أصداء وآراءبأقلام الكُتّاب

تركيا والإمارات .. شراكة واعدة تطوي صفحة خلافات الماضي..

عـبـدالعـزيـز بـدر القـطان

كاتـب ومفـكـر – الكويـت

 

تركيا والإمارات .. شراكة واعدة تطوي صفحة خلافات الماضي..

 

إن التعاون بين تركيا والإمارات مهم جداً لاستقرار المنطقة، بهذه الكلمات صرّح الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، قبيل توجهه إلى العاصمة الإماراتية “أبو ظبي”، مضيفاً أن أمن واستقرار دول الخليج من أمن بلاده.

الاتفاقية الموقعة معروفة وشكلت جوانب متعددة، منها بدء مفاوضات اتفاقية الشراكة الاقتصادية الشاملة بينهما، إلى جانب 13 اتفاقية أخرى تشمل مجالات بينها الاستثمار والصناعة والتقنيات المتقدمة والدفاع والنقل والصحة والزراعة والثقافة، بحضور الرئيس التركي رجب طيب أردوغان وولي عهد أبو ظبي الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، وذلك على خلفية تلبية دعوة من الأخير، وبحضور وزراء الخارجية مولود جاويش أوغلو، والداخلية سليمان صويلو، والمالية نورالدين نباتي، والتجارة محمد موش، وعدد آخر من الوزراء.

وبعد سنوات من التنافس الإقليمي والتصريحات العدائية بين تركيا ودولة الإمارات وتبادل الاتهامات بالتدخل وممارسة النفوذ خارج حدودهما، بدأت خطوات تقارب وتهدئة بين البلدين، ورغم الخلافات التي كانت بينهما التوقعات الحالية تشير بأن يركز البلدان على بناء العلاقات الاقتصادية وترحيل الخلافات السياسية، لقد بدأ جبل الثلج بالذوبان، وعلى النقيض من السعودية، التي تلتزم بنهج مقاطعة غير رسمية للصادرات التركية، تقول الإمارات إنها لاتزال أكبر شريك تجاري لأنقرة في المنطقة. وضخت صناديق الثروة السيادية لأبوظبي استثمارات ضخمة في الآونة الأخيرة في شركات تركية، لكن على الصعيد السياسي، سيكون التغلب على الخلافات أشد صعوبة، نظراً لإصرار مصر وحلفائها الخليجيين على سحب أنقرة لقواتها وللمقاتلين السوريين الذين تدعمهم من ليبيا، وهو مطلب يصفه الدبلوماسيون بأنه ذو أهمية قصوى بالنسبة للقاهرة وحلفائها.

واقع الحال، يقول إن هذا التعاون مهم لكلا الطرفين، وبعيداً عن التجاذبات الإعلامية التي تتحدث عن خلافات سابقة، فمن المعروف أن جائحة كورونا العالمية قد أضرت بكبرى الاقتصادات العالمية، وتركيا ودول الخليج ليسوا استثناءً، بالتالي، بدأ التفكير المنطقي للجميع، بإعادة رسم وتخطيط هيكلية جديدة تتيح التعويض عن الخسائر التي لحقت بكل الدول، فنجد اليوم في القمة الأوروبية – الأفريقية في بروكسل، أن الحدث اتجه نحو التعاون الاقتصادي أكثر منه حول الإرهاب، حيث تعاني القارة السمراء من ظروف صعبة إن كان في منطقة الساحل أو الاحتراب والاقتتال الأهلي في عددٍ من دولها، أما في المنطقة الشرق – أوسطية، الحال ليس أفضل، فالشراكة الإماراتية – التركية هي جانب مهم يبين أن السياسة تبين أن لا عداء مستمر، وأن التصالح وتجاوز الخلافات أمر مهم للاستمرار، فمن يتابع الأوضاع قبل عام من الآن، وكيف كان شكل العلاقات بين أنقرة وأبو ظبي يتأكد له أنه من المستحيل التقارب بهذا الشكل، وهذا مؤشر على أن تطبيع العلاقات ليس متعلقاً بدولة الإمارات فقط، إذ ستتجه المملكة العربية السعودية إلى هذا الأمر وكذلك مصر التي إلى الآن ورغم المحاولات التركية تناور في هذا الملف، لكن الإمارات ممسكة بزمام الأمور، ومن المتوقع أن تتدخل بثقلها لتقريب وتحسين العلاقات بينهم وبين تركيا إن لم يكن اليوم، ففي القريب العاجل.

وما يؤكد صحة ما سبق أن وسائل الإعلام العالمية أجمعت على الأهمية الاستراتيجية لتنامي العلاقات الإماراتية التركية، مشيرة في تغطياتها الخاصة بزيارة الرئيس التركي للإمارات إلى أن التعاون الإماراتي التركي سيشكل نقطة فارقة على الصعيد السياسي والاقتصادي، فزيارة الرئيس التركي تأتي كأول زيارة له منذ نحو تسع سنوات، بالتالي، اكتسب الحوار الإماراتي – التركي زخماً خلال الفترة الأخيرة، وتحوّل إلى تعاون ملموس، أظهر قدرة البلدين على تشكيل مستقبل مشترك في حال الأخذ بزمام المبادرة، خاصة وأن الإمارات مستمرة في تعزيز قنوات التواصل مع مختلف الدول، وهذا من الممكن ربطه بأهمية تركيا الاقتصادية، فهي لاعب خصم في المجال الاقتصادي وحتى العسكري والسياسي، وهي من الدول الصناعية المهمة عالمياً، وتركيا احتلت المرتبة 11 بين أكبر الشركاء التجاريين لدولة الإمارات.

القـادم مزدهـر..

هذا التعاون وتعزيز العلاقات عدا عن أنه درس مهم لكل الأدمغة التي تتعنت وتصر على تأجيج الخلافات، لا يمكن لها الوقوف جانباً والنظر إلى تنامي قدرات التحالفات الجديدة بينما هي تقبع على الحياد، القيادات الحكيمة والعقلانية تؤكد أن مصالح الأوطان والشعوب تأتي أولاً، ففي السياسة لا يمكن التفكير بأن العداء سيبقى أبد الدهر، الحسابات الإماراتية دقيقة، فقد اختارت أن تذهب باتجاه الدول الصناعية الكبرى، وهنا لا ننكر وتعترف أننا كشعوب خليجية نستهلك وجل اعتمادنا على الصادرات، وكل الأموال الخليجية لم تجعل من دولنا رقماً صعباً صناعياً على الأقل، وهنا نتحدث عن حقائق، تركيا صنعت قوة اقتصادية كبيرة ولولاها لما كان يُحسب لها أي حساب، وكل منتجاتها من كافة النواحي تقريباً هي إنتاج محلي، والذي لا يتوفر لديها تجدها تتجه لبناء تحالفات تردم به هذا النقص وتعويضه من جوانب أخرى، فهي تصنع طائرات بلا طيار (بيرقدار) على سبيل المثال، وتصدرها إلى كل من يريد، وهي تلبس وتأكل مما تزرع وتصنع، بالتالي، خيارات الرافضين ليست كثيرة إن أرادوا تحقيق نهضة تعوض ما فاتهم من خسائر، وأكرر سترعى الإمارات بكل تأكيد تقريب وجهات النظر بين الأطراف المهمة في هذا الجانب.

من هنا، لقد صنعت دولة الإمارات علاقات إيجابية مع العالم، ولا سيما في الجوانب الاقتصادية والتنموية، تمثل اليوم وجهة اقتصادية حيوية وفاعلة على خريطة الاقتصاد والتجارة والاستثمار دولياً، وتواصل جهودها ومشاريعها الاستراتيجية، لتطوير مكانتها الاقتصادية العالمية، وتمثل الإمارات محوراً يصل بين الشرق والغرب، وبوابة تجارية حيوية للصادرات التركية نحو أسواق الشرق الأوسط وآسيا وإفريقيا، في حين تمثل تركيا جسراً ثقافياً وتجارياً بين أوروبا وآسيا، فضلاً عن موقعها الجغرافي الرابط بين القارتين، وهي عضو في المجلس الأوروبي منذ عام 1949، كما أنها ضمن مجموعة الدول العشرين الصناعية، ومنظمة التعاون الإسلامي، وحلف شمال الأطلسي – الناتو، كما تمثل تركيا سوقاً مهماً للمنتجات والصادرات الإماراتية، ونافذة لوصولها إلى عدد من الأسواق الأوروبية والآسيوية، ما يعكس الإمكانات الواعدة لتطوير العلاقات الاقتصادية والتجارية المشتركة، والوصول بها إلى آفاق أوسع مستقبلاً. وتتشابه الإمارات وتركيا في كونهما معبرين ومركزين تجاريين مهمين يربطان بين الشرق والغرب، بموقعهما الجغرافي المميز، فمن الخطأ بمكانٍ ما ألا تستفيد الدول المقاطعة من هذا التطور والمستقبل الواعد، رغم أن المؤشرات تقول إن التطبيع بين تركيا وبقية الدول المختلفة معها قادم وقريب وآتٍ لا محالة، لأن المنطق يتطلب ذلك وإلا نكون فعلاً أمام خطأ استراتيجي قاتل.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى