أصداء وآراءبأقلام الكُتّاب

تربية الأبناء في زمن القولبة..

 

تربية الأبناء في زمن القولبة..

 

مما لا شك فيه، أنّ العالم يمر بأزمات عصيبة، وتأتي أزمة القيم والأخلاق في مقدمتها. ليس لعدم وجود مرجعية للإحتكام إليها، إنما نتيجة لما خالطها من مفاهيم ومبادئ ترتبط بالتغيّرات العالمية، متعددة الاتجاهات، قطبية المصالح، شائكة التفاعلات. ومع هذا الواقع، تتفاقم التحديات التي تواجه الوسائط التربوية؛ في تربية النشء، وتحقيق أهداف المجتمع في تطبيع أبنائه وفق أعراف وموروثات قيمية، تناقلتها الأجيال عبر الحقب والعصور،  وجسدتها الحكومات عبر منظومات تربوية.

إنّ جلّ ما يشغل بال المربين اليوم، يتمثل في الحفاظ على كيان الأمم، وصون المجتمعات من الانجراف وراء قولبة القيم، التي تجاوزت الحدود الجغرافية؛ نتيجة ما يسمى بعولمة الأخلاقيات، وعالمية السلوك. وعلى الرغم من أنّ القيم الأخلاقية اتفقت عليها كافة الرسالات السماوية، ولم تختلف عليها الأديان، إلا أنّ بروز ما يعرف بالتكتلات السياسية، الاقتصادية، وغيرها، كان له من الانعكاسات التي عملت على زعزعة تلك الثوابت القيمية، والعادات الأخلاقية التي نظّمت حياة البشرية زمنًا طويلًا، دون الحاجة إلى منظمات دولية، أو هيئات حيادية.

وفي عصر العولمة، تتضاعف المسؤولية الوالدية في تربية الأبناء، لتتقاطع من مسؤوليات أخرى لا تقل أهمية، والمتمثلة في تأمين حياة كريمة، وتهيئة الأبناء ليكونوا رجالًا صالحين، ويكونوا سندًا وعضدًا للوالدين، كما يؤمل منهم تكوين أُسر وعائلات مستقيمة، وسواعد كفء يُعتمد عليها في تحقيق التنمية.  ولعلّ التربية تمثل القاعدة العريضة في هرم  التكوين والتنشئة الاجتماعية؛ حيث تقوم عليها المجالات الحياتية الأخرى. لذا نجد كثير من الأصوات المتشائمة في طبيعة الأجيال الحالية والقادمة، وما تتسم به من أخلاقيات عامة، وسلوكيات خاصة، تناهض ما يرتجيه أولياء الأمور من سمات يتطلعون لأن يكون عليها أبنائهم وفلذات أكبادهم.

والأخطر من ذلك، النظرة السوداوية لشباب الجيل الحالي، والعزوف عن الزواج، أو تكوين أُسر كما يحلمون، في ظل غياب القيم كما يدعون، وقلقهم من القدرة في السيطرة على تربية أبنائهم؛ نتيجة غلبة أفكار مهاجرة، انتشرت؛ لتبث سمومها بين صفوف بني جيلهم، بلا رقيب أو حسيب. والحال ينسحب على العادات الاقتصادية، وما رافقها من تبّدل في أنماط الحياة الشرائية، والاشتراطات التجهيزية، للمقبلين على الزواج مبكرًا. الأمر الذي يفرض عليهم  إلغاء سنة الزواج من قاموس حياتهم، أو التفكير في الارتباط بمن هن أقل اشتراطًا، من بيئات خارجية، أو ذات عقليات تتناغم مع الفكر المتغيّر في أساليب الحياة العصرية، والمناقضة للمحددات الاقتصادية، التي سادت بعض المجتمعات خلال السنوات الأخيرة.

وفي ضوء ما تقدم، يمكن الإشارة إلى أهمية التنشئة الاجتماعية، وترجيح كفّة المسؤولية الوالدية في ذلك. مع الأخذ في الحسبان، محددات وعوامل تؤثر في اتجاهات الوالدين أنفسهم نحو تربية الأبناء. إذ تمثل ثقافة المجتمع في مقدمة تلك العوامل، التي يستمد منها أولياء الأمور أساليب تنشئتهم لأبنائهم من خلال المعايير الاجتماعية السائدة. كما يرتبط هذا العامل بالمستوى الاجتماعي الذي ينتمي إليه الآباء أنفسهم، وآليات تربية الأبناء في عائلاتهم.

وبالإضافة إلى ما سبق، تأتي الظروف الاجتماعية والتقلبات الاقتصادية للأسرة، لتؤثر تأثيرًا مباشرًا على طريقة تعامل أولياء الأمور مع الأبناء، كالتفكك الأسري، أو الحالة الاقتصادية المتدنية، والذي ينتج عنه ترسيخ قيمًا قد تتناقض مع ما تسعى إليه المؤسسات التربوية، من تحقيق التجانس الفكري والثقافي، بين كافة المخرجات التعليمية، في إطار ثقافة المجتمع وقيمه التي يؤمن بها.

ختامًا : إنه من المسلّم به، وجود تحديات جمّة تعرقل تربية الأبناء في العصر الحالي كما يجب؛ نتيجة للعوامل والمؤثرات العالمية، التي لا يمكن الانعزال عنها، أو تجنب تأثيرها قطعيًّا، إنما يمكن لكافة الجهات ذات العلاقة بالتربية والتنشئة الاجتماعية، تأسيس منظومة تربوية متجددة، تناسب معطيات العصر الجديد، ومراجعة القوانيين والأنظمة، التي تؤطر تقنيات التعامل مع  المتغيرات العالمية. كما أنّ سعي الحكومات لتحقيق الرفاه الاجتماعي والاقتصادي للأسر، سيسهم في تجنيبهم من الوقوع في غيابة العوز المالي، الذي يكون بدرجة كبيرة سببًا رئيسًا في خلخلة القيم الأخلاقية والإنسانية بشكل عام.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى