أصداء وآراءبأقلام الكُتّاب

تحفة الأعـيان بسيـرة أهل عُـمان .. إبداع في التأريخ والسرد..

الدكتور/ نعـيم الأزهـر ميـساوي

تحفة الأعـيان بسيـرة أهل عُـمان .. إبداع في التأريخ والسرد..

 

وأنا أتمّ قراءة كتاب “تحفة الأعيان بسيرة أهل عمان” بصفحاته التي تجاوزت ال 360 صفحة، احترت كيف أعرّف الكتاب وبماذا أقدّم مؤلفه، هل أقدمه كمؤرخ أم كروائي، فهو يسرد الأحداث بأسلوب شائق يقودنا إلى المتعة ليصل بنا الشوق كلما أنهينا صفحة إلى أعلى درجاته.

وإني أوجّه تحيّة إكبار وتقدير لمؤلف الكتاب رحمه الله نور الدين بن حميد السالمي وأرجو أن يكون من العلم الذي ورّثه فعليه من ربنا السلام والرحمات والبركات هذا العملاق الفذ الذي أُدرج في منظمة اليونسكو من بين 5 شخصيات عمانية مؤثرة في العالم، وفي الحقيقة قد شدني عنوان الكتاب لأول مرة في شهر نوفمبر الماضي وانا أتصفح رفوف المكتبة ليوقعني في شراكه.

ومنذ ذلك الحين وأنا أصارع حروفه وسطوره، وقد أبدع فيه صاحبه من تشكيل استثنائي لتاريخ عمان على مدى حقب زمنية متفاوتة، وما تلاه بذاكرة مبدعة جعلت من الكتاب عمانياً بامتياز، كتاب أقل ما يقال فيه وعنه بأنه يعيد تشبيك العلاقات الاجتماعيّة والاقتصاديّة لتحوّل كبير في تاريخ البلاد والمحافظات، وذلك دون العودة إلى الوثائق الرسميّة أحيانا بل على شهادة الأعيان والاستناد إلى العلاقات الحية بين الفئات الإجتماعيّة من أطياف مختلفة التي تعايشت في شتّى المحافظات المناضلة وديانها وجبالها، سهولها وساحلها، بواديها وحضرها، كاتبها وأميّها عالمها وعاميها، كلّ في توافق كبير برغم ما تعتري أواصل الأخوة أحيانا تجاذبات سرعانما تتبخر في الهواء لتصفو السماء من جديد.

وبالعودة إلى الكتاب فإن قيمته تكمن في القدرة على توثيق الحياة الإجتماعيّة بأدق تفاصيلها للمناطق المختلفة بعاداتها وتقاليدها، وفي تصوير الدّور الفاعل للأحداث الوطنيّة والشّخصيّة العمانية في بناء سلسل يحيلنا إلى مئات القرون من العز والثبوت والرسوخ إلى اليوم هذا.

وبالعودة إلى أسلوب السرد في الكتاب نفسه بالإضافة إلى توثيق الحياة الإجتماعية والإقتصادية والسياسية، فهو في جانب منه يؤلف أحاسيس وإبداع لمؤثرات انفعالية في علاقاتها مع المؤثرات الإدراكية التي يمنحنا إياها صاحبه، فهو لا يخلقها فقط في أعماله، بل إنه يعطينا إياها ويجعلنا نصير معها، ويدرجنا مع شخصياته وأحداثه في الركب ليصبح القارئ هو نفسه بطل في الكتاب.

إن المؤلف بشخصياته في تحفة عمان هو من يصنع إمكانات القوة، وإنتاج الأثر الذي يخرج الإنسان من حدوده الإنسانية ويدفعه لاكتشاف صيرورات الوجود الأخرى فأنت تعيش الأحداث والتاريخ برغم الهوّة السحيقة بين ميلادك وميلاده، ويفتحه على الصيرورات اللامتناهية للوجود وعلى هذا الأساس يصير ما قرءناه وما نقرؤه موقفا من العالم، وتغييرا عميقا لكيفيات تمثلنا للقوى والأشياء التي تعمّره ليغيّر طبيعة إدراكنا للواقع. يتعلق الأمر ههنا، أولا وأخيرا، بالقدرة على إنماء الحياة وهذا مشروع كبير، وحده الكاتب ووحده الفنان ووحده العالم قادرون على أن يشاركوا بقوة في خلقه يلتقطون ممكناته ويثبتونها كقوى إحساس وحياة وإدراك حتى لا نموت ونحن على قيد الحياة.

شكرا للمؤلف ورحمة الله عليه وعلى والدينا ان أثار في داخلنا مفردات الوجود ومعاجمه.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى