أصداء وآراء

تحديات ما بعد صاروخ ديمونة “الطائش”..

 

الكاتب/ د. محمد السعيد إدريس

mohamed.alsaid.idries@gmail.com

 

تحديات ما بعد صاروخ ديمونة “الطائش..

 

صباح يوم الخميس الفائت (22/4/2021) لم يكن مثل كل الأيام فى دولة الاحتلال الإسرائيلى. ففى تمام الساعة  الثانية و38 دقيقة صباح ذلك اليوم بتوقيت فلسطين المحتلة دوت صفارات الإنذار كما لم تدوى من قبل لسبب لم يرد أبداً فى حسبان أحد، وهو سقوط صاروخ سورى، أو قادم من سوريا، على بعد 30كم فقط من “مفاعل ديمونا” النووى الإسرائيلى فى صحراء النقب التى تبعد 296 كيلومتراً عن دمشق. اخترق هذا الصاروخ كل الدفاعات الجوية الإسرائيلية بما فيها “القبة الحديدية” وصواريخ “الباتريوت” الشهيرة التى  لم تستطع أن تفعل شيئاً، حدث ذلك فى وقت لم تكن القيادة الإسرائيلية قد أفاقت بعد من نشوة نجاحها الاستخباراتى فى إحداث “تفجير تخريبى” فى مركز توزيع الكهرباء فى “منشأة ناتنز” لتخصيب اليورانيوم فى إيران.

كما أنها لم تكن قد أفاقت بعد من صدمة رد الفعل الإيرانى غير المتوقع على عملية التفجير تلك الذى تم عبر مسارين أولهما تفويت الفرصة على إسرائيل وعدم الانسياق فى أى رد فعل انفعالى يؤدى إلى انسحاب الوفد الإيرانى المفاوض فى العاصمة النمساوية فيينا مع أطراف “مجموعة 5+1” الدولية بمشاركة أمريكية لحل معضلة العودة الأمريكية للاتفاق النووى وإلغاء كل العقوبات الأمريكية التى فرضت على إيران مقابل تراجع إيران عن كل خطواتها التصعيدية فى برنامجها النووى أما المسار الثانى فكان اتخاذ قرار جرئ بتغيير أجهزة الطرد المركزى البدائية التى  تستخدم فى تخصيب اليورانيوم بأخرى أكثر تقدماً ورفع معدل التخصيب الإيرانى لليورانيوم من 20% إلى 60% والنجاح فى إنتاج يورانيوم مخصب بهذه النسبة المرتفعة بما يعنيه ذلك من أن إيران باتت على بعد خطوات لإنتاج يورانيوم مخصب بنسبة 90% وهى النسبة المطلوبة لإنتاج القنبلة النووية ، الأمر الذى فاقم من جنون القيادة الإسرائيلية، بقدر ما أدى إلى تأزيم العلاقة بينها وبين إدارة الرئيس بايدن التى طالبتها بالتوقف عن “الثرثرة والتشويش” على مفاوضات الإدارة الأمريكية مع إيران.

وسط هذا كله سقط الصاروخ السورى على مقربة من أهم منشأة استراتيجية إسرائيلية حيث تكمن القدرات والأسلحة النووية الإسرائيلية فى رسالة شديدة الوضوح تقول أن “الصاروخ لم يخطئ هدفه وأنه وصل إلى المكان المخطط له بعيداً عن المنشأة النووية الإسرائيلية عن عمد، لكنه يمكن أن يصيبها عندما يصدر قرار بذلك”. رسالة التقطها الإسرائيليون سريعاً فى ظل حالة من الارتباك والاضطراب غير المسبوق داخل القيادة التى باتت منقسمة وعاجزة عن تشكيل حكومة جديدة وسط أجواء عجز سياسى أوسع ربما تقود إلى انتخابات عامة خامسة فى غضون أقل من عامين، فى وقت يواجه رئيس حكومة تسيير الأعمال بنيامين نتنياهو تهديدات حقيقية بالسجن عندما يجد نفسه خارج رئاسة الحكومة الجديدة بسبب جدية التحقيقات التى تجرى، حيث كتبت صحيفة “جيروزاليم بوست” أن المدعى العام الإسرائيلى آفيخاى ماندلبليت “اقترب أكثر من أى وقت مضى لإعلان أن رئيس الوزراء المكلف بتشكيل الحكومة بنيامين نتنياهو غير مؤهل لمواصلة قيادة البلاد بسبب قضية الفساد العام”.

لم تجد القيادة الإسرائيلية العاجزة وسيلة لتخفيف صدمة الصاروخ السورى إلا عبر فبركة رواية هزلية نقلتها الصحافة الإسرائيلية التى وصفت الصاروخ السورى بـ “الصاروخ الطائش” أو “الصاروخ المنحرف” الذى ضل هدفه وزعمت أنه صاروخ “أرض- جو” وليس صاروخ “أرض – أرض” حسب ما نقلت صحيفة معاريف، وأنه لم يقصد أبداً إصابة ديمونة، وأن القيادة السورية لم تفكر فى ذلك، وأن الصاروخ كان موجهاً ضد طائرة إسرائيلية كانت ضمن طائرات هاجمت سوريا وأنه أنحرف على ما يبدو عن مساره، وأن هذا الصاروخ انفجر فى السماء.

جرى الترويج لهذه الأكذوبة رغم تأكيد الخبراء أن الصاروخ انفجر على الأرض بعد تخطيه أكثر من 250 كيلومتر فى العمق الإسرائيلى مما يلغى الرواية الإسرائيلية التى يبدو أنها كانت تجاهد من أجل احتواء الحدث المرير والتعتيم ليس فقط على عجز الدفاعات الإسرائيلية عن التصدى للصواريخ المعادية، ولكن أيضاً على خلفيات القرار السورى بإطلاق هذا الصاروخ وبهذه الدقة والرسائل التى أراد إرسالها وأبرزها أن دمشق بات فى مقدورها فرض قواعد اشتباك جديدة، وأن تحالفها مع إيران يمكن أن يعوض القيود الروسية المفروضة على دمشق والتى تحول دون تمكينها من استخدام ما لديها من ترسانة صاروخية روسية متقدمة خاصة صواريخ “اس- 300” القادرة على ضرب أى أهداف عسكرية جوية إسرائيلية داخل الأجواء الإسرائيلية قبل تخطيها للحدود مع سوريا.

وإذا كانت الولايات المتحدة قد اختارت ما وصفه أحد الخبراء بـ “الرواية اللينة” بتبنى الجنرال فرانك ماكنزى قائد المنطقة الوسطى الأميركية رواية “الصاروخ التائه” وإرجاع ذلك إلى “عدم الكفاءة السورية” فإن سوريا قبلت تكتيكياً الروايتين الإسرائيلية والأمريكية ضمن حرص على “عدم التصعيد” لتهدئة الأجواء أمام محادثات فيينا حول البرنامج النووى الإيرانى، حيث قالت الرواية السورية أن “صاروخ ديمونة” صاروخ سورى مائة بالمائة من نوع “سام -5” المطور “أرض- جو” وكان يستهدف طائرات “اف -16” فى العمق الإسرائيلى ولم يستهدف المفاعل النووى. لكن هناك أخرى إيرانية يؤكدها الخبراء الاستراتيجيون تقول نقلا عن مصادر تابعة للحرس الثورى ونقلتها وكالة “رجا نيوز” تقول أن “صاروخ ديمونة” هو صاروخ أرض – أرض من “طراز فاتح- 110” الإيرانى وأنه أطلق من داخل الأراضى السورية على بعد 200كم من مفاعل ديمونة ، وأنه لم يضل طريقه وأنه يبعث برسالة واضحة إلى إسرائيل بأن “عدم إصابة الصاروخ، الذى يصل مداه إلى 300كم، للمفاعل النووى ليس بسبب عدم قدرته على إصابة الهدف وإنما لدواع إنسانية” فى إشارة إلى تجنب أى تسريب نووى، كما أن ما جرى قرب مفاعل ديمونة “رسالة إلى إسرائيل بأن مناطقها الحساسة ليست محصنة”.

الأمر المؤكد أن الرسائل جميعها وصلت إلى القيادة الإسرائيلية المرتبكة الآن إزاء كل ما تواجهه من “تحديات مكثفة” أضحت تفرض “معضلات أمنية” غير مسبوقة، سواء كانت التقدم الإيرانى المخيف نحو إنتاج القنبلة أو على الأقل العودة الأمريكية إلى الاتفاق النووى مع إيران الذى ترفضه إسرائيل، أو كانت “انتفاضة القدس” الوليدة التى تتصاعد يوماً بعد يوم، أو كانت حرباً باتت على الأبواب مع المقاومة فى قطاع غزة أو الخطر الجديد القادم من سوريا فى ظل تداعيات لم تعد فقط محتملة بل ربما تكون مؤكدة لصاروخ ديمونة سواء كان صاروخاً “أرض- جو” ضل طريقه أو صاروخ “أرض – أرض” وصل إلى هدفه، تقول أن سوريا باتت منخرطة فى فرض معادلة قواعد اشتباك جديدة تدعمها إيران وربما لا ترفضها روسيا، فى ظل إدراك استراتيجى إسرائيلى صاغه “المجلس الأمنى المصغر” (الكابينت) فى جلسته غير العادية (الأحد- 18/4/2021) مفاده أن “الأمريكيين يتنازلون (فى محادثات فيينا) أكثر مما يريده الإيرانيون، وأن هدفهم هو الركض نحو اتفاق مع إيران بأى ثمن”.

معضلات تأتى فى أجواء داخلية حرجة تقف فيها الطبقة السياسية الإسرائيلية الحاكمة عاجزة عن تشكيل حكومة تقود البلاد.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى