أصداء وآراء

جـمـعـة مـبـاركـة !!..

 

 


الكاتـب/ عـبـدالله الفـارسـي

 

 

 

جـمـعـة مـبـاركـة !!..

 

سأروي لكم قصة طريفة حدثت معي : الجمعة الماضية كعادتي الدائمة أرسلت عبارتي الرائعة “جمعة مباركة” لجميع الأسماء التي تعيش وتعشعش في هاتفي، عملت “تحديد الكل” وأرسلتها كعادتي إلى الإنس والجن.

رميت هاتفي في طاولتي وخرجت، أشعر براحة عظيمة حين أتخلص من هاتفي، لا أذكر يوماً ما بأن هذا الهاتف جلب لي فرحاً أو سروراً أو بهجة، لم أرَ منه طوال عشرتنا الطويلة معاً سوى الغم والقرف والقلق والتوتر والأنباء المُزعجة أخبار تعيسة، وتغريدات سخيفة، وغم ونكد يتهاطل عليك طوال اليوم والليلة !!.

بعد ساعتين، عدت إلى هاتفي ففوجئت برسالة طويلة عريضة يلومني فيها أحد أصدقائي لوماً شديداً ويقرعني تقريعاً عنيفاً، وكاد أن يمسح بي الأرض ويمرغني بالتراب.

سأعرض عليكم ما أرسله لي صديقي مع إضافة بعض من بهاراتي الحارة ومكسراتي الخاصة، قال لي : للأسف يا عبدالله أصبحت علاقتنا محصورة في رسالة واتساب، وتحديداً في عبارة “جمعة مُباركة”، للأسف الشديد أصبح كل مبلغنا من التَّواصل والصداقة وكل غايتنا من الترابط والأخوة هو عبارة “جمعة مباركة”.

أكثر من خمسة أشهر لم تتصل بي ولم تطمئن عليَّ ولم تسمعني صوتك، وفي كل جمعة ترسل لي “جمعة مباركة”.

لا أعرف ما هو قصدك من عبارة “جمعة مباركة” ؟ لا أعرف عن أي بركة تتحدث ؟ لا أعرف أي بركة هذه التي تقصدها ونحن لا نسمع فيها بعضنا ، ولا نلتقي وجهاً لوجه بأصواتنا الطبيعية ، ولا نتحادث لمعرفة أخبار بعضنا البعض ، ولا نجتمع فردياً ولا عائلياً ، ولا نتواصل بالزيارات أو حتى بتبادل الأفكار وبث الهموم ، ولا نتسامر كسابق عهدنا.

لا أعرف أيِّ بركة هذه التي تعنيها وقد أصبحت علاقاتنا الأخوية ميتة ، وروابطنا هشة مُهترئة لا طعم فيها ، ولا نكهة لها ، وقلوبنا أضحت بعيدة عن بعضها.

لا نعرف بعضنا سوى في أسماء جوفاء ومعرفات عرجاء مكتوبة في هواتفنا اللعينة ، ثم تأتي بكل بلادة وتقول لي : “جمعة مُباركة” !!.

لا أعلم كيف أوصلتنا الحياة إلى هذا المستوى من التباعد ؟ لماذا سقطنا إلى هذا القاع من الجفاء والجفاف والتجافي ؟ شهور عديدة مضت ولم نتحادث .. لم نتواصل صوتياً .. لم نتلاقى روحيا.

سقطت مريضاً أكثر من شهرين ، ولم أسمع منك سوى عبارتك الشهيرة “جمعة مباركة” ، إبنتي تعرضت لحادثة سيارة ، ولم أسمع منك سوى رسالة “جمعة مباركة” ، والدي أصيب بكورونا وتحوَّل إلى جثة هامدة لمدة أربعين يوماً ثم عادت له الروح ذات فجأة ، ونجا من الموت بأعجوبة ، ولم يصلني منك سوى كلمة “جمعة مباركة” ، إبني تورط في ظل هذه الأوضاع التعسة وتزوج، ولم أحصل منك سوى على “جمعة مباركة” ، وغداً سيحملونني إلى المقبرة ، وطبعاً حتماً سترسل لي عبارتك الخالدة “جمعة مباركة” !!.

هل تعتقد بأنَّ “جمعتك المباركة” هذه ستمنحني سعادة ، ونشوة ، أو فرحاً وبهجة ؟!!.

هل تظن بأنَّ “جمعتك المباركة” هذه ستسقي شوق قلبي إليك ، وستطفئ لهفتي في رؤيتك ؟.

هل تعتقد بأنَّ عبارة “جمعة مباركة” ستملأ خزاني الفارغ وتنقذ قلبي الغارق ؟!!.

هل تعتقد بأن عبارة “جمعة مباركة” سترفعك درجة في قلبي ، وستعلي شأنك في روحي ، وسأعلقك نجمة على كتفي ، وسأرفعك تاجاً على رأسي ؟!!.

إسمح لي يا عبدالله ، لا ترسل لي منذ اللحظة “جمعة مباركة” .. لا أحتاج إليها .. لقد سئمت منها ، فليس هناك جمعات مباركة في حياتنا.

لو كانت هناك جمعات مباركة لظهرت بركتها على مجتمعنا ، ولبزغ نورها على صباحاتنا ، ولأضاء ضياؤها قلوبنا ، وَشَعَّ وهجها في حياتنا…

أنظر جيداً إلى الواقع ، إفتح عينيك وأذنيك الطويلتين وقل لي : أين البركات المباركات ؟ وأين السرور والمسرات ؟!!.

لا أرى أية بركة .. لا أشعر بأية بركة .. لا أتذوق أية بركة .. لا أشم أية بركة .. الجمعات المباركات أصبحت ضرباً من ضروب الوهم والخيال.

مجتمع يتواصل بالواتساب ، ويتزاور بالواتساب ، ويهنئ بالواتساب ويعزّي بالواتساب ، لا يملك جمعات مباركة ولا أيام طاهرة.

أرجوك لا ترسل لي بعد اليوم “جمعة مباركة” ؛ لا داعي لممارسة الكذب على بعضنا ونحن في هذا العمر ، يكفينا كذباً وتملقاً ، ورياء ، وتزلفا.

إذا رغبت في تَحقُّق البركة فأسمعني صوتك ، أرني وجهك ، إقرع باب بيتي ، وأوصل لي صدق مشاعرك ، وسلمني “جمعتك المباركة” في يدي ودسها بين أصابعي.

أية جمعة مباركة هذه التي تتحدث عنها والقلوب يابسة ، والأرواح فاسدة ، والجيوب فارغة ، والنفوس ضائقة ، والأفئدة جامدة قاسية.

رجاءً !! فلنتوقف ولندعو الرحمن أن يرزقنا جمعة مباركة شروقها ليس ككل شروق .. وضياؤها ليس كأي ضياء .. وبركتها ليست كأي بركة .. إنها جمعة ينتظرها المسلمون منذ مئات السنين .. إنِّها جمعة لم تأتِ بعد .. إنها جمعة لم تُخْلَق حتى الآن.

إخوة يلتقون في الواتساب ، وأصحاب يتعانقون في الواتساب ، وأحبة يتزاورون في الواتساب ، هذه ليست بركة إنها كارثة عظيمة.

فأرجوك ثم أرجوك ، توقف عن إرسال “جمعة مباركة” ، حتى نرى البركة بأعيننا ونلمسها بأيدينا .. والسلام..

اضطررت أن أرد على صديقي الغاضب الساخط العاتب ، المُحب.. أعلم يا صديقي بأنني مُقصر ، مقصر جداً درجة السقوط والتردي.. أنا فعلاً صديق سيئ ، صديق مهمل ، وصديق مستهتر ، ولا مبال ، أنا فعلاً صديق صفيق الخلق قصير العنق ، بليد الإحساس ، لكن رجاءً رجاءً صدقني ، ليس أمامي سوى الكذب ، لا أملك سوى النفاق ، أنا أعلم بأنه ليس هناك “جمعة مباركة” ، وأنني أمارس الكذب بكل تنطع ووقاحة ، ولكننا لابد من أن نتوهم ، لابد من أن نتخيل بأن هناك “جمعة مباركة” تزورنا في كل أسبوع ، يجب أن نتوهم بأننا نعيش البركة في كل الجمعات الزائرة.

لا مناص من الوهم ، لابد من الكذب يا صديقي ، الحياة كذبة كبيرة ، وتاريخ الدنيا سلسلة من الأكاذيب العظيمة ، الكذب قمح العالم يا صديقي ، الكبير يكذب على الصغير ، والحبيب يكذب على المحبوب ، والقوي يكذب على الضعيف ، والجميع يكذب على الجميع.

إننا نعيش في حلقة مفرغة من الأكاذيب والأوهام اليومية ، بهذه الطريقة نحرق الزمن ونستهلك العمر ، ونمضي .. هكذا تسير الحياة يا صديقي منذ أيام سيدنا نوح عليه السلام ، قليل جداً من الصدق ، وفائض عظيم من الكذب والوهم والنفاق !!.

لذلك أرجو أن تتقبل اعتذاري وتتجاوز عن زلاتي ، أعتذر منك مرة أخرى وأخرى وأخرى ، وأقول لك : أنا مضطر للكذب عليك من جديد ومضطر أن أقول لك : “جمعة مباركة يا صديقي”.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى