أصداءأقلام الكتاب

حـرب ماكرون التعـبيـرية .. وتداعـيات كورونا الإقـتـصادية..

الكاتـب/ عـلـي شـنـدب

 

حـرب ماكرون التعـبيـرية .. وتداعـيات كورونا الإقـتـصادية..

 

ربما لم يتقصد الرئيس الفرنسي مانويل ماكرون، أن تمتد محاور مواجهاته مع الرئيس التركي رجب طيب اردوغان المندلعة على محاور النفوذ والطاقة والثروات في ليبيا وشمال أفريقيا وشرق المتوسط، الى جبهات جديدة يتدخل ويتداخل فيها عدة دول عربية وإسلامية.

فقانون ماكرون “الإنعزال الشعوري” المطروح منذ بداية العام الجاري والهادف لمنع قيام مجتمع مواز في فرنسا، ليس سبب تنامي الغضب من قانون الرئيس الفرنسي في العالم العربي والإسلامي، لكنها تصريحات ماكرون المركزة والتي  لم تكن زلة لسان تلك التي أجّجت غضب العالم الإسلامي، الذي لم يستطع بلع الإهانة التي استشعرها جرّاء دفاع ماكرون عن الرسوم المسيئة للنبي محمد عليه الصلاة والسلام، وتعهده بحمايتها من مبدأ الحفاظ على حرية التعبير اللامحدودة في فرنسا، بالرغم من أنه سبق لمجلس حقوق الإنسان التابع للإتحاد الأوروبي وأصدر قراراً إعتبر فيه أن الإساءة للنبي محمد لا تدخل ضمن حرية التعبير، بل هي إساءة للأديان والمعتقدات.

إذن غَضْبَة المسلمين، ليست بسبب رفض مزاعم ماكرون عن محاولات الإسلام السياسي أو الراديكالي إنشاء مجتمع مواز في فرنسا، بل بسبب الإساءة المرعيّة والمحميّة للرسول من طرف الحكومة الفرنسية.

وبَدَا واضحاً أن المشكلة لا تكمن في حرية التعبير، فالوقائع بيّنت أن حرية التعبير اللامحدودة في فرنسا، هي حرية استنسابية تسمح وتمنع .. تسمح بالإساءة للمقدسات الدينية بشكل عام، وتمنع مثل هذه الإساءة عن رموز الدولة الفرنسية.

فصحيفة شارلي إيبدو إياها، سبق ونشرت مقالاً ساخراً عن شارل ديغول بعد وفاته، فأغلقت الحكومة الفرنسية الصحيفة في اليوم ذاته، والصحيفة نفسها سبق وأقالت أحد رساميها الذي رسم إبن الرئيس السابق ساركوزي. كما سبق لصحيفة شارلي إيبدو أن أقالت رساماً سخر من عقيلة الرئيس ماكرون شخصياً.

إن هذه الوقائع وغيرها تدل على استنسابية مفرطة في معزوفة حرية التعبير التي يحلو لماكرون إنشادها في سياق دفاعه عن استفزاز مشاعر المسلمين.

ويبدو أن الأمور إختلطت على الرئيس الفرنسي، والتبست عليه المفاهيم عمداً أو عفواً .. فسيد الإليزيه الوافد الى عالم السياسة من عوالم المصارف وبيوت المال والإقتصاد لم يستطع التوفيق بين الوفاء لحواضنه الأساسية، وبين ممارساته السياسية والدستورية كرئيس لكل الفرنسيين، ما تسبب بإحداثه بلبلة خطيرة وكبيرة جرّاء الخلط الذي مارسه بين الإسلام، وحركات الإسلام السياسي والجهادي، بخلاف التمييز الواضح الذي بيّنه مثلا رئيس وزراء كندا جاستن ترودو، الذي بدا موقفه متسقاً مع المقاربة السعودية خاصة.

فقد عبّر ترودو في سياق إدانته جريمة نيس الفرنسية وغيرها، عن رفضه لمقولة “الإرهاب الإسلامي”، مؤكدا “أن هذه أعمال إجرامية شنيعة وظالمة بكل الأحوال، وإهانة لقيمنا كافة، فمن ينفّذ هذه الهجمات مجرمون وإرهابيون وقتلة بدم بارد، لا يمثلون الإسلام”.

المواقف المنتقدة للخطاب الماكروني والمعزّزة بانطلاق حملة مقاطعة للمنتجات الفرنسية في عدة دول عربية وإسلامية بغض النظر عن حجم إضرارها بالاقتصاد الفرنسي، عوامل دفعت ماكرون لاستخدام سلّم الإسلام السياسي الذي صعّد عبره، للنزول عن الشجرة. فاختار مخاطبة المسلمين عبر الجزيرة القطرية لينحو باتجاه التهدئة دون أن يتلو فعل التراجع والاعتذار، وليحمّل الاعلام تحريف كلامه، وإخراجه عن سياقه وتحويله إلى أكاذيب.

كلام ماكرون عكس أزمة عميقة في الخطاب الفرنسي الذي يحتاج لمراجعة عميقة وجادة تجدّد شباب “قيم الجمهورية”، وتنزع عنها صفة “العجوز” التي أطلقها دونالد رامسفيلد على أوروبا، غامزاً من قناة فرنسا الشيراكية.

فخطاب ماكرون لم يتسم بالحكمة والحصافة، بل جعل فرنسا تذكر بجنوب أفريقيا زمن التمييز العنصري، كما يتبيّن أن الإلتباس الذي يعانيه ماكرون متأثر بازدواجية الخطاب التي يعتمدها للداخل والخارج على فيسبوك وتويتر.

وبحسب خبير في تحليل معلومات وسائل التواصل الاجتماعي، يتابع حساب ماكرون على فيسبوك نحو 3 ملايين شخص غالبيتهم من غير الفرنسيين، في حين أن عدد متابعي حسابه على تويتر يضم نحو 6 ملايين غالبيتهم من الفرنسيين، وإن المتفحّص لحسابي الرجل، يلحظ بوضوح تباين الخطاب بين الحسابين.

وإذا ما جمعنا إزدواجية الخطاب الماكروني، مع الأكاذيب والإلتباسات التي تكتنفه، يتبين أن مشكلات ماكرون المفتعلة إسلاموياً، تهدف الى تمويه أزمة حقيقية تعانيها فرنسا .. فما هي هذه الأزمة ؟.

إنها الأزمة الإقتصادية العميقة التي سبق وجحّظتها مظاهرات أصحاب السترات الصفراء.

فالإقتصاد الفرنسي مصاب بهشاشة كبيرة لأن معظم أصحاب الشركات المتوسطة والصغيرة لا يملكون الملاءة المالية الكافية، ولأن سقف الضريبة في فرنسا يصل الى 74% من دخل الشركة أو الفرد.

أما غزوة كورونا فقد فاقمت من هشاشة الاقتصاد الفرنسي، وبقيت مساعدات الحكومة الفرنسية أشبه بالدعاية الإعلامية، سيما وأنها إستقطعت 50% ضريبة على مساعدة الألف وخمسمئة يورو التي قررتها، ما يعني استحالة سداد مصاريف الشركات، كما أن وعود حكومة ماكرون بسداد إيجار محلات المؤسسات الصغرى كان سراباً كاذباً.

ثم إن تفاقم جائحة كورونا دفعت الحكومة الفرنسية الى إقرار الإغلاق العام في كل فرنسا، وهو الإغلاق الذي تركز على المحلات الصغيرة، أما المحلات والأسواق الكبيرة فقد تحولت نقمة كورونا عليها إلى نعمة، حيث إنها سجلت أكبر نسبة مبيعات في تاريخها، لأن المحلات الصغيرة مقفلة، والناس يشترون ليخزنوا في بيوتهم خوفاً من استطالة أمد الإغلاق الذي سيسهم في زيادة ثراء أصحاب المحلات الكبيرة، وزيادة فقر المحلات الصغيرة. 

وكان الحل السحري المرحلي، بافتعال ماكرون المشكلة مع الإسلام والمسلمين، بشكل لا يميز بينهم وبين المتطرفين العنيفين، بهدف إشغال الرأي العام الفرنسي بقضية أخرى ومختلفة عن قضيته الحقيقية، وهي الاختناق الاقتصادي والمالي.

فالحروب كما تقول الوقائع التاريخية القديمة والحديثة، غالبا ما تكون لأسباب اقتصادية يتم تغليفها بأسباب دينية أو سياسية، والصراع التركي الفرنسي الأوروبي المستجد لم يشذ عن هذه الوقائع، فلم يعد سراً القول بأنه صراع لأسباب اقتصادية متعلقة بالثروات الطاقوية والمنجمية من ليبيا إلى شرق المتوسط.

ويأتي الإستخدام والإستغلال السيء للدين من قبل الحركات الدينية المتطرفة وبعض الدول المتصارعة على السواء، بهدف إعطاء الحروب الاقتصادية أبعادها الدينية المقدسة، للإسهام في شدّ العصب وبث العصبيات، لحشد الوقود البشري اللازم إنقاذاً لاقتصادات متهالكة، ودفاعاً عن قيم متقادمة.

Spread the love
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق