أصداء وآراءبأقلام الكُتّاب

جزيرة غمام .. الظلام الدامس وتَمَيُّز المبدعين..

الدكتور/ محـمـد حسـن أحمـد

أستاذ مساعد النقد والإخراج السينمائي

 

جزيرة غمام .. الظلام الدامس وتَمَيُّز المبدعين..

 

التفسير بالتعبير للتأثير هو خلاصة النظرية العلمية التي مفادها ، ان المخرج يفسر القصة والسيناريو والحوار من خلال عناصر العمل الإبداعية بالتعبير الفني عن رؤيته الإخراجية موظفأ امكانيات الوسيلة التليفزيونية اوالسينمائية لتحويل المكتوب الي حياة علي الشاشة – وهذه النظرية تضمنتها رسالتي للدكتوراة – ورغم أعجابي الشديد بالدراما التليفزيونية المتميزة والمتفردة في جميع عناصرها ، الا ان الدراما كغيرها من انواع الأتصال الجماهيري عملية اتصالية في المقام الأول فيجب ان يبحث صناع العمل عن لغة مشتركة بينهم وبين جمهورهم لكي يتحقق هدف الاتصال وهو التأثيرالذهني والوجداني في المتلقي ، وهنا نحذر دائمآ من أخطاء العمل الأول وهو الإفراط في الإبداع التعبيري بفنون الصورة المرئية ، حيث يريد المبدع كل مالدية مرة واحدة فيحدث التشويش الدلالي اي عدم فهم المشاهد للدلالة الفكرية التي يرمز لها المبدع بالصورة اوالتعبير بالإضاءة والإلوان وكلما نضج المخرج بسط من مفردات رمزياته مثل الرائد والمبدع الكبير المخرج صلاح أبوسيف في روائعه…

وبما أن مخرجنا الموهوب شديد التميز حسين المنباوي أخرج العديد من المسلسلات التلفزيونية وآخرها (الفتوة) ، ولم يقع في فخ استعراض العضلات التعبيرية من خلال الدلالة الفكرية لشيطنة شخصيات الغجر والبطلان وعناصر الشر بالإضاءة الحمراء ، ولكن في أضاءة المكان حتي في اللقطات التأسيسية أسهب في هذا التعبير ولم يفرق في حوار الخير والشر بتغذية وجوه ممثلي الخير بلون أو لمحات لونية مغايرة ترمز للخيرحتي لإنارة الوجوه واصبحت سمة مشاهد المسلسل هي الظلام الدامس بأستثناء الثلاثة حلقات الإخيرة ، وحتي ان كان مديرالتصوير إسلام عبد السميع قد وظف الطابع التاريخي في الأناره بالكولبات وشعلات اللهب والشموع وتلوينها باللون الأحمر للتعبير الدرامي بالإضاءة ، كان علي المخرج عدم الاستسلام للإستغراق في هذة السمه لأن رؤية المخرج يجب ان تخضع لها رؤية جميع مبدعي العمل وان كانت هي رؤية المخرج فكان يجب علي اسلام الحيلوله بين الظلام الدامس الذي ساد المسلسل ، وبين تغذية اكثر انارة وليس الأسبوتات القليله التي وظفها ورحم الله فارس التعبير بالظل والنور الرائد عبد العزيز فهمي…

وأحد أهم عناصر نجاح المسلسل هو الحوار الفلسفي للكاتب المتميزعبد الرحيم كمال ، وإن كان في روائعه السابقة الرحايا وشيخ العرب همام والخواجه عبدالقادر قد تميز بالموضوعات الجيدة والسيناريو المتدفق الإيقاع شديدالحرفيه ، إلا أنه في جزيرة غمام تميز في الحوار المعبرالمفعم بالحكم والدلالات كقول هلاله للعجمي : “ثلاثه فقط طيبين يبقوا منها خيرا من تقسيمها” ، مما أوحى لي بما يحدث في مصر الآن وليس في عهد الخديوي عباس الأول، وكعادته رسم المؤلف شخصياته الدرامية بروعه متناهيه ، فلكل شخصية ملامح خارجيه وداخلية (بأبعادها الثلاثة)..

واستطاع المخرج الواعي بعلم وفن إدارة الممثل مشاركته في رسم هذه الشخصيات واخذ فقط علي المخرج عدم الإستعانه بمصحح لهجات حيث تعددت وتباينت خاصه مع عرفات وهلاله والبطلان فكان بالمسلسل أكثر من لهجه ، وأبدع مهندس الديكوراحمد عباس في الإيحاء بالزمان والمكان بل وتوظيف أماكن معروفه مثل الحي الريفي (المحروق) في عين المشاهدين ليطوعه ويحيله إلى بيوت وشوارع جزيرة غمام ، والأصعب من ذلك بناؤه لجزء من نفس القرية على شط الزعفرانه لتوظيف سينوجرافيا طبيعية واضحة الدلالة الفكرية التي أرادها المؤلف والمخرج ، وأبدع المنباوي في توظيف جميع نجومه في أدوار جديدة عليهم باستثناء القدير محمود البزاوي؛ حيث اننا اعتدنا عليه في دور الشرير ولكن ثقافته ورؤيته كممثل في تناول الشخصية جعلته شريراً متجدداً دائماً ساعده في ذلك الملامح التي رسمها المؤلف ، ولا أنكر أن الفنان الكبير غول التمثيل بمعنى الكلمة رياض الخولي بأدائه للشخصيه الطيبه التي تسعى لتطبيق العدل لتتطهر من السقطة التراجيدية المحتومة بشروعه في قتل أخيه ، ومحاولة خلدون إذلاله بفضح هذا السر استطاع الخولي إضافة دور آخر يحقق له الخلود التمثيلي بعد (طيور الظلام) ، وطارق لطفي في دورالشرير الذي جسده بميزان الذهب في أنواع ودرجات الإنفعالات المختلفه ، ولأنه اكاديمي صاحب رؤية في رسم الشخصية ودرجات انفعالاتها ، بل وتنقله بين التعبيرية والتشخيصية كأنه في مباراة فنية فاز فيها جميع الممثلين ومخرجهم الواعي…

وكعادته محمد جمعة ممثل مميز ، ووفاء عامر أدت دور هلاله باقتدار ، وساعدها تنوع المواقف الدرامية على إبراز موهبتها التي لم تكتشف بعد فلديها المزيد ، وفتحي عبدالوهاب الواعي بتطور مراحل الشخصية رغم صغر دوره نسبياً عن أعماله السابقه ، لكنه في هذا العمل الناجح وسط هولاء العمالقة “عملاق متميز” ، ولبنى ونس في دور حكيمة الغجر طاقة فنية مبدعه ومتالقة ، وحسن العدل في دور الحلي الخفير العجوز للعجمي لم يسعفه الدور لاستغلال طاقات حسن العدل فنان المسرح القومي القدير..

والفائز في هذه المباراة هو أحمد أمين لأن هذه الفرصة الذهبية من حيث الكتابة والاخراج والكوكبة التي ترفع بأداءها اي ممثل موهوب ،قدمت له فرصة ليشاهده جمهور جديد عليه وعلى نوعية أدواره السابقه باستثناء مسلسل عمرو سلامة فأتمنى ألا يتنازل عن اختيار مثل هذه الأدوار وهذه الأعمال..

وأخيراً على النجمة مي عزالدين أن تفخر بنفسها وبنضوجها في الاختيار ، وأمانها بالمقولة الذهبية الدور ليس بحجمه ، فما حققته مي بهذا الدور الذي يتالق إلى جوارها فيه عشرة نجوم أكبر كثيرا من بطولاتها السابقه ، وميزة مي انها من القلائل اللاتي يجسدن ادوار شديدة التباين فتقنعنا بانها الشخصية وننسي مي عزالدين ، كما فعلت في هذا العمل المتميز وساعدها كغيرها حرفية عبدالرحيم كمال في كتابة شخصية درامية ثرية بالانفعالات المتنوعه وذكاء مي جعلها تؤدي شخصية العايقه من خلال المدرسة التعبيرية التي ساعدتها في أبراز المشاعر الداخلية لفتاة ترقص وتغني وهي ذبيحة خلدون وغدرة..

الموسيقي التصويرية تأثرت بموتيفه من فيلم الفيل الازرق وشادي مؤنس قدم لحن التتر متأثراً بأسلوب العمالقة عمارالشريعي ، وعمرخيرت ، وياسر عبدالرحمن ، أقول تأثر في الأسلوب أما الميلودي فكان ينقصه التنوع مع تنوع كلمات المبدع إبراهيم عبدالفتاح الذي عبرعن أجواء العمل الدرامي ، وعذابات شخصياته الثرية في مقطعين فقط بمفردات لغوية بسيطة وفلسفية وبأسلوب ولغة هذه الدراما التليفزيونية ، وقد وُفِّق الموزع الموسيقي في توظيف الات موسيقية موحيه ومعبرة عن اجواء المسلسل اما علي الحجار فبصمة صوته وحدها قيمة مضافة ، وادائه المعبرعن الكلمات الشجية درس ليس فقط للمطربين بل للممثلين المبتدئين ايضآ ، يبقي ان المسلسل اغفل كتابة اسم الشاعر الكبير والمولف ياسين الضوي كمؤلف الاغنية الوحيدة داخل المسلسل والتي رقصت عليها مي عزالدين ظانين انها من تراث فن الكف الصعيدي وهي كذلك لحنياً ولكن شاعرها كما ذكرت..

كل التحية للكوكبة المبدعة لهذا المسلسل الدرامي المتميز وهو من وجهة نظري أفضل مسلسل في هذا العام وشكراً للشركة المنتجة التي اهتمت بتقديم مسلسل متميزفي الكتابة والأداء والإخراج..

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى