظة شبوة اليمنية الغنية بالنفط والغاز، كما زار محافظتي المهرة وحضرموت توقيت؛ الزيارة وأهدافها فضلاً عن مكان الزياره والذي كان في منشأة بلحاف الغازية وبحضور محافظ شبوة والتباحث عن الأمن والاستقرار وقطاع النفظ والغاز يؤكد بأن الولايات المتحدة ترغب في الاستفادة من مصادرة الطاقة اليمنية (النفط والغاز)، وأن الحاجة لهذه الموارد بات ضرورياً تحديداً بعد حظر استيراد النفط من روسيا وتزايد الحاجة لبديل لتأمين الأسواق الأمريكية والأوروبية بالغاز، ومن هنا يمكن اعتبار الحرص الأمريكي على وقف الحرب وتقديم الدعم للمحافظات الاستراتيجية والغنية بالنفط والغاز، وتذليل الصعاب أمام الشركات الأجنبية للعودة، ومن ثم إنتاج النفط والغاز يصب في صالح كيفية استغلال النفط والغاز اليمني لتخفيف نقص إمدادات الطاقة في الأسواق الأمريكية ومعها الأوربية، وهذا لن يتحقق إلا من خلال وقف الحرب، وهو ما تسعى إليه واشنطن وبكل حرص.

لا ننسى أن ديناميات التطورات الإقليمية والدولية كوقف الدعم العسكري الأمريكي للرياض، وفتور العلاقات السعودية الأمريكية، والرغبة السعودية في التوصل لاتفاق مع طهران، والذي تُفسّره جولات التفاوض بين الطرفين في العاصمة العراقية بغداد، إلى جانب ما تمخّض عن الحرب الروسية الأوكرانية على مجريات السياسة والتوجهات الدولية، وانشغال الأمم المتحدة بالصراع الروسي الأوكراني وما يُخلّفه من تداعيات إنسانية خطيرة على الأوكرانيّين، وتوجيه نطاق الاهتمام والدعم لآثار الحرب هناك؛ كل هذا وفّر مؤشرات حقيقية على أن الحرب في اليمن باتت الحاجة لوقفها أمراً مُلحاً، وأن لا آفاق تبدو للذهاب في صراعات قادمة.

بات استمرار الحرب معضلة وعقبة تقف في وجه المجتمع الدولي المُثقل بالكثير من الأزمات والمخاطر، وأن مسألة استمرار الحرب في اليمن بات غير مرحب به حالياً، وهنا يجب التأكيد على أن أمام اليمنيّين فرصة إجماع معظم القوى الدولية لوقف نزيف الدم، وإنهاء معاناتهم.

هذه القوى الدولية ليس بمقدورها أن تتحمل تبعات إضافية تمس إمدادات الطاقة، وهذه مخاوف تسعى لتفادي وقوعها، ولأجل ذلك تدعو لوقف الحرب.

استمرار الحرب يعني تعريض منشأت الطاقة السعودية وربما أيضاً الإماراتية للقصف، وربما قد يعني احتماليه وصول نيران الحرب الى تعرض سفن الوقود والتجاره في البحر الاحمر لمخاطر؛ حيث إن موقع اليمن المُطل على باب المندب وقدرته على وقف حركة الملاحة أو أالحاق الضرر، وبالتالي تستوعب كل الدول أن لا حاجه للاستمرار في صراع من الصعب حله عسكريا ،وقد يترتب عليه خنق للاقتصاد والتجاره العالمية

ومن الامور التي ينبغي الإشاره والإشاده بها وفي سبيل تثبيت دعائم الهُدن والالتزام ببنودها، والدعوات المتواصلة لوقف الحرب في اليمن هو الموقف السياسي لسلطنة عمان فلقد لعبت دوراً هاماً واساسياً في اقناع كل الاطراف اليمنية والخارجية بأن حل الازمة في اليمن ليس عسكرياً وانما سياسي ومن خلال التفاوض البناء والعادل الرامي للحفاظ على اليمن ووحدته واستقراره وسلامة ابناءه واراضية، لقد بذل الأشقاء في السلطنة جهود جبّاره ومنذ بدء الحرب وقدموا الكثير من التسهيلات والدعوات في سبيل تجنيب اليمن المزيد من الخساير، والإقليم عموماً.

في غضون أربعه أشهر من الهُدنه زار وفد من سلطنة عُمان صنعاء لمرتين، وكل هذه الزيارات مفادها إقناع جماعة الحوثي بالالتزام بالهدنة، وحثها على السلام، ومحاولة منها لتقريب وجهات النظر، وأن لا خياراً لليمنيّين كافة سوى السلم والأمن.

كما بذلت سلطنة عُمان ورعت الكثير من اللقاءات والاجتماعات بين الفرقاء اليمنيّين، إلى جانب تكثيف جهودها مع القوى الدولية والإقليمية في مسار حلحلة الأزمة اليمنية، وتعزيز جهود السلام وحثها على دعم جهودها الرامية لوقف الاقتتال ودرء المعاناه عن اليمنيين.

في النهاية كل مجمل التوجهات الإقليمية والدولية حالياً ترمي صوب وقف الحرب في اليمن؛ لكن ما بعد وقفها يطرح الكثير من التساؤلات حول ماهية شكل هذه الدولة، وكيف ستكون علاقاتها مع محيطها الإقليمي، ومايجب أن تكون عليه وتقوم به الدولة .. وكل هذا سنتحدث عنه في مقال آخر قادم إن شاء الله.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى