أصداءأقلام الكتاب

حضارة العـراق الإنـسانية ..  “ثكلى” .. بحقـد الطامعين..

المسـتـشار/ عـبـد العـزيـز بـدر القـطان 

* كاتـب ومفـكـر وحقـوقـي كـويـتـي

حضارة العـراق الإنـسانية ..  “ثكلى” .. بحقـد الطامعين..

تتطور الحياة وأساليب العيش جيلاً بعد جيل، ويتقدم العلم، وتتوسع رقعة الأبحاث والإكتشافات العلمية من مختلف العلوم، ودائماً ما نسمع عن إكتشاف مخطوطات أثرية، تشرح لنا حقب معينة قبل آلاف السنين عن الحضارات السابقة، التي تفسر لنا آلية العيش آنذاك، وتأتي في بعض الأحيان قاطعة للطريق على المشككين أصحاب الروايات التي تعتمد على الأساطير والخرافات، دون بناء قويم وسليم.

فمثلاً، هناك أقوال كثيرة عن مكان ولادة نبي الله “إبراهيم” عليه الصلاة السلام، في كل كتب التراث والحضارات، وحتى في أغلب الروايات التي وصلتنا من تراثنا الإسلامي، في مجملها مأخوذة عن “الإسرائيليات”، التي تجعلنا نضع عشرات علامات الإستفهام حولها، خاصة وأن التاريخ في غالبيته “تاريخ ظنّي” ولا يوجد شيء إسمه تاريخ قطعي، من هنا يجب قراءة هذا التراث بحذر، وتحكيم المنطق والعقل والإبتعاد عن دغدغة المشاعر، ونبتعد عن صوغ جملة “الحقيقة المطلقة” لأن الله سبحانه وتعالى وحده فقط من يعلم، خصوصاً فيما يتعلق بالحضارات التي تعود إلى عشرات السنين قبل الميلاد، كالحضارة البابلية والسومرية والآشورية، وحتى الحضارة الإسلامية.

ويسأل سائل، أن بهذا الطرح نبتعد عن المسلمات ونطرح الغيبيات بما لها وعليها، ونقول، إن الحقيقة المطلقة تكمن في الإكتشافات المخطوطة والمنقوشة والمحفورة والتي يعمل علماء الآثار على فك رموزها، فمثلاً يوجد في العراق، تعاقب حضارات عدّة، ففي مدينة الناصرية التراثية التي كانت تسمى قديماً مدينة “أور” القديمة وهو الإسم التاريخي، التي سكنها السومريون والآكاديون قديماً، وفيها ولد سيدنا إبراهيم صلوات الله عليه، وهي الآن موقع أثري مهم، وقد زرتها شخصياً، فمن يزورها يشعر بذاك التاريخ حينما يطأ أرضها، وإن سألت البعض إن كان من العراق أو أية دولة عربية أخرى، تصطدم بواقع أن الأغلبية لا يعرفون عراقة وتاريخ هذه المدينة الجميلة.

والبيت في مدينة الناصرية “أور قديماً” الذي يقال إنه بيت النبي إبراهيم عليه الصلاة والسلام، ودون الدخول في تفاصيل صحة أو خلاف أن يكون فعلاً بيته من عدمه، شخصياً، يوجد به أمور ملموسة تجعلك تستشعر كيف عاش سيدنا إبراهيم عليه الصلاة والسلام فيه، لكن بنفس الوقت هناك دلائل وإشارات بالكتب التراثية القديمة بأن يكون هذا بيته أو ولد فيه، أو مرّ به، خصوصاً وأن الأقوال عن مكان ولادة سيدنا إبراهيم عليه السلام كثيرة جداً. فهناك كتب تاريخية تؤكد أنه ولد في مدينة حران، وهناك روايات كثيرة أخرى، تقول إنه ولد في بابل، وأخرى تقول إنه ولد في أور.

بإعتقادي الشخصي، أستطيع أن أشعر أنه ولد في مدينة أور ومر بمدينة حران، ومر بفلسطين ومر بمصر، ومر بشبه الجزيرة العربية وكل هذه المعلومات نستطيع إيجادها في كتب التراث، وعندما نقرأ تاريخ الحضارات، نقرأ أنه ولد بين 2324-1850 قبل ميلاد السيد المسيح عليه السلام، فإن لم تقرأ لن تتحقق وتأخذ الرواية الأقرب للمنطق دون تبنيها بشكل قاطع، لكن هو عامل نفسي، يشعر به القارئ براحة نفسية وإنتصار للذات، لكن يجب التنبه إلى نقطة جوهرية ومهمة جداً وهي أن كتب الحضارات طالتها رياح الخرافات في بعض جوانبها، من مبالغة في تصوير القصص وعرض تفاصيل غير حقيقية تعود لخيال الكاتب وغير ذلك، إن كان في زمن المماليك، أو في زمن بداية الكتابة وعصر التدوين، في أواخر عهد الدولة العباسية وفي العهد العثماني، فباتت الناس تضيف إضافات كثيرة من قصص وأساطير على القصص الحقيقية، الأمر الذي أفقد التاريخ خصائصه الجوهرية وأصبح يحتاج إلى أدلة قاطعة تؤكد صحة هذه الرواية من تلك سواء للحضارة السومرية أو البابلية وغيرهما من الحضارات التي كانت موجودة على أرض العراق.

حتى العراق نفسها وأقصد كلمة “العراق” التي فيها خلاف كبير لجهة التسمية، التي تعني تجمع الأعراق، هذه الكلمة كما يقال إنها مترجمة وأنها شاطئ البحر لأنها على شاطئي دجلة والفرات وأيضاً قيل سميت كذلك لتعدد الأعراق، والأقوال فيها كثيرة جداً، إنما الأرجح أنها كلمة مترجمة من السومرية، سواء كان أصلها شاطئ البحر أو النهر الطويل لكن العراق بالسومرية هي “أورق – أوريك”، بحسب آراء الباحثين المتفقين على هذه التسمية، وعندما ترجمت إلى العربية أصبح معناها الشاطئ وهذا هو القول الأرجح والعلم عند الله.

لكن تجدر الإشارة إلى أنه ومن باب التنبيه، أن ما كتب في تلك الحقبة، لا يوجد شيء مسلم به 100%، فمثلاً العلماء الألمان ترجموا الحضارة السومرية بطريقة عائدة لهم وبقراءتهم، وأيضاً كتب الروس عن حضارات العراق بطريقتهم، وهذا ما تلاحظه عند القراءة في الكتب المترجمة، فمثلاً الكتّاب الإنكليز، تجد صياغة أخرى، وأرجح ذلك إلى أن نفسية الكاتب على إختلاف جنسيته هنا تلعب دوراً خاصة لكل بيئة ولكل جنسية ولكل أصل يرجع إليه الكاتب، خاصة وأن حالته النفسية تدخل في السياق من تمنياته الخاصة الذي يحاول سطرها بما كتب، وبالتالي أيضاً تؤثر على القراءة الصحيحة في إعطاء حكم سديد بأي كتاب يقرأ تاريخ حضارة معينة.

إن العراق وكما الجميع يعلم، يتواجد فيها عشرات المقامات وأضرحة لأنبياء الله، ويقال فيها قبر نبي الله نوح عليه الصلاة والسلام، ودانيال وهود وصالح وذو الكفل عليهم السلام جميعاً، ويقال إن قبر سيدنا سليمان مدفون في البصرة، وهناك الكثير من الروايات حول هذا الموضوع، حتى يقال إن فيها أضرحة لآل البيت وبعض صحابة النبي محمد عليه الصلاة والسلام، إنما هناك خلافات كثيرة حول أماكن الدفن الحقيقية خاصة في حقبة العصر الإسلامي، وذلك لأن هناك قبور وهمية كثيرة في العراق وفي مصر وفي سوريا، فيجب التنبه لهذا الأمر جيداً وأن لا نسلم بالمطلق، ولا ننكر بالمطلق، إنما من يؤكد ذلك قطعاً لغايات دنيوية ضيقة كنوع من التجارة، خاصة الدينية منها.

وبالعودة إلى الحضارة السومرية والقراءة عنها، ترى جمال هذه الحضارة من تربتها إلى كل ما فيها، دون إغفال الحضارات الأخرى، يكفي أن أول مخطوطات تتعلق بالقانون كانت في العراق، ومخطوطات حمورابي من تشريعات وقوانين موجودة من قانون يتعلق بمحاسبات نعتمد عليها في كثير من قوانين اليوم، فحمورابي صاحب التشريع الأول للإنسانية، بل أكثر من ذلك، فالعراق هي من صدّرت الحضارة الإنسانية للعالم أجمع، وربطاً مع ذلك، ومع الغزو الأمريكي للعراق، عام 2003، كان الإستهداف ممنهج على المتاحف والآثار، وسرقت الكثير من الآثار النفيسة ومن بينها الكثير من المخطوطات، ومن حينها إلى اليوم قل إهتمام الحكومات المتعاقبة على العراق بتاريخهم بحسب أدلجة كل واحد منهم، فلم نعد نرى ذاك الاهتمام أو المطالبات بآثار حضارتهم المعروضة في متاحف العالم سواء الولايات المتحدة أو أوروبا.

عندما تنظر إلى العراق اليوم، عراق الحضارة الذي يملك ما لا تجده في أي مكان آخر من قلاع وتاريخ وحضارات وخيرات، وأماكن تراثية في كل مدنه من الموصل إلى مدينة السلام بغداد إلى البصرة والكوفة والناصرية، لكن السؤال الذي يتبادر إلى الذهن اليوم، هل هناك حقد تاريخي على دولة العراق ؟

وهل هناك مشكلة مع الحضارات فيها ؟ أو هل هي عقدة نقص لدى الغزاة الجدد الأمريكيين ؟ ألهذا تم تدمير العراق ونهبه وسرقته ؟ وبإهمال من أهله وبعضهم لا يعرف قيمة وعراقة بلدهم !.

Spread the love
اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق