أصداءأقلام الكتاب

تعلم العلم واقرأ .. “العَلّامة رِفاعة الطهطاوي رجل التنوير بعباءة الإسلام”..

المستشار عبدالعزيز بدر القطان – الكويت

 

 

تعلم العلم واقرأ .. 

“العلامة رفاعة الطهطاوي رجل التنوير بعباءة الإسلام”..

العلامة رفاعة رافع الطهطاوي أشهر شخصيات القرن التاسع عشر الفكرية، الذي شكّل اللبنة الرئيسية خلال تواجده في فرنسا، من خلال محافظته على ثوابت العقيدة والقيم، ونقل الفكر للعالم العربي الذي كان يرزح تحت وطأة التخلف الفكري والثقافي إبان الحكم العثماني آنذاك، إن فكر هذا العلامة وآثاره كثيرة ومتعددة، لكنه يعد رائداً ومؤسساً لحركة التنوير والإصلاح، إستند إليها العلماء من بعده، حيث كان مستنيراً في رؤيته الفاحصة والإنتقائية للتحديث.

نقل التمدن من خلال ترجماته، وكما قال شارلمان: “أن يكون للمرء لغة ثانية، هو أن يكون له روح ثانية”، العلامة الطهطاوي صنع جسراً بين الأصالة والحداثة عبره كل صاحب علم من بعده.

القواعد العقلية..

ولد العلامة والمفكر والمرشد الأمين رفاعة رافع الطهطاوي في مدينة طهطا في سوهاج بصعيد مصر في الخامس عشر من أكتوبر/ تشرين الأول 1801، والمتوفى بالقاهرة 29 مايو/ أيار 1873، إلتحق رائد التنوير في العصر الحديث بالأزهر الشريف في العام 1817 لدراسة الحديث والنحو، وخدم كإمام في الجيش النظامي في العام 1824، ومن ثم سافر إلى فرنسا عام 1826 ضمن بعثة لدراسة العلوم، وعاد منها إلى مصر عام 1831 وعمل في الترجمة في مدرسة الطب.

قال العلامة الطهطاوي: “فما سمّي عندنا بعلم أصول الفقه يسمّى ما يشبهه عندهم بالحقوق الطبيعيّة أو النواميس الفطريّة. وهي قواعد عقليّة تحسينا وتقبيحا يؤسّسون عليها أحكامهم المدنيّة”.

اللافت في شخصية العلامة الطهطاوي أنها كانت ذات بعد ديني وأزهري، لكنها كانت تتمتع بالعقلية المستنيرة المتفتحة، إذ يعتبر من المجددين بالفكر وهو فقيه ليس تقليدياً بل مجدد للفكر، وهو أول من فتح باب الفكر الإسلامي المعاصر على عكس غيره من العلماء الذين كانوا معتادين على النمطية والتقليدية القديمة، فلقد كسر العلامة الطهطاوي هذه الرتابة وكان أول من فكّر خارج الصندوق  حتى أن سفره إلى فرنسا كان كإمام وخطيب، وأول ما قام به درس الفرنسية وعاد إلى مصر وأنشأ مدرسة للترجمة وحالياً ما يًعرف بكلية الألسن، الطهطاوي كان له باع طويل مع التعليم واللغات والصحافة وأصبحت جريدة الوقائع تعنى بنقل أخبار مصر بدل الأخبار التركية آنذاك.

العلامة الطهطاوي كان له عين ثاقبة تفكر للمستقبل، فرأى أن التعليم إلى جانب الصحافة يعتبران أساساً قويّاً للنهضة، فلقد توالت وتعددت المناصب التي تقلدها في عهد الخديوي سعيد وعهد الخديوي إسماعيل حتى أصبح رئيس ديوان المدارس، وكان أول من دعا إلى تعليم المرأة أسوةً بالرجل.

فكرة الإصلاح..

إن العالم العربي آنذاك كان بحاجة إلى إدخال العلوم الحديثة من خلال الإدراك بأن هناك حداثة لدى الأوروبيين لا يملكها العرب ومن هنا تنبه لها العلامة الطهطاوي، برزت بشكل قوي في عهد محمد علي.

بدأت فكرة الإصلاح في العالم العربي إبان الاحتلال العثماني، كانت بدايتها في المجال العسكري، ما لبثت أن إمتدت لتطال المجالات السياسية والإدارية والإجتماعية، إلا أن الإصلاحات حينها كانت بطيئة ومتأخرة، إلى أن تنبّه بعض المفكرين إلى هذا الواقع الذي تطلّب منهم إستنهاض الأفكار الإصلاحية، كالعلامة رفاعة الطهطاوي ومحمد عبده ومحمد شيد رضا وعبد الرحمن الكواكبي وخير الدين التونسي وغيرهم من المفكرين.

قال العلامة الطهطاوي : “تبنى الأوطان بالحرية والمصنع“..

حيث تمثلت أفكارهم بنواة الفكر العربي القومي الذي بنيت عليه طموحات العرب والمسلمين وشكّلت الأرضية المناسبة للأجيال التالية، من القوميين العرب كنجيب عازوري وساطع الحصري وقسطنطين زريق وزكي الأرسوزي وميشيل عفلق وغيرهم من النخب المستنيرة.

إنّ دًعاة الإصلاح يستندون في دعواتهم الإصلاحية إلى عقائد فكرية وأيديولوجية فكانت أفكارهم الإصلاحية متأثرة بالأفكار الغربية، مما جعل هذه الأفكار تتسم بوضوح الرؤية وقوة الحجة، فعصر النهضة والتنوير نقطتان مهمتان في العالم، لكن بالتركيز على عصر التنوير فلقد كان تقديراً للعقل والمنطق من خلال الأدلة والبراهين وتلقف العلوم المختلفة بنظرة تواكب كل مرحلة من مراحل هذا التطبيق، فهذا العصر لا يزال إلى الآن سائداً ولا يزال يستخدم المبادئ الأساسية لكل من الموضوعية والعقلانية في مختلف المجالات.

النشأة الدينية..

نشأ العلامة الطهطاوي في أسرة فقيرة ويعود نسبه إلى بيت آل النبي (ص) فهو رمز من رموز مدرسة آل البيت عليهم السلام، وتلقف أول تحصيله العلمي فيما كان يُعرف باسم “الكتّاب”، وتعلم ما كان متوفراً فيه آنذاك، ثم إلتحق بالأزهر وأكمل دراسته إلى أن تخرج منه، وفيه بدأت العلاقة المميزة مع أستاذه حسن العطار الشيخ الأكبر (1766 – 1835)، الذي كان من أبرز الأساتذة والموسوعيين الذين تلقى العلامة الطهطاوي العلم على أيديهم، فكان هو موجهه إلى طريق الإجتهاد والتنوير والتجديد في طلب الدراسة وخاصة دراسة العلوم غير التقليدية وغير المألوفة لدى طلاب الأزهر في ذاك العصر. واللافت هنا أن هذا العلّامة سافر إلى فرنسا تحت صفة إمام ورجل دين، وكان معنياً بالجانب الأخلاقي للبعثة دون أن يتدخل في علومهم التي سيدرسونها، لكن سرعان ما تغير هذا الواقع ليتحول هذا الرجل إلى باعث النهضة ورائدها، فلقد أنشأ هذا الشيخ الأزهري رؤية حضارية.

قال الطهطاوي : “سافرت فرنسا فوجدت إسلاماً بلا مسلمين وحينما عدت إلى مصر وجدت مسلمين بلا إسلام“..

فلقد تخطى الطهطاوي مهمته التي سافر لأجلها ألا وهي الوعظ والإرشاد لأفراد البعثة، لتتعدى ذلك وتتحول إلى تيقظ وجدانه في باريس وتفتح بصيرته الناقدة من خلال متابعته للعلم والثقافة فيها، مع محافظته على شخصيته الإسلامية من خلال المحافظة على سلامة العقيدة لديه والوجدان، فعاد واسع الثقافة مزوداً بخبرة عالية.

يشار إلى أن العلامة الطهطاوي عقب تخرجه من الأزهر، عمل فيه مدرّساً ثم إنتقل ليصبح واعظاً وإماماً في الجيش آنذاك، فقد رشحه أستاذه الشيخ العطار لأن يكون إماماً دينياً للبعثة في زمن الوالي محمد علي، فسافر إلى باريس في العام 1826، وكان قد أوصاه أستاذه العطار بتدوين ما يراه في فرنسا كما كان يفعل الرحالة المسلمين القدماء كإبن جبير وإبن بطوطة لينفع أبناء الأمة العربية بما وثقه ونهله من علوم.

طموح كبير..

لقد أثبت العلامة الطهطاوي أنه لا يمكن أن يقف شيء أمام الطموح وخاصة طموح نهل العلوم والمعرفة، فلقد بدأ بتعلم اللغة الفرنسية وهو على متن الباخرة التي سافر عليها إلى فرنسا، فهو الإمام في شعائر الدين، وهو المتفوق على أقرانه من الباحثين في طلب العلم الحديث وركب التطور الحضاري.

فلقد قضى فترة وجوده في باريس يقرأ ويراجع ويجمع ويدقق ويدرس ويضع الإستنتاجات ويسأل في كل صغيرة وكبيرة ويتابع كل التفاصيل، فلقد درس نظام الحكم في فرنسا ونظم الحياة والبناء والعمران والتوثيق وترجم الدستور الفرنسي، وعلق على مواده في كتابه “تخليص الإبريز في تلخيص باريز”، إذ يعتبر هذا الكتاب بمثابة رؤية متميزة وإنطباعية تفحصت ونقدت الحضارة الغربية في عصرنا الحديث.

قال الطهطاوي : “وكل يرى طرق الشجاعة والندى .. ولكن طبع النفس للنفس قائد“..

لقد تسلح الطهطاوي بدينه الذي كان سبب وقوفه أمام عمق الحضارة الغربية، مع تقدير ما وصل إليه الغرب وعدم نكران ذلك، لكن لم يصل فيه الأمر إلى حد الذهول بل إستمد منها ما هو الصالح وألغى الغير صالح، فكان له القدرة على توظيف العناصر الجوهرية من خلال المقارنة ما بين الفلسفة والتوجهات الفكرية في ذاك العصر، محاولاً عدم نسخ التجربة بل فهم العلوم الطبيعية وأسس التمدن والصناعة، ومن هنا إستطاع توظيف ذلك بما خلده من إرث وعلوم حملها ومن بينها الترجمات التي نقلها، وتجدر الإشارة إلى أنه أول من ترجم المسرحيات الفرنسية إلى العربية بما يتوافق والوضع الإسلامي في العالم العربي، عبر نقل ما تتميز به الحضارات والديانات خاصة في تأصيلها وتجديدها. فلقد كان رجلاً حذراً، توقف أمام الفلسفة الوضعية المادية التي كفّرت الأديان، فكان له ميل فطري هذبته تعاليم الإسلام، حيث تمنى ازدهار مبادئ الحرية والديمقراطية في بلده، وقد كتب في هذا المجال بروح مؤمنة طامحة مستشرفة لمستقبل أفضل.

إنصاف المرأة..

وقد أهلته إجادته اللغةَ العربية، والفرنسية من بعدها، للنهوض بترجمة مختارات من فكر وعلوم الحضارة الفرنسية التي كان الشرق العربي والإسلامي غريباً عنها، ومتطلعاً إليها في ذلك التاريخ، فكان حريصاً على أن يذكر أنه “يترجم ولا يؤلف” حفظ له حق الريادة في الترجمة بدلاً مما كان سهلاً عليه بإدعاء الإبداع في كل ما كتب. فكان أول مَنْ أدرك أن الترجمة هي البداية الوحيدة للنهضة، فبدأ بنفسه حيث قام بترجمة العديد من الكتب في الكثير من جوانب المعرفة، وهكذا اقترنت مرحلة النضج العقلي عند الطهطاوي بنقل العناصر الإيجابية (في نظره) من عناصر الثقافة الأوروبية الحديثة، وكانت هذه الفكرة تعبيراً عن نقلة حاسمة في تطوره الفكري، ومن ثم في تطور ثقافتنا الحديثة، وكانت لها أسبابها ومسبباتها في المناخ الفكري، كما كانت لها آثارها وتأثيراتها في مجتمعنا الثقافي.

قال الطهطاوي : “إستعاضت المرأة عن بنيتها الضعيفة بقوة عقلها وحدة إحساسها وإدراكها“..

لقد كان أول من دعا إلى تعليم المرأة وتثقيفها أسوة بالرجل، واتضحت هذه الفكرة في كتابه “المرشد الأمين في تعليم البنات والبنين” الذي شدد فيه على أولوية تعليم المرأة حتى تقوم بواجباتها، ولا شك في أنه أول مَنْ دعا إلى تحرير المرأة، وإن كانت دعوة قاسم أمين التالية له بقرن من الزمان قد لقيت من التمجيد ما لقيته بحكم وجودها في عهد جديد، كان يبحث أيضاً عن التثوير لا عن التنوير فحسب.

وضع الشيخ رفاعة الطهطاوي عدداً من الكتب التعليمية في العلوم، مثل أرجوزة في علم الكلام، المعادن النافعة لتدبير معايش الخلائق، مبادئ الهندسة، أصول الحقوق الطبيعية التي يعتبرها الإفرنج أصلا لأحكامهم، نبذة في الميثولوجيا، وهي: جاهلية اليونان وخرافاتهم.

ومن التراجم: المنطق وروح الشعائر مونتيسكو، الدستور الفرنسي، برهان البيان وبيان البرهان في استكمال واختلال دولة الرومان، بداية القدماء وهداية الحكماء في تاريخ الشعوب القديمة: بنو إسرائيل، والسريانيين، واليونان والهنود، المصابيح المنيرة في تواريخ القرون الأخيرة، ترجمة الكنز المختار في كشف الأراضي والبحار، وغير ذلك الكثير. فلقد أصدر المجلس الأعلى لرعاية الفنون والآداب نشرة عن كتب الشيخ رفاعة رافع الطهطاوي وهي نشرة ببليوجرافية عظيمة القيمة، تم الإعتماد عليها إلى يومنا هذا.

إن إحياء العلماء حق لهم، خاصة وأنهم تركوا لنا إرثاً كبيراً، قدموا لنا ما نعجز عن تحقيقه اليوم، فلقد كان طالب العلم يطلق العنان لنفسه ليخرج بمعلومات لا توجد لدى أحد، إن إختياري لهذه الشخصية العظيمة والتي قلّة من هم يعرفونها، واجب علي أن أسلّط الضوء على أن دين الإسلام تنويري ونهضوي وحداثوي لا يعيقه أي شيء في سبيل التطور والتطوير، على الرغم من محاولة البعض نسب الحداثة فقط إلى المجتمع الغربي، فبالبحث لدى تاريخ العلماء العرب سواء في القرن الثامن عشر أو التاسع عشر، نجد أن الغرب إستمد منهم في مناحٍ كثيرة، فكانت لهم بصمتهم في مختلف علومنا اليوم، فالشيخ العلامة رفاعة رافع الطهطاوي رفع عزة الأمة وأغدق عليها الكثير، فهل منّا من يحاول الإقتداء بهم والسير على خطاهم ؟!

فنحاول وسنصل ما إن طمحنا وقررنا الوصول. فلنخرج من التبعية ولنحقق ذاتنا من خلال الإستئثار بالعلم والمعرفة، يقول العلامة الشيخ الطهطاوي: “الناس على دين ملوكهم”، فكن أنت على دين الله وتسلح بزاد العلوم.

Spread the love
اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق