أصداء وآراء

جاسـنـدرا أردرن !!..

الكاتـب/ عـبـدالله الفـارسي 

 

جاسـنـدرا أردرن !!..

 

سأبدأ مقالي بآخر نكتة  : 

سانا ميريلا مارين…

رئيسة وزراء فنلندا ذات الخمسة والثلاثين ربيعا ..

الصحافة الفنلندية تضج بانتقادها هذه الأيام لأنها تحصل على 800 يورو بدل وجبة فطور في القصر الرئاسي …. تخيلوا 800  يورو  .. يا لها من عابثة مستهترة بالمال العام .. ويا لها من نكتة تقتل من القهر!!!

……………

أعتقد جازما وابصم بالعشرة لو وضعنا هذا السؤال في ورقة امتحانات الدبلوم العام .. (من هي السيدة جاسندرا اردرن) ؟؟ 

لكانت نسبة الإجابة الصحيحة في أكثر الحالات تفاؤلا  لن تتجاوز 0,5% 

لأن التعليم لدينا متدهور للغاية .. متدهور قبل كورونا بزمن  بعيد  ثم  جاء كورونا واكمل التدهور وقطع  الوريد  .

……….

يقولون (الضمير الحي لا يحتاج إلى مآذن عالية وجوامع فاخرة .. إنه يحتاج إلى تربية صالحة فقط ) .

…….

هل تعرفون السيدة جاسندرا اردرن ..؟

إنها رئيسة وزراء نيوزلاند ..

كنت أتمنى زيارة نيوزلاند لو بقيت في أستراليا فترة أطول ولكنني للأسف أضطررت للنكوص والعودة  بسرعة لإسباب بائسة  .. لذلك لم أزر نيوزلاند .. فبقيت حرقة ولهفة الزيارة عالقة في قلبي ثم جاءت السيدة جاسندرا واشعلت  الشوق واججت الرغبة  لزيارتها.

وأصارحكم القول بأنني من المعجبين جدا بالسيدة جاسندرا  وللأسف أنها متزوجة ولو لم تكن متزوجة لتوجهت الى مدينة ويلينغتون الجميلة  وتقدمت لطلب يدها ” النظيفة” ..على سنة الله ورسوله ..

ولا أعلم هل ستوافق أم لا ولكني قرأت أن النيوزلانديين يعشوق أولئك الذين يحملون رائحة البحر  ويحبون لون البشرة القمحي المحروق بهدوء على درجات حرارة تتجاوز الخامسة واربعين درجة مئوية ويتقبلون أصحاب العقول الشاطحة والأفكار  المضطربة .

وطبعا  رغم يقيني بأنني سأحارب القبيلة واناطح الشريعة في هذا المشروع ولكن هذا  كله ليس لأجل اشباع عواطفي ونوازعي الشخصية وإنما لأجل وطني لعل هذه المصاهره تخدمنا وأتمكن من الحصول على خطط السيدة جاسندرا  العجيبة  في تطوير وطنها والقضاء على مشاكله لأجل وطني ومساعدته على تجاوز مشاكله والخروج من مأزقه …

لكن للأسف السيدة جاسندرا متزوجة ولديها طفلة جميلة .. أسأل الله أن ينعم عليها وعلى وطنها  بالسعادة الدائمة .

…….

وبما أننا خرجنا من شهر رمضان شهر الفضائل والأعمال وعلى وشك الخروج من شهر شوال  …  سأدردش معكم قليلا عن أعمال هذه السيدة وفضائلها وبركاتها  على بلدها وعن سبب إعجابي الشديد بها .

السيدة جاسندرا رئيسة وزراء نيوزيلاندا  تذكرون موقفها النبيل والمشرف حين لبست الحجاب وقامت بتعزية ضحايا مجزرة مسجدي كرايست تشرتش الذي راح ضحيتها 50 من المصلين

حيث عبرت عن رفضها وغضبها واشئمزازها  الشديد للجريمة  …

وظلت تتألم طوال أشهر لدرجة أنها في بعض اللقاءات التلفزيونية  حول تلك المجزرة كانت تتأثر  حتى تدمع عينيها وواظبت على التواصل مع أهالي الضحايا خلال سنة كاملة من باب التخفيف عنهم ومواساتهم .

بينما شاهد ملايين المسلمين المجزرة مباشرة وعلى الهواء دون أن تدمع عينيه .. وبعضهم شاهدها وكان يأكل الاسكريم كأنها لعبة بوب جي ..

مثلهم مثل الأموات الذين يشاهدون اليوم قصف غزة ويتضاحكون متخلصين تماما من أدنى مشاعر الإنسانية .

ليس شرطا أن تكون مسلما … الضمير وليس الديانة هو الذي يحدد هل أنت إنسان حقيقي  أم  أنك لا تنتمي لفصيلة الإنسان .

لذلك السيدة جاسندرا أعطت الفرق الواضح بين السلوك والضمير وبين العقيدة والديانة أيا كانت نوعها  .

أنا هنا لن أتحدث عن المجزرة بل أتحدث عن المعجزة التي حققتها هذه السيدة الفريدة المحبة لوطنها .

جاسندرا  ليست ممثلة هوليودية .. إنها  إمرأة نيوزلاندية حقيقية .

لديها حب وعشق غير عادي لوطنها فقد ارتقت به ورفعته بسرعة فلكية في فترة زمنية قياسية .

لقد أوصلت البطالة  إلى درجة تكاد تكون معدومة ..

اهتمت بالصحة وأصلحت المستشفيات ورفعت نسبة الجودة في القطاع الطبي مع العناية الخاصة بمرضى السرطان وتوفير أقضل العلاجات لهم .

و جعلت من التعليم في نيوزلاند هو  الأرقى والأفضل في العالم ..

و جعلت من منسوب الجريمة في أدنى مستوياته .

السيدة جاسندرا حاربت العنصرية بشكل غير طبيعي واعتبرتها وباء لدود لأي نهضة وعقبة  كؤود لكل أستقرار  .

رفعت رواتب المعلمين والممرضين على اعتبار بأنهم الخط الأول في نمو  وإزدهار   أي مجتمع . 

طورت جهاز  الشرطة ..

استثمرت بقوة  في مجالات الطاقة والطاقة البديلة ..

دعمت العائلات الفقيرة..

دعمت التعليم بالموارد الطبية وركزت على جوانب الإرشاد النفسي للطلاب لخلق وعي مستقبلي عند النشء منذ مراحلهم التعليمية الأولى. .

وفرت أكثر من 92 الف وظيفة ووضعت حد أدنى للأجور  لا يقل عن 17 دولارا للساعة الواحدة  ..

طورت شبكات الطرق مركزة على جانب  الآمان  والسلامة  لكل من يستخدمها .

ركزت على  الجانب الأمني لمحاربة الإرهاب في الانترنت ووظفت نخبة من المهرة الحاسوبيين في هذا المجال .

أسست هيئات خاصة لدعم الأسر الفقيرة في كافة نيوزلاند .

عملت إصلاحات واسعة في مجال السجون واخرجت السجناء ودعمتهم ووفرت لهم سبل حياة جديدة وصنعت لهم بدايات لحياة جديدة ومختلفة ولديها خطة  لإغلاق كل السجون خلال عشر  سنوات قادمة .

ضاعفت جهودها لتنظيف الشواطئ والأنهار بإعتبارها ثروات طبيعية عظيمة لا تنضب ..

زرعت أكثر من 130 مليون شجرة وعززت من قوانين حماية الغابات والأشجار والأنهار والبحار ..

السيدة جاسندرا من أبرز اهتماماتها  الصحة العقلية ..

اي انسان يعاني نفسيا أو مضطرب عقليا فهو محل اهتمام وتقدير ورعاية الدولة حتى يتجاوز محنته  .

لها حب للناس غير طبيعي ..

تركب التاكسي ..

تسوق الدراجة ..

تتبضع في المحلات  كأنسان عادي ..

وتصور سيلفي مع أي عابر طريق .

اذا اردت مقابلتها فستجدها في أي محل بقالة .. أو  في أي  حديقة. أو أي ممشى تمارس فيه الرياضة .

والأعجب إنها اغلقت مطاراتها في الوقت المناسب  ولأشهر  طويلة  ولم  تأبه بأحد .. ولم تفتحها إلا بعد أن  وصل كوفيد  19 في وطنها  إلى معدل  الصفر  .

في استفتاء عالمي ..

جعلت من نيوزيلاندا من أفضل دول  العالم أمنيا ومعيشيا واقتصاديا خلال ثلاث سنوات .

وفي استفتاء آخر غريب من نوعه  أغلب سكان القارات الخمس يتمناها أن تكون هي حاكمتهم  .

جميع المحللين النفسيين يقولون  أن السيدة جاسندرا استطاعت  أن تكسر ” الايغو ”  .

“الإيغو” هي الأنا العليا والتي تجعل من الإنسان يتعالى ويرتفع ويعتبر نفسه فوق البشر ويستعبد كل من تحته  ويقارع الرب في سماواته  .

لقد كسرته السيدة جاسندرا وانتزعته نهائيا من داخلها .

جاسندرا  لا تعتبر نفسها حاكمة ولا تلبس تاجا من الياقوت والزمرد..

تلبس قلادة بسيطة بقيمة 245 دولاراً . 

السيدة جاسندرا  تعتبر نفسها  موظفة  تحمل على عاتقها مسؤولية شعب بأكمله..

مسؤوليه نجاحه ومسؤوليته رفاهيته .

الضمير لديها في أرفع مستوياته وفي أعلى درجاته.

ومازال قلبها يحمل  الكثير والجميل لوطنها وشعبها .  

السيدة جاسندرا نموذج بشري فريد ويكاد يكون نادر  جدا  في  زمن إهمال الإمانة  والعبث بمستقبل الأوطان  ..

شكرا السيدة جاسندرا أنت جديرة بالتأريخ .. أنت مدرسة في الأمانة والإخلاص وحب الوطن.

أنت تستحقين الرسم و التوثيق والتصفيق والتصوير والتلوين  .

أنت إلهام حقيقي لكل الحالمين بأوطان حقيقية وبلدان مستقرة وعادلة .. أنت أمنية لكل العاشقين لمساحة هادئة من الأرض يسودها الحب والإيثار والخير والعطاء والتسامح والضمير الحي  .

ماذا أقول عن هذه المرأة العظيمة ..

يعجز اللسان عن الكلام ويلهث القلم من حجم النقش وصرير الكتابة ..

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى