أصداء وآراءأقلام الكتاب

تـونـس بيـن مطـرقة الإرهاب  وسـنـدان الأزمة  السـياسـية..

* الإعلامي/ عـبـدالـرزاق بـن عـلـي – تـونـس

 

تـونـس بيـن مطـرقة الإرهاب وسـنـدان الأزمة السـياسـية..

تتطلع أنظار إخوتنا في الوطن العربي إلى تونس، حيث يعتبرونها أنموذجاً فريداً في الديمقراطية، ومثلاً يحتذى في التداول  السلمي على السلطة .

وقد تكون هذه الصورة صادقةً من زوايا عديدة إن اعتبرنا أن الشعب هو من يقرر شخص الرئيس في انتخابات حرة وديمقراطية ، وأن الفائز في الإنتخابات هو من يتولى تشكيل الحكومة ، وأن السلطة التشريعية بيد مجلس نواب منتخب إنتخابا مباشراً وسرياً من طرف الشعب .. لكن هذه الصورة السائدة تكاد تفقد بريقها وألقها حين نعلم أن البطالة في تونس تتجاوز 15 بالمائة ، ووجود 600 ألف عاطل عن العمل من خريجي الجامعات لا يزالون يحلمون بوظيفة ، وأن نسبة المديونية تجاوزت 80 بالمائة ، وأن قيمة العملة الوطنية الدينار فقدت قيمتها أمام العملات الأجنبية ، وأن الإرهاب لا يزال يهدد أمن المواطنين ، وأن قطاعات مهمة وجوهرية في البلد قد وقع “تهميشها” ، وأن التمييز البغيض بين الجهات لا يزال منذ أيام بورقيبة القاعدة التي تعتمدها الدولة ، وأن ثروات البلد الكبيرة منهوبة ولا أحد بإمكانه أن يوقف هذا النزيف ، وأن غالبية المواطنين لم يعد بإمكانهم توفير حاجاتهم الأساسية من غذاء وملبس ودواء ، وأن الفساد يستشري في كل مفاصل الدولة .

وقد أعادت العملية الإرهابية التي حدثت في تونس مجدداً يوم أمس الأحد السادس من هذا الشهر – رغم الإحتياطات الأمنية وحالة الطوارئ السائدة في البلاد منذ 25 نوفمبر 2015 بعد العملية الإرهابية التي استهدفت الحرس الرئاسي في قلب العاصمة التونسية – خلط الأرواق في هذا القطر الصغير الذي شهد إنطلاقة ما يعرف بالربيع العربي نهاية سنة 2010 .

فرغم تعاقب الحكومات التي أفرزتها الإنتخابات التشريعية والرئاسية منذ سنة 2011 ، لم تستطع النخب الحاكمة أن تستجيب إلى الحد الأدنى المطلوب في تحقيق  الشغل والعيش الكريم لغالبية المواطنين .

فبعد أيام قليلة من تصريح الرئيس التونسي بمناسبة أداء الحكومة الجديدة لليمين الدستورية في قصر قرطاج واتهامه لأطراف تونسية بالخيانة ، وخدمة الإستعمار والصهيونية ، ووعده بكشف الأوراق ، تأتي عملية يوم أمس الأحد الإرهابية ، في هذا الوقت الذي تتسلم فيه الحكومة الجديدة مهامها في مناخ سياسي متوتر وموسوم بسوء العلاقة بين النخب والأحزاب السياسية ، فضلا عن دوائر القرار الرسمي .

ويرى مراقبون أن أطرافا خارجية تسعى لزعزعة الأوضاع ونشر الفوضى لتخريب التجربة التونسية ، باعتبارها أنموذجاً فريداً للحياة السياسية في الوطن العربي ، في حين يرى آخرون أن تصريحات الرئيس قيس سعيد المتواترة بخصوص تجريم التطبيع مع الكيان الصهيوني ، واعتباره أن التعامل مع الكيان الصهيوني خيانة للأمة وللقضية الفلسطينية قد تلقي بظلالها على المشهد السياسي والأوضاع الأمنية بالنظر إلى حالة الهرولة التي يشهدها الوطن العربي نحو إقامة علاقات علنية مع الكيان الغاصب .

تونس تعيش بين مطرقة الإرهاب وسندان الأزمات السياسية المتعاقبة ، التي تتجلى في تعدد الحكومات – 11 حكومة في 10 سنوات – فضلاً عن الظروف الإقتصادية الصعبة التي أنتجها جائحة كورونا ، وقلة الموارد ، وتعدد الإحتجاجات الشعبية التي تعرقل في غالب الأحيان مواقع الإنتاج في منابع الثروات الوطنية كالبترول والأسمدة .. ولكنها تحاول أن تجد في هذا العالم المتداخل موطئ قدم لإثبات الخيار الذي انتهجته في إدارة الشأن العام الوطني ، والإلتزام بالدفاع عن الحقوق العربية رغم ما يترتب عن جميع ذلك من صعوبات وعراقيل ، وما يعانية غالبية شعبها من غبن وإحباط بعد عشر سنوات من عمر التحول السياسي .

 

 

* تم نشر المقال بموافقة الكاتب..

* الآراء الواردة في المقال لا تعبر عن “أصـداء” بل تعبر عن آراء الكاتب..

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى