أصداء وآراء

جَـدّتـي المـؤمـنـة !!..

الكاتـب/ عبــدالله الفـارسـي

 

جَـدّتـي المـؤمـنـة !!..

يقولون : (إذا كنت لا تستطيع الكتابة عن مصائبك .. فبإمكانك أن تكتب عن  جدتك !!) !!.

أعذروني .. لا أملك ملغرام  واحد من الرغبة في الكتابة عن تحديات الوطن .. ومعاناة الشباب ومستقبلهم غير الواضح المعالم !!.

لذا سأحدثكم اليوم عن قصتي المؤلمة مع جدتي المؤمنة !!.

إنها ذكرى مؤلمة لم تتوقف.

إنه تأنيب ضمير لم ينطفئ .. مازال مشتعلاً في داخلي ، محترقاً في روحي .. وسيظل كذلك حتى الرمق الأخير .. حتى الشهقة الأخيرة.

فهناك جروح لا تندمل .. و  عثرات لا تنسى .

الإنسان هو الكائن الوحيد الذي يتألم من الماضي .. ويتألم من الحاضر .. ويتألم من المستقبل.

هذا المخلوق العجيب الذي نزل إلى الأرض ليتعذب .. ويعيش .. ويتألم !!.

ياله من مخلوق خارق .. يستحق أن  تسجد له الملائكة تقديراً واحتراماً .. فهو يحتمل من الألم مالم تحتمله الملائكة !!.

نعم فالملائكة لا تملك تلك الأجهزة العصبية التي توخز الضمير .. وتجلد الروح .. إنها بأمان تام من المشاعر والأحاسيس .. والدموع !!.

الجَدّات كائنات سماوية .. روحانية.

إنهنَّ  أيقونات الحب والرقة .. والحنان.

الجَدّة أم ثانية .. وأحياناً تتقدم الأم في المرتبة فتكون أماً أولى .. أمًّا حقيقية .. قلبها يتدفق حباً .. وحناناً على أحفادها.

حباً يتجاوز حب الأم .. وحناناً يعلو حنان الأم.

إنهن حقا مخلوقات سماوية .. ملائكية..

توفيت جَدَّتي في العام 1977م .. إثر إصابة في عينها اليمنى .. عانت بسببها آلاماً وأوجاعاً لم يتحملها جسدها الضعيف .. وروحها الرقيقة الهشة .

كنت حينها في التاسعة  من عمري .. كنت طفلاً شقياً .. كنت شيطاناً صغيراً .. أعبث بكل شيء .. وأدمر كل شيء أمامي !!.

كنت مكينة تكسير وتخريب !!.

فكانت أمي تحمل عصاً لأجلي .. كانت عصاها لا تفارق يدها .. لأجل تأديبي وإسكات مشاغباتي .. وإطفاء شيطنتي وإيقاف تخريبي !!.

فكان صدر جدتي هو ملاذي الآمن  من عصا أمي .. كانت تحميني .. وتخفيني عن أمي .. وتقف سداً مانعا أمام غضب أمي وعصاها !!.

فكل يوم أحصل على ما لا يقل عن عشرين جلدة  من عصا أمي القارسة كل صباح.

وفي المساء أمسح ظهري .. ومؤخرتي .. وأنام .. وأنهض  في الصباح وكأن شيئاً لم يكن .. جاهزاً لاستقبال المزيد من الجلد والضرب ولسعات العصا دون أن تعلم الدرس .. وكأني لم أذق لسعات الضرب الموجعة من عصا أمي !!.

كنت أستخدم يدي بشكل عجيب ..

فكأن شيطاناً كان  يستوطن  يدي اليمنى .. أكسر بها كل شيء .. والأخطر أنني كنت أرمي بها كل شيء .. كان الحصى ملتصقاً بيدي اليمنى .. أضرب به كل ما أراه أمامي .. قطط ..كلاب .. طيور .. كنت مجرماً صغيراً .. لم تختفي هذه الشيطنة عني إلا بعد أن حدث معي حدثٌ مؤلمٌ .. حدث مؤسف !!.

فانقلبت بعدها إلى شخص آخر ، وكائنٍ مختلف تماماً عَمّا كنت قبلاً !!.

في صباح حزين .. مزعج .. لا أنساه أبداً .. كان الشيطان يربض في يدي .. ويمرح في شراييني !!.

كنت أصوب الحصى على حفرة فوق باب غرفة جدتي.

كانت تلك الحفرة شبحاً دائماً لتصويباتي الدقيقة.

كنت أرمي الحصى بقوة شديدة .. وأبتهج كلما أصبت الحفرة !!.

فجأة .. وفي لحظة قدرية مكتوبة .. خرجت جَدّتي المسكينة من باب غرفتها .. في نفس اللحظة التي أطلقت فيها حصاتي الملعونة بقوة الرصاصة .. فأخطأت الهدف .. فوقعت على عينِ جَدتّي اليمنى !!!..

فصرَخَتْ  متألمةً متوجعةً .. باكية .

فركضت أمي من مطبخها .. نحو جَدّتي .. ومسكتها قبل أن تسقط .. مَدّدَتها على ظهرها .. ومسحت عينها بوشاحها المتسخ.

وأحضرت لها ماءً وملحاً .. غسلت مكان الإصابة .. وحاولت إيقاف تدفق الدم .. وجَدّتي تتألم .. وتَئِن .. وتتوجّع .. وتُسَبِّح وتُحَوْقِل..

وأنا لم أتحرك من مكاني .. أصبحتُ تمثالاً طينياً صلباً منصوباً في حوش البيت !! .. أصبحت صنماً لا يرمش ولا يهمس ولا يتنفس !!.

وجاءت أمي مشتعلةً غاضبةً ، تحمل عصاها .. وانهالت عليَّ ضرباً وركلاً .. وشتماً وبصقا .. وأنا لا أشعر بشيء !!.

كنت واقفاً كعمودٍ إسمنتي .. جامداً كصخرة صلداء .. كنت أفكر في جَدّتي .. جَدّتي المسكينة .. الرقيقة الحنونة..

وحين أدركت بأن جَدّتي فقدت عينها .. فقدت كل سعادتي .. وفقدت كل طفولتي .. وتحولت فجأة  من طفل صغير مشاكس .. مرح .. مشاغب .. إلى رجلٍ هرمٍ .. كبيرٍ .. حزينٍ .. مُلْتاعٍ .. مكظوم !!..

فقدت جَدّتي عينها بسببي !!.

ومع ذلك .. كانت تحضنني .. وتقول لي بكل سكينة : (لا عليك يا حبيبي  ..  هذا أمر الله يا حبيبي .. لا تحزن .. مازالت لدي عين أخرى .. تفي بالغرض) !!..

كانت عينها اليمنى تنزف قيحاً .. ودماً !! .. وكانت تقبلني .. وتداعبني !!.

كانت تتألم ألماً فظيعاً  في الجانب الأيمن من وجهها .. ولكنها كانت تخفي ألمها .. وتدفن وجعها وعذابها عنا جميعاً .. كانت تضحك معي .. وتداعبني ..

يااا الله .. أيّةُ مخلوقةٍ أنت يا جَدّتي الحبيبة ؟!! أيُّ روحٍ تملكين ؟!! أيُّ صبرٍ تحملين ؟!! وأيُّ إيمان تَدُسّين في قلبك ؟!! وأيُّ جمالٍ و عظمةٍ تسكن نفسك ؟!!..

بعد عدة أشهرٍ من معاناة جَدّتي .. نَهَضْتُ صباحاً على صراخ وبكاء أمي وخالاتي !!..

لقد ماتت جَدّتي متأثرةً بذلك الجرح العميق الذي سببته لها في عينها !!..

ركضت نحو جسدها الممدد .. المُسَجّى في فراشها .. المُغَطّى بشالها  الأحمر الجميل..

كانت غرفتها تعبق برائحتها الجميلة .. رائحة الورس الذي كانت تدهن به ثيابها وفراشها .. وسجادتها العتيقة..

سحبت الوشاح الذي يغطي وجْهَها .. وحضنتها .. وقَبّلتُها .. ومتُّ في جسدها .. إلتصقت بها .. قلت لهم دعوني معها .. إدفونني معها !!..

حاولت النِّسْوَة إنتزاعي من جسدها النحيل .. فلم يستطعن لذلك سبيلا..

فجاء أبي وأخي .. ورفعوني من فوقها .. واقتلعوني من جسدها ورائحتها..

من شدة لوعتي وحزني عليها .. أنّبَني ضميري وجلدني وعذبني عذاباً عنيفاً .. فقررت قطع يَدِي اليمنى .. يَدِي المجرمة التي إعْتَدَت على أجمل وأرق مخلوقة كانت في عالمي..

أحضرت سِكّيناً حادّة .. ووضعت يدي اليمنى على عتبة الباب .. وقبضت السكين بيدي اليسرى .. وحاولت أن أضع السكين على معصمي ولكن يدي اليسرى لم يكن هناك “شيطان” يسكنها .. كانت يداً طيبةً رقيقة .. يداً هادئةً مطيعة .. فانتفضت وارتعشت ولم تتمكن من قطع أختها .. فسقطت السكين منها !!.

فدخل أبي فجأة .. ورآني على تلك الهيئة .. فهرع نحوي وأبعد السكين عني .. وحضنني .. وقال لي بكل هدوء .. وخشوع .. ويقين (جَدّتُك كبيرةٌ في السن .. لقد ماتت وانتقلت إلى رحمة ربها .. أنت لم تقتلها .. ولكن الله اختارها لتكمل حياتها في ذلك العالم الجميل .. فلا تعذب نفسك .. جَدّتُك الآن في سعادة كبيرة .. وراحة عظيمة)..

فقدت بفقدانها قسطاً كبيراً من الحنان .. وكَمّاً هائلاً من الحب كانت تزودني به جَدّتي .. وتحقنني به آناء الليل وأطراف النهار..

الجَدّةُ حبٌّ لا يوصف .. ورحمةٌ لا تتوقف..

جدتي..

سامحيني أيتها العظيمة .. سامحيني أيتها الرقيقة الحميمة الرؤومة..

كم أشتاق إلى حضنك .. وكم  أشتهي رائحة الحب في صدرك..

جَدّتي .. لا أريد لهذا التأنيب أن ينتهي .. لا أريده  أن ينطفيء  .. لا أريده  أن يذوب أو يخمد أو يخفت ويتلاشى .. أعِدُكِ بأنني سأظل مشتعلاً محترقاً بالندم حتى ألقاك هناك .. في ذلك العالم السعيد الجميل الذي قال عنه أبي وهو يواسيني في فقدك الأليم..

رحمك الله رحمة واسعة ياجَدّتي .. وليُسامِحُني الله على ما اقترفت يَدِي..

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى