أصداءأقلام الكتاب

حركة القومية العربية ..

خميس بن عبيد القطيطي – كاتـب
حركة القومية العربية 
بداية لا نستطيع تحديد إطار زمني تاريخي لحركة القومية العربية، فاعتزاز الشعراء العرب منذ ما قبل الاسلام بقوميتهم العروبية تمثل أحد حراكات القومية العربية، وعرف العرب في ذلك العصر بكثير من الخصال الحميدة الكريمة التي وسمتهم بتلك السمات كالجود والكرم والشجاعة والنخوة واغاثة المستغيث وغيرها من كريم الصفات، ثم بدأت الدولة الاسلامية في عهد الرسالة المحمدية من أرض العرب واستمرت الدول الاسلامية اللاحقة تقوم على قاعدة عربية، وصولا الى أواخر الدولة العثمانية وظهور جمعية العربية الفتاة في باريس من قبل الطلبة العرب ١٨٩١م على غرار حملة التتريك التي فرضتها حكومة الاتحاد والترقي وانتهاكات حقوق الأمة العربية واستخدام الاساليب القمعية منها حملة اعدامات الوطنيين العرب التي نفذها جمال باشا السفاح بحق الوطنيين العرب عامي ١٩١٦/١٩١٥م وتزايد تطلعات العرب نحو الاستقلال والتحرر من نير الاستعمار بعد تقسيم أملاك ومناطق الدولة العثمانية (الرجل المريض) وفقا لاتفاقية سايكس بيكو ووعد بلفور، هنا بدأ الوهج القومي العربي بدءا من الثورة العربية الكبرى بقيادة الشريف حسين واستمرار النضال العربي من أجل التحرر في جميع أرجاء الوطن العربي .
كانت الثورات العربية التي تحدث في فلسطين وسوريا والجزائر وبقية الدول العربية أبرز تجليات القومية العربية في اطار التحرر والتخلص من الاستعمار، وسوف سنتطرق للحديث خلال سياقنا التالي للحديث عن أبرز المحطات القومية العربية بعد ذلك، وأهم مبادئها وأهمية الالتزام الجماهيري بها مع وجود الدولة الوطنية وفق تكاملية منطقية بين الدولة الوطنية والدائرة القومية، ثم سنتطرق أخيرا إلى التشويه والاستهداف الذي تعرضت له القومية العربية من أبناءها؟!
يعتبر جناحي الحركة القومية العربية وهما البعث العربي والتيار الناصري هما أبرز التيارات القومية العربية وقد تزامنا في الظهور وإن كانت الجذور التاريخية للبعث قد بدأت أولا منذ أربعينات القرن الماضي حيث تأسس حزب البعث العربي الاشتراكي في عام 1947م على يد ميشيل عفلق وصلاح البيطار وزكي الأرسوزي الذي شكل قبل ذلك الحزب القومي العربي في عام 1939م، وهذه الأحزاب والتيارات كلها كانت روافد تصب في وعاء القومية العربية، فيما جاءت الناصرية مشتقة من اسم الزعيم جمال عبدالناصر وظهورها الفعلي بعد نجاح ثورة الضباط الأحرار في يوليو 1952م، واشترك التياران في مبادئ متطابقة تمثلت في (حرية اشتراكية وحدة) كما اعتمدا نفس النهج في مكافحة الاستعمار والتحرر العربي وإزالة الطبقية وإن اختلفا شكلا في الاشتراكية، ولكن هذه المبادئ والأفكار والرؤى كانت تتفق في أهم دور لهما في المنطقة على صعيد الوحدة العربية ومقاومة الاستعمار، وذلك لكون هذا التيار القومي على سدة السلطة في أهم ثلاث دول عربية هي مصر وسوريا ثم العراق لاحقا، وبالتالي فقد أسهم وجود قيادات مؤثرة تنتمي للفكر القومي العربي في قيادة الحركة القومية العربية واتساع حركة التحرر العربي بعد انضمام الجزائر وتونس واليمن والسودان وليبيا، فأصبحت القومية العربية في أوج مراحلها في نفس الوقت الذي زرعت فيه القوى الدولية الكيان الصهيوني في قلب الوطن العربي. وأهم ما ميز تلك المرحلة كان الصراع مع هذا الكيان، فجاء الصراع على قاعدة نكون أو لا نكون وما أخذ بالقوة لن يسترد إلا بالقوة، ورغم الخسارة في حرب يونيو 1967م لكن الموقف العربي ظل ثابتا موحدا في مواجهة العدو من خلال الموقف الرسمي والشعبي، بل إن الوحدة الرمزية العربية كانت أكثر تماسكا تعززها تلك القيادات العربية المحورية، كما توفرت لديها الأدوات الإعلامية التي أوصلت أفكارها إلى جماهير الأمة العربية فكان الحراك القومي العربي يشق طريقة في اتجاه تقدمي لا يمكن أن يحيد عنه وفقا لمبادئ سامية، لذلك تحققت الوحدة العربية فعليا بين أهم بلدين عربيين هما مصر وسوريا تحت مسمى الجمهورية العربية المتحدة في فبراير 1958م باعتبارها لبنة أولى في مشروع الوحدة العربية الذي كان قائما على أرض الواقع من خلال وحدة الموقف العربي فكان التفاعل القومي على المستوى الرسمي والشعبي متألقا من المحيط الأطلسي غربا إلى الخليج العربي شرقا، وهكذا كانت الوحدة الفكرية العربية من أهم ما يميز تلك المرحلة، فانطلقت المشاريع الوطنية التي سجلت نهضة صناعية عربية وبالذات في مصر وكان قائد تلك المرحلة العربية المضيئة الزعيم جمال عبدالناصر الذي التفت الجماهير من حولة تجسيدا للقيادة المحورية، وقامت حرب الاستنزاف كأحد أهم مسارات العمل العسكري الذي وحد الموقف العربي استعدادا لمعركة التحرير الفاصلة .
لقد استمرت الحركة القومية العربية ما بعد 28 سبتمبر 1970م يوم رحيل عبدالناصر، فاستمر الحراك القومي العربي على تسارع وتيرته التي رسمها عبدالناصر ورفاقه فتحقق النصر في أكتوبر 1973م وإن كان نصرا محدودا، لكنه أنهى أسطورة الجيش الذي لا يقهر، وأثبت أن العرب قادرون على توحيد مواقفهم وهزيمة القوى الاستعمارية، وهو الأمر الذي تنبهت له قوى الاستعمار فعملت على تفكيك رابطة الوحدة العربية بالتركيز على حرف مسار بعض القيادات العربية، فتعرضت الحركة القومية العربية إلى انتكاسة شديدة بعد توقيع اتفاقيات ثنائية بين العرب و”إسرائيل” كانت أبرز تجلياتها الانقسامية اتفاقية “كامب ديفيد” التي كبلت أهم قوة عربية، ثم تبعها اجتياح لبنان عام 1982م، كما انشغل العراق بحربه مع إيران فدخلت الحركة القومية العربية في أزمات متلاحقة، تزامن ذلك مع حملة تشويه واستهداف لها من قبل القوى الاستعمارية والقوى الرجعية، مع أن القومية هي جزء أصيل يمس كل ما من شأنه وحدة الأمة وحرية الشعوب والأوطان وقيام نهضة عربية، ولكن الأفكار المشوهة أسهمت في تراجع الحركة القومية العربية .
هناك من يفصل بين الفكرة القومية والدولة الوطنية، وهذا فصل مغلوط وفهم مسيء للرابط المصيري بينهما، فالوحدة القومية تنطلق من إطار الدولة الوطنية، بل على العكس التنمية الوطنية وجوانب الدولة الوطنية السياسية والاجتماعية والثقافية والاقتصادية والعسكرية تنشط في إطارها القومي التكاملي الشامل، وبلا شك أن الأنظمة العربية كانت حققت من خلال هذه الفكرة القومية نجاحات في اطار العمل العربي، وبالطبع هذا أمر مفيد للوحدة القومية العربية لو تم تفعيله بالشكل المأمول .
الفكرة القومية العربية هي فكرة جامعة أصيلة ذات مبادئ صالحة للمستقبل العربي، وللأسف فإن القومية العربية محاربة اليوم من أبناءها بشكل مغلوط غير مبني على حقيقة قداسة هذه الفكرة الجامعة الموحدة للأمة، وعلى الأمة بكل أطيافها العمل في صالح هذه الفكرة العربية المصيرية لاستعادة العرب قوتهم وبناء نهضة عربية شاملة، ولن تنطلق هذه الفكرة إلا من خلال بروز وإعلاء هذه الفكرة القومية الوحدوية على الساحة العربية إضافة الى أهمية وجود قيادات محورية قادرة على لملمة الشتات العربي والتخلص من الارتهان للقوى الأجنبية، والاعتماد على الذات العربية للتخلص من هيمنة ونفوذ القوى الدولية على المنطقة، والأهم من ذلك هو الإيمان الجماهيري العميق بهذه الفكرة القومية العربية في ظل تراجع مختلف التجارب العربية في التاريخ العربي المعاصر .
Spread the love
اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق