أصداء وآراءبأقلام الكُتّاب

حـرب “الفـرص الضـائـعـة”..

الدكتور/ محمد السعيد إدريس

mohamed.alsaid.idries@gmail.com

 

حـرب “الفـرص الضـائـعـة“..

 

تلقت إسرائيل فى الأسبوعين الماضيين مجموعة من الصدمات المتتالية فى صراعها مع إيران أفقدتها قدراً كبيراً من الصواب فى حساباتها العسكرية والسياسية، ودفعتها لارتكاب “حماقات” تكشف إلى أى حد وصل اهتزاز الثقة لدى القيادات السياسية والعسكرية.

عندما توقفت الجولة السابعة من محادثات فيينا النووية التى تجرى بين إيران والقوى الدولية لحل إشكاليات العودة الأمريكية – الإيرانية إلى الاتفاق النووى الموقع عام 2015 اعتقدت إسرائيل أن الفرصة باتت مواتية لها لتحريض الأطراف الدولية المتفاوضة فى فيينا خاصة الولايات المتحدة والترويكا الأوروبية (فرنسا وبريطانيا وألمانيا) على إنهاء هذه المفاوضات والتخلى نهائياً عن “الخيار الدبلوماسى” وقبول الإلحاح الإسرائيلى باعتماد “الخيار العسكرى” كوسيلة وحيدة للقضاء على “الخطر النووى الإيرانى” وفقاً للفهم الإسرائيلى، خاصة وأن دبلوماسيين أوروبيين وأمريكيين فى فيينا تسرعوا فى تحميل إيران مسئولية توقف جولة التفاوض السابعة، وبدأوا يتساءلون: هل ستعقد جولة ثامنة للتفاوض أم لا ؟.

فى تلك الأجواء بادر بيني جانتس وزير الحرب الإسرائيلى بالدعوة إلى “اغتنام الفرصة للتحرك ضد إيران” مشيراً إلى أنها “تعانى من مشكلات داخلية وخارجية”. ولفت جانتس، حسب صحيفة “يديعوت أحرونوت” إلى أن “إسرائيل بنت قوتها خلال العام ونصف العام الأخيرين، واشترت وسائل جديدة للحفاظ على تفوقها الأمنى (العسكرى) فى المنطقة فى مواجهة كل التهديدات “وفقاً لوكالة الأنباء الألمانية”. وفى سبتمبر الماضى كان قائد الجيش الإسرائيلى الجنرال أفيف كوخافى أعلن أن “جزءاً كبيراً من زيادة الميزانية العسكرية قد خصص للتحضير لشن هجوم على إيران”. وقبل أسابيع أكد ديفيد بارنياع رئيس “الموساد” أن إسرائيل “سوف تبذل كل ما يلزم لمنع إيران من إنتاج قنبلة نووية”.

وسط هذه الأجواء الانفعالية والتحريضية الإسرائيلية وضد المحادثات الدائرة فى فيينا أملاً فى عدم انعقاد الجولة الثامنة. فوجئ الإسرائيليون أن توقف الجولة السابعة فى 17 ديسمبر الماضى، والتى كانت قد بدأت يوم 29 نوفمبر (الماضى) كان توقفاً مؤقتاً، وسرعان ما استؤنفت المحادثات يوم 27 ديسمبر الفائت، ومازالت مستمرة فى أجواء أقرب إلى التفاؤل بالنجاح، ليس هذا فقط بل أن الخلاف الجوهرى الدائر الآن بين الوفد الإيرانى والوفود الأوروبية الثلاث ومن خلفهم الوفد الأمريكى الذى يتفاوض بشكل غير مباشر يتركز حول قضية محددة هى: هل تركز المفاوضات، كما يريد على باقرى كنى رئيس وفد التفاوض الإيرانى، على بحث قضية إنهاء كل العقوبات الأمريكية المفروضة على إيران وليس فقط العقوبات المرتبطة بالاتفاق النووى، وبعد الانتهاء من ذلك واطمئنان إيران إلى انتهاء كل العقوبات يبدأ بعدها بحث عودة إيران عن تجاوزاتها النووية التى أقدمت عليها رداً على الانسحاب الأمريكى من الاتفاق النووى، أم يكون التحرك بالتوازى والتزامن فى بحث الملفين معاً ملف إلغاء العقوبات وملف إلغاء التجاوزات النووية الإيرانية كما يطالب منسق المحادثات مبعوث الاتحاد الأوروبى إنريكى مورا. أى هل يكون بحث القضيتين بالتوالى الواحدة بعد الأخرى، كما تريد إيران أم بالتوازى والتزامن كما تريد الأطراف الأوروبية والوفد الأمريكى؟.

هذا هو جوهر الخلاف فى محادثات الجولة الثامنة التى تجرى حالياً، وهذا معناه مهم جداً وهو أنه ليس فى هذه المحادثات مكان لبحث كل ما كانت تأمله إسرائيل وواشنطن ودول عربية خليجية وبالتحديد: بحث ملف الصواريخ الباليستية الإيرانية، وبحث المشروع الإقليمى الإيرانى والتدخلات الإيرانية فى الشئون الداخلية لدول المنطقة، وأخيراً بحث إشراك أطراف إقليمية فى المفاوضات ، وبالطبع إسرائيل فى مقدمتها.

كانت هذه بداية توالت بعدها التطورات السلبية من منظور الحسابات الإسرائيلية؛ أول هذه التطورات تفاقم الانقسام فى الأوساط العسكرية الإسرائيلية حول قدرة الجيش الإسرائيلى على توجيه ضربات للمنشآت النووية الإيرانية، وفقاً لما نشرته صحيفة “نيويورك تايمز” الأمريكية، ما أدى إلى تفاقم الشعور بالاستياء الشعبى وانعدام الثقة فى القيادات العسكرية.

ثانى هذه التطورات إعلان إيران، على لسان محمد إسلامى رئيس منظمة الطاقة الذرية الإيرانية أن بلاده أصبحت قادرة على إنتاج “الوقود النووى” محلياً، وأنها ستبدأ فى استخدامه فى محطة “بوشهر” النووية.

ثالث هذه التطورات إعلان إيران (22/12/2021) تطوير منظومة مضادة للصواريخ يمكن نصبها على دبابة من طراز (تى- 72) لحمايتها فى حال التعرض لهجوم بقذائف أو صواريخ. جاء فى اليوم الثالث للمناورات الإيرانية الموسعة برياً وبحرياً وجوياً وحملت اسم “مناورات الرسول الأعظم| وفيها تم إطلاق على هدف يمثل “مفاعل ديمونة” النووى الإسرائيلى وجرى تدميره بالكامل، رداً على التهديدات الإسرائيلية بتدمير المنشآت النووية الإيرانية.

الأكثر أهمية هو تصريحات أكبر قائدين عسكريين إيرانيين على هذه المناورة الجنرال حسين سلامى قائد الحرس الثورى والجنرال محمد باقرى رئيس أركان القوات المسلحة. الجنرال سلامى قال “كانت هذه التدريبات رسالة واضحة جداً.. رد جاد وحقيقى.. على تهديدات الكيان الصهيونى وتحذيره من ارتكاب حماقة”. وتابع سلامى: “سنقطع أيديهم إذا ارتكبوا حماقة.. المسافة بين العمليات الحقيقية والمناورات الحربية هى فقط تغيير زوايا إطلاق الصواريخ” أما الجنرال محمد باقرى فقد أعلن أن “16 صاروخاً باليستياً من طرز مختلفة أطلقت فى نفس الوقت ودمرت أهدافاً محددة سلفاً”.

رابع هذه التطورات اقتراح وزير الخارجية العراقى فؤاد حسين خلال زيارته الأخيرة لطهران (24/12/2021) عن أهمية إجراء “مفاوضات إيرانية – أمريكية مباشرة” على هامش محادثات فيينا لانجاح الهدف من التفاوض وتجاوز سلبيات الوساطات الأوروبية بين الطرفين الإيرانى والأمريكى؛ وزير خارجية إيران لم يعلق على الاقتراح فى المؤتمر الصحفى الذى جمعه مع الوزير العراقى فى إشارة إلى احتمال أن “يكون الصمت علامة على الرضا”.

خامس هذه التطورات إعلان الرئيس الروسى فلاديمير بوتين عن تلبية الرئيس الإيرانى إبراهيم رئيسى الدعوة لزيارة موسكو فى مطلع هذا العام. الأهم أن المعلومات الإيرانية تقول أن الزيارة ستخصص للتوقيع على معاهدة “الشراكة الإستراتيجية” بين البلدين وبحث ملف محادثات فيينا والتعاون المشترك الاقتصادى والعسكرى.

سادس هذه التطورات اضطرار رئيس حكومة كيان الاحتلال الإسرائيلى نفتالي بينيت للقول إن حكومته “لا تخالف الإدارة الأمريكية فى الموقف من الاتفاق النووى.. ولا تعارض التوصل إلى اتفاق جيد مع طهران”، لكنه طالب القوى الكبرى بموقف أكثر صرامة فى محادثات فيينا”.

تراجع بينيت اضطرارى واعتراف بالعجز عن مناطحة الأمريكيين ، وتأكيد على أن الأمريكيين يريدون إنجاح محادثات فيينا.

وسط هذا كله جاء العدوان الإسرائيلى فجر الثلاثاء الماضى (28/12/2021) على مرفأ اللاذقية السورى بصواريخ بمنزلة “شهادة يأس” إسرائيلية ، يحاول بها الإسرائيليون استرداد قدر من هيبتهم المتهالكة، وتساقط حساباتهم الواحدة تلو الأخرى فى الحرب على إيران، اعتقاداً أن سوريا يمكن أن تكون “الحرب البديلة” أو “الحلقة الأضعف” بينما هى فى الواقع مجرد “حرب الفرص الضائعة”.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى