أصداء وآراء

ثقـافـة الخـوف مـن العـقـاب !!..

الكاتب / سالم بن حمد الحكماني

 

ثقـافـة الخـوف مـن العـقـاب !!..

 

الكل يعلم بان العقاب قد وضع لردع المخالف ، والمخالف هو ذلك الفرد الذي قد اقترف إثما او ذنبا ، او ارتكب خطأ يجب ان يعاقب عليه ، والمخالف قد حاد عن الطريق السوي ، وخرج بسلوكه عن سلوك الفرد الطبيعي وبذلك أصبح شاذا عن الجماعة التي هي في دائرة الفطرة السليمة والسلوك الحسن.

هناك تجليات في النفس البشرية يجب ان نؤمن بها كغريزة ايمانية وقيمة داخلية في ذواتنا ، حتى اذا عملناها نعملها عن قناعة وايمان راسخ بانها سلوك حضاري متجذر في نفوسنا التي هذبها الإسلام بأخلاقياته العالية من خلال هدي شريعتنا السمحاء وتمسكا بهدي نبينا الكريم عليه افضل الصلاة وأزكى التسليم ، وعندما يكون إيماننا بهذه القيم نابع من ذوات النفوس ، وصدقته الاقوال والافعال قولا وعملا سيكون لدينا مجتمع يقدر الحفاظ على اخلاقه وعاداته وقيمه دونما حسيب او رقيب لان الانسان يشعر في هذه الحالة وفي مثل هذه المواقف بان الله سبحانه وتعالى هو الرقيب عليه في أي موقع كان وفي أي زمان ومكان.

يتمتع الإنسان حسب فطرته النقية بقناعات نفسية داخلية اذا نشأ وهو مهذب النفس ، طيب العشرة ، جميل الاخلاق ، حريص على ان يظهر بمظهر الانسان المتحضر ، يراقب افعاله واقواله رقابة منضبطة وقد تشربت قيم الإسلام وجمالياته والالتزام بتعاليمه باعتبارها سلوك حياته اليومي وخارطة طريق يهتدي بها في ظلمات الليل الحالك وضياء النهار الناصع البياض ، وهناك سلوكيات محببة الى النفس البشرية وقد اعتادت النفوس الرفيعة على التمسك بها وعدم الحياد عنها ، فإماطة الأذى عن الطريق لا تحتاج منا الى تعلم أساسيات حسابية ، او دراسة رموز معينة ، او فك طلاسم الطريق المعقدة ، أو دراسة سلوك المارة ومرتادي الطريق ، لان الطريق يعتبر ملكا للجميع والحفاظ على جمالياته ونظافته مسؤولية الجميع ، وقد علمنا ديننا الحنيف بل وحثنا على النظافة ، وفوق هذا وذاك يثاب من يسلك هذا السلوك نتيجة افعاله الجميلة واعتبرها الإسلام صدقة يتصدق بها الانسان على نفسه ، وما ادراك ما أجر هذه الصدقة !! اماطة الأذى عن الطريق سلوك حضاري إسلامي رائع لا نحتاج الى من يرشدنا اليه او الى تعلمه.

الجلوس على قارعة الطريق والتحدث في ما لا يعني الانسان من أعراض الناس ومراقبة المارة هو نقيض السلوك الحسن ، وقد نهى الإسلام عن ذلك نهيا قاطعا ، عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : “إياكم والجلوس في الطرقات ، فقالوا : يا رسول الله ما لنا من مجالسنا بد ، نتحدث فيها ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : فإذا أبيتم إلا المجلس فاعطوا الطريق حقه ، قالوا وما حق الطريق يا رسول الله ؟ قال : غض البصر ، وكف الأذى ، ورد السلام ، والأمر بالمعروف ، والنهي عن المنكر” ، وقد أنّب الرسول من يفعل ذلك ، وأرشد من أصر في الجلوس في الطرقات على أن يؤدي حق الطريق ، وهو ما ذكر من خصال عظيمة في الحديث أعلاه.

تئن الشواطئ الجميلة والرائعة ذات الصفاء والنقاء ، وذات الرمال الناعمة البيضاء المطلة على زرقة البحر الأنيق – التي اختص الله بها بلادنا الحبيبة في كل ربوع الوطن الكبير – من تكدس القاذورات والمخلفات نتيجة استهتار أفراد بأهمية هذه الشواطئ البكر وعدم تقدير قيمتها على اكمل وجه ، وما هذه السلوكيات المرفوضة الا نتيجة أفعال مشينة لفئة من الناس اعتادت على التمادي في الأخطاء طالما لم يكن هناك رقيبا على افعالها ، ولو علمت هذه الفئة ان هذه الأماكن والشواطئ والمتنزهات والاستراحات هي أماكن عامة وليست خاصة لكانت الأفعال مناقضة للأقوال ، ولو علمت ان هذه الأماكن الجميلة قد وجدت لراحة الفرد سواء المقيم او السائح ، وان المحافظة عليها وتركها نظيفة هي من افضل القيم التي يجب ان يتحلى بها الفرد بل ويتمسك بها كنوع من الثقافة الازلية التي يجب ان تكون عن قناعة وحب داخلي دونما الحاجة الى العقاب والردع ، او الحاجة الى نصب كاميرات مراقبة تراقب أفعالي وافعالك التي يجب ان تكون سلوكا اعتادت عليه النفوس الطاهرة والسخية والمحبة لنظافة المكان ليكون ذلك دافعا للجميع الالتزام به ، ودستور حياة تعودنا عليه منذ الصغر ، ولترك المكان نظيفا كما نحب ان نتواجد نحن فيه وهو نظيفا.

هل التمسك بالقيم والأخلاق الفاضلة الحميدة يحتاج الى رقيب ؟ لا أعتقد ذلك !! لذا يجب ان تكون لدينا ثقافة حب الفضائل والخصال الحميدة ، ويجب ان يكون لدينا ثقافة فعل هذه الفضائل كقيم مترسخة في نفوسنا ، ويجب ان تتولد لدينا قناعات تقدير الذات ومحاسبة النفس وصولا للانضباط الحقيقي كمنهاج حياة ، بحيث اننا اذا فعلنا هذه القيم نفعلها تقديرا لقيمتها الحقيقية ، ولينعكس ذلك على سلوكنا في هذه الحياة ، وليس ليقول عنا الناس اننا أناس متحضرون ، وان المدنية صقلت فينا هذا الاهتمام بهذه السلوكيات كما صقلت عقول ابناءنا وبناتنا بشتى أنواع التفاهات حتى وصلنا الى مرحلة من الفقر العاطفي والانفصال الاجتماعي بحيث لا يعرف فيها الابن والبنت من هم أعمامه وعماته ، ومن هم أخواله وخالاته ، فنشأ جيل لا يعرف ما هي الرحم فضلا عن معرفة ماهية صلتها!!.

نحن لسنا بحاجة الى ثقافة الأمر بفعل الشيء ، ولكننا بحاجة الى ثقافة تقدير قيمة فعل الشيء ، وعندما تتولد لدينا هذه القناعات ويكون ذلك السلوك جزءاً من حياتنا اليومية فإنه بلا شك ستتعود النفوس على فعل تلك الفضائل دون الأمر بفعلها.

هل نحن بحاجة الى ان نخاف من العقاب حتى نتمسك بفعل سلوك حضاري أو قيمة حضارية وثقافية ؟! للأسف الشديد يوجد ما بيننا من هم كذلك فعلاً ، لا يفعلون الشيء إلا خوفا من العقاب والردع ؛ فنشأت لدينا ثقافة الخوف من العقاب واختفت صفات حميدة تربينا عليها كان الأولى فعلها دونما رقيب أو حسيب.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى