أصداء وآراء

حتـى لا تـتـساقط حبـات اللـؤلـؤ..

أ. نعيمة بنت خلفان الهطالية

 

حتـى لا تـتـساقط حبـات اللـؤلـؤ..

 

تخيلوا معي عُقْدًا من اللؤلؤ تتوسطه لؤلؤة كبيرة على جانبيها لآلي أصغر حجماً ، تليها لآلي أصغر وهكذا حتى ينتهي العُقْد بقفل متين محكم ، ذلك العُقْد الجميل المتناغم ، تلك الحبات الملساء البراقة بهجة تسعد القلب ، هل لكم أن تتخيلوا كيف أن ذلك النسيج الناعم تحول مع الوقت إلى كيان صلب متماسك وأنيق ، نعم إنها أعجوبة ، وأنت تتأمل عُقْدَك الثّمين تسقط احدى لآلئه فتتناثر البقية في غمضة عين ، وكأن صاعقة من السماء ضربتك و لم تدري ما حل بك ، هذا هو الواقع اليوم الذي وصلنا إليه ، كم أسرة فقدت معيلها أو أحد الوالدين أو الوالدين معاً ؟ كم أسرة فقدت أخاً محباً أو أختاً مُحبة أو ابناً باراً أو بنتاً حنونة ؟ صديقةً غالية أو صديقاً عزيزا ؟!!.

حبات من اللؤلؤ تتساقط من حولنا تترك شرخاً في أرواحنا ، أُسَر مكلومة ، وقلوب موجوعة ، وعقول ما بين مكذبة ومصدقة لما يجري من حولها، وبين استسلام ونقمة.

بالرغم من الألم الذي ينتابني حالياً والذي حركني لأخط كلماتي هذه ، إلا أنني أجدني أفقد الكلمات فلم يعد لها قيمة ، لأنها لن ترجع من رحل ، ولن تخفف وجع الموجوعين ، ولن تجعلنا نشعر بالراحة ، ولكن كنوع من التفريغ العاطفي ، وأيضا إخراج أكبر كم من الحنق الذي بداخلنا ، لن نلعن الظروف والأقدار ونصب جام غضبنا عليها إيماناً منا بقضاء الله وقدره خيره وشره ، ولا اعتراض على حكمه ، والتسليم بالقضاء والقدر لا يجعلنا نتجاهل أخطاءنا من منطلق الأخذ بالأسباب “… وجعلنا لكل شيء سببا…” ، وأننا أحد أسباب ما نعانيه ، فالمعادلة سهلة ولكن من يحلها ؟!.

كثيراً ما تساءلت تارة بيني وبين نفسي وبصوت غير مسموع وتارة أخرى بصوت عالٍ (لماذا نركز على عثرات الآخرين وهي واردة بحكم حجم الفئة التي يتعاملون معها ، وننسى أنفسنا ولا نعاتبها على عصيانها الصارخ ؟!) ؛ لماذا نتعامل مع كل ما يجري من حولنا وكأننا فرد مستقل لا تربطه علاقة بأي شيء حوله ، وليس بأننا جزء من كل ؟! حبة لؤلؤ من عُقْد منظوم يسمى المجتمع ، نؤثر فيه ونتأثر به ؛ كل ما نقوم به له أثره بالسلب أو الإيجاب عليه .. نحن ذلك الكيان الصلب الذي يعتمد عليه باقي حبات العُقْد وجميع من حوله ؛ فكفى فقداً بربكم ؛ فلقد كثرت الثكالى وكثر اليتامى وأصبحت الأحزان تسكن الدور من بعد الفرح ؛ كم من صغير لن يقبّل رأس أبيه هذا العيد ، وكم من أم استبدلت ثياب العيد لابنتها بالأكفان ، وكم من مهد جُهِّزَ لاستقبال أول طفل ورحل الطفل ، والمهد يهز فارغاَ وكم وكم وكم …………؟!!.

لكم أن تملأوا الفراغ بما شئتم ؛ أكيدة أن لديكم من الفواجع الكثير ، ولكنني أثق أيضاً أن لا أحد فيكم يحب أن يكون يوما تكملة لإحدى تلك الفراغات ، لذا حتى تبقى عقود اللؤلؤ منظومة ومكتملة يجب أن نتماسك ونشد على أيدي بعضنا البعض من أجل تجاوز هذه المحنة والابتلاء بأقل الخسائر في الأرواح ، نعم هناك خسائر أخرى ولكنها تعوّض إن شاء الله بالجد والعمل والاجتهاد بعد زوال الغُمّة ، ولكن من سيعوّض من رحلوا عنا ؟! من سيحل محل والديك أو أبنائك أو إخوتك أو أخواتك أو رفيق دربك ؟! بالتأكيد لا أحد.

إمتلأت هواتفنا برسائل التأبين والعزاء فهلا نقف جميعا طوق أمان حول من نحب نذود عنهم حتى لا يصيبهم مكروه ؟؟.

لا ادري ما إذا سيكون لكلماتي وقع في قلوبكم وعقولكم؛ أو أنها ستكون مجرد كلمات ؟ لكنها كلمات خرجت من قلب محزون على ما يجري من حوله ، ولا يرجو ألا أن نكون جميعاً سالمين حتى لا تتساقط حبات اللؤلؤ.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى