أصداء العالم

تكـويـن الشـخـصـيـة الـوطـنـيـة «الهُـوَيّـة»..

         * الكاتـب/ جـمـال أسـعـد

 

تكـويـن الشـخـصـيـة الـوطـنـيـة «الهُـوَيّـة»..

الإنسان هو معجزة هذا الكون، هو صانع الحضارة ومصدر التاريخ وراسم الجغرافيا، ولا وجود لهوية بدون الإنسان، فإذا كانت الهوية هي نتاج لتراكمات تاريخية وحضارية وتراثية وعلمية وثقافية وفنية ودينية …الخ، فهذا التراكم لا يكون ولا يتواجد بدون وجود الإنسان فكرا وعملًا وعلمًا وإيمانًا، أي أن الإنسان هو صانع هذه الهوية وهو صاحبها، فهي تمثل المكون الحضارى للشخصية الوطنية.

هنا هل الهوية والشخصية المصرية ذات مكون حضاري وهو يأتي واحدا ؟

لا شك فمصر وطن وجد قبل أن يوجد التاريخ، عرف الحضارة وصنعها قبل أن يعرفها الآخرون، عرف القيم والدين ومارس التدين قبل وجود الأديان ولذا كانت مصر فجر التاريخ، ولهذه الخاصية المتفردة، إضافة للموقع والموضع، كانت دائما موضع الغنيمة التى يريد اقتناصها الجميع، فجاء إلى مصر عشرات الغزوات الحربية وثلاث هجرات جماعية ولكن كانت الحضارة المتجذرة والهوية المتراكمة والتعددية خير عاصم ودليل حفاظ على التمسك بالهوية المصرية التى مصرت كل الوافدين والطامعين، في الوقت الذى استفادت منهم حضاريًا وثقافيًا حسب مفهوم تحاور وتلاقح وتكامل الحضارات لا صراعها، وعلى ذلك كانت الشخصية الحضارية المصرية تتحرك على أرضية التعددية الثقافية وفى إطار الثقافة المصرية الواحدة والجامعة، فكانت نظرية الحقبات التاريخية من الفرعونية إلى المصرية القديمة مرورًا باليونانية والرومانية والقبطية والإسلامية العربية، أى أن الشخصية المصرية والحضارية الأصيلة هي التى تحوي بين جنباتها مؤثرات من كل حقبة تاريخية، وبكل وضوح من المعروف أن الحقبة الإسلامية والعربية هي الحقبة المعاشة منذ أكثر من أربعة عشر قرنا، أي أن المؤثرات الخاصة بهذه الحقبة المعيشة هي المشاهدة والمسيطرة على المشهد، ولكن في إطار الثقافة والتاريخ والعادات والتقاليد، أما في إطار العقيدة الدينية الإسلامية فهي تخص أصحابها، مع العلم حتى العقائد الدينية المختلفة تالفت وتعايشت في إطار مقاصدها وقيمها العليا المشتركة في الكثير والكثير.

إذن أين الإشكالية ؟! الإشكالية هي في التمترس حول حقبة تاريخية بذاتها والتعامل معها على أنها هي صانعة الهوية المصرية دون سواها، هناك بعض المسيحيين يتمترسون حول الفرعونية معتبرينها واحدة مع الحقبة القبطية مسقطين تأثير الحقبتين اليونانية والرومانية، وذلك من منطلق طائفي يريد أن ينتزع الهوية المصرية من غير المسيحيين، أي يقول : إن مصر أصولها مسيحية، هنا لنعلم أن هناك فرقا بين أن تكون مصر مسيحية وأن تكون قبطية، فالمسيحية ديانة تخص أصحابها ولكن المصرية (القبطية) فهذه هوية وطنية وحضارية ملك كل المصريين لا علاقة لها بالدين، حيث لا يملك أحد إنكار أن المسلمين المصريين ليسوا جميعهم من أتى مع الفتح، ولكن هناك مصريين تحولوا من الديانة المصرية القديمة إلى المسيحية ومنها إلى الإسلام وهذه طبيعة الظروف الموضوعية لكل مرحلة تاريخية .. فهل كل من تحول إلى دين آخر يكون قد أسقط عنه هويته الحضارية المصرية ؟!، بالطبع لا، ولذا فالتاريخ والتراث واللغة القبطية هي ملك كل المصريين دون النظر للدين، وعلى الجانب الآخر هناك من المصريين المسلمين من يتمترس ويتوقف عند الحقبة الإسلامية والعربية، ويسقط باقى الحقبات قاصدا إسقاط الهوية والانتماء عن غير المسلم، وبمناسبة العربية وإن كانت هي لغة القرآن الكريم، ولكنها ليست لغة المسلمين فقط، فهناك العرب والعروبيين من غير المسلمين، وهناك من المسيحيين من ساهم وأضاف للحضارة الإسلامية على اعتبار أنها حضارة الإنسان العربى المسلم وغير المسلم.

هنا نريد أن نقول إن الحضارة والهوية المصرية، هما صناعة وعمق تاريخ وملك لكل المصريين بلا استثناء بعيدا عن الدين، كما أن العربية والعروبة لا تمنع ولا تسقط أي تنوع حضاري وثقافي لغير المسلمين، فاللغة هي أداة الفكر وليس النطق، والفكر هو المعبر عن الإنسان، فلنسقط الفكر الطائفي حتى لا نتفرق، فلنحافظ على هويتنا المصرية والعربية حتى لا يضيع جميعنا في زحمة حالة الاحتواء الغربي التي تشاهدها المنطقة.

لا يعرف هويتنا المشتركة والواحدة ولايحافظ عليها سوانا، فلتكن الهوية جامعة وليست مفرقة.

 

 

للأمانة الأدبية:

* تم نشر المقال بموافقة الكاتب..

* الآراء الواردة لا تعبر بالضرورة عن “أصـداء” ، بل تعبر عن آراء الكاتب..

Spread the love
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق