أصداءأقلام الكتاب

تـحـت ظِـــلال النِّـفـَاق..

الكاتبة/ د. رضــية بنت سليـمان الحبـسية

Radhiyaalhabsi@gmail.com

 

تـحـت ظِـــلال النِّـفـَاق..

حثّ الإسلامُ على الصّدقِ وغرسهِ في نفوسِ الناشئةِ؛ لما له من مآثرٍ جَليلةٍ. فمع شيوع الصدق بين أفراد المجتمع، سواء على مستوى الأسرة أو بيئات العمل، تَعمُّ الثقة والتفاهم والمحبة بين الناس، فيغدو المجتمع قوياً متماسكاً.

الصّدقُ في اللغةِ مأخوذ من الفعل صَدَقَ يَصْدُقُ صَدْقًا، وصَدَّقه تأتي بمعنى قَبِل قولَه، وصدَقَه الحديث تأتي بمعنى أَنبأَه بالصّدق، أما الصّدقُ اصطلاحاً فهو نَقيضُ الكذبِ، ويكون بالإخبار عن الشيء كما هو دون أي زيادة فيه، وهو مطابقة الكلام للواقع، بالإضافة إلى قول الحق. أما النفاق في اللغة، فقد قيل: إنّ ذلك نسبةً إلى النفق وهو السرب في الأرض، لأن المنافق يستر كفره ويغيبه، فتشّبه بالذي يدخل النفق يستتر فيه، واصطلاحًا هو: القول باللسان أو الفعل بخلاف ما في القلب من القول والاعتقاد.

ويشير الصّدق إلى وجود طابع أخلاقي رفيع، وصفات إيجابية فاضلة. فالصّدق أساس الإيمان، كما أن الكذب أساس النِفاق. والنِفاق زَيْفٌ أخلاقي يبرهن على قيمة الأخلاق الصحيحة. ومع ذلك يلجأُ كثيرٌ من الناسِ إلى ارتداء الأقنعة المزيفة لتكوين صداقات وعلاقات مزيفة، ويتحدثون عن الفضائل بثقة، ويمارسون النِفاق بمنتهى الإبداع، فبات النِفاق لغة العصر لنيل مكاسب شخصية بطرق ملتوية. ويقول رسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم في المنافقين :

(تَجِدُونَ شَرَّ النَّاسِ ذَا الْوَجْهَيْنِ؛ الَّذِي يَأْتِي هَؤُلَاءِ بِوَجْهٍ، وَيَأْتِي هَؤُلَاءِ بِوَجْهٍ) وقال عليه الصلاة والسلام : (مثل المنافق كمثل الشاة العائرة بين الغنمين، تعير إلى هذه مرة وإلى هذه مرة، لا تدري أيهما تتبع) .. فالمنافق يعيشُ حسب قناعاته ويتلون حسب المواقف والشخوص، لدية قدرة فائقة على قلب الحقائق لمصلحته، يقلب الباطل حقا والحق باطلاً دون أي شعور بالخجل أو تأنيب الضمير. إلا أنّ المواقف تكشف الحقائق ومعها تسقط الأقنعة، ويتبددّ الخداع رغم تعدد الأقنعة. فما بين الصّدق والنِفاق أضغاث حُلم رسمت صورة الحياة بالمقلوب.

 يُعدّ النِفاق الاجتماعي آفة شنيعة من الآفات الاجتماعية التي تهددّ سعادة واستقرار الأفراد، وتهددّ نسيج المجتمعات وتماسكها، وله آثار نفسية واجتماعية على الفرد نفسه وعلى الآخرين. فكثيرًا ما نُلاحظ على سبيل المثال في بيئات العمل، مجموعة من المنافقين المحيطين بمسؤول ما ممن يجيدون تنميق الكلام والمجاملات الكاذبة، اعتقادًا منهم أنّ النِفاق الاجتماعي فن من فنون الذكاء الاجتماعي؛ وكل ذلك سعيًا منهم لتحقيق بعض المصالح الخاصة على حساب المبادئ والأخلاق النبيلة، فينتشر الفساد ويسود الظلم في المجتمع الوظيفي.

إنّ التمادي في النِفاق واختلاق الأكاذيب قد يُرضي الكثيرين؛ كونهم يُعانون من نقص في شخصياتهم، فينسجون من الخيال أحداثًا لا وجود لها سوى في ذواتهم الهشّة، كما يضمرون للآخرين مشاعر سلبية قائمة على الحقد والكراهية. وبالمقابل فإنّ الصادقين يتعاملون مع هؤلاء وفق مبدأ التجاهل والتغافل؛ محاولةً لمنحهم فرصًا أخرى لتعديل سلوكهم، وتجنبًا للصراعات، وسيادةً لجو من الراحة والطمأنينة في المجتمع.

إنّه لمن الخطورة العيش تحت ظِلال النِفاق بما يُعطّل تقدّم المجتمعات ورقيُّها، وجعل الناس لا يميّزون بين الخبيث والحميد، أو بين المنبوذ والمحمود. فتختلط المفاهيم والقناعات بما ينعكس سلبًا على صدق المعاملات والعلاقات، فتتغيّر المبادئ بتغيّر المصالح، الأمر الذي أدى إلى انحدار الكثير من القيم والأخلاق. وبسبب ذلك ساءت العديد من العلاقات الاجتماعية. ولصون المجتمع من آفة الكذب والنفاق، يحتاج الناس إلى الصدق والمصداقية في التعامل في كافة الجوانب الحياتية. فدينُنا الحنيف يُفرِضُ على المسلم أنْ يكون صادقًا مع الله، صادقًا مع الناس، وصادقًا مع نفسه عملًا بقوله تعالى : “يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ” (سورة التوبة : 119).

وفي الختام: إنّ النفاقَ من أعظم الذنوب عند الله سبحانه وتعالى، لأنّ قول وفعل المنافقين يُخالف تماماً ما في قلوبهم، فَيُظهِرون خِلافًا لما يُبطنون. فحذار حذار مما وعد الله عز وجلّ المنافقين في قوله تعالى : (إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَن تَجِدَ لَهُمْ نَصِيراً” (سورة النساء : الآية 145)، أما الصّدق ضَرورةٌ من ضَرورات المجتمع المتكامل المتكافل، ولعلّ أصدق ميزان لرقيّ أمّةٍ من الأممِ صدقُ الناسِ بأقوالهِم وأفعالهِم، فالصادق يَحظى بمحبّةِ الله – عز وجل – ومحبَّةُ الصالحينَ وصحبةُ الصادقينَ له، وقديمًا قالوا : “الصّدقُ مطيةٌ لا تُهلِك صاحبها، وإنْ عَثرت بِه قليلًا .. والكذِبُ مطيةٌ لا تُنجي صاحِبها، وإنْ جَرت بِه طويلًا”.

Spread the love
اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق