أصداءأقلام الكتاب

حـزب الله بيـن زرع 14 فـبرايـر (شـباط ) وحصاد 7 أغـسـطـس (آب)..

الكاتب والباحث/ علي شندب – لبنان

 

حـزب الله بيـن زرع 14 فـبرايـر (شـباط ) وحصاد 7 أغـسـطـس (آب)..

حبس أنفاس يخيّم على لبنان، مع دخوله لحظات العد العكسي الثقيلة، لقرب لفظ المحكمة الدولية في لاهاي حكمها باغتيال الحريري. ويرجح بالحد الأدنى أن ينص الحكم على إدانة عناصر حزب الله الأربعة المتهمين كلهم او بعضهم، بتنفيذ الجريمة.

وفيما اختفى النقاش حول طبيعة حكم المحكمة، الذي سيرجح أقله التطابق مع القرار الاتهامي. انطلق النقاش حول تداعيات الحكم على لبنان الرسمي كما على حزب الله، وبالضرورة ايران. ليطرح الأسئلة العميقة حول كيفية تصرف الحكومة اللبنانية التي هي للمناسبة حكومة حزب الله حيال الحكم الزلزالي الذي سيضع لبنان الرسمي بين خيارين مرّين: إما مواجهة المجتمع الدولي في حال رفض الحكم، وإما مواجهة حزب الله وبالتالي تهديد الاستقرار والسلم اللبناني في حال تأييد الحكم.

خطورة الحكم أنه يلغي المنطقة والألوان الرمادية كساحة للمناورات والتسويات اللبنانية المعتادة، كما ويلغي مبدأ الشطارة بوصفه ميزة لبنانية أصيلة ومتوارثة عبر الأجيال. وهو المبدأ المتناسل مع مبادىء أخرى من “اللبنانية” بوصفها مهنة لا جنسية.

أهمية الحكم تكمن في توقيته السياسي السوبر قاتل للحزب كما لايران. إنه التوقيت الذي يخضعان فيه مع الضلع الثالث سوريا لعقوبات اقتصادية مالية، معطوفة على قصف جوي مركز لطيران مجهول معلوم في سوريا والعراق. ومتوجة بانفجارات غامضة في ايران من بينها مفاعل نطنز. سبقها تصنيف الحزب والحرس الثوري وميليشيات متأيرنة أخرى، كمنظمات ارهابية من قبل الولايات المتحدة الأميركية.

فيما أعلنت عدة دول أوروبية حظر حزب الله مع تصنيف بعضها مثل بريطانيا الحزب كمنظمة إرهابية. لكن الحكم المنتظر سيدفع بقية الدول الأوروبية وغير الأوروبية الى التماهي مع منطوق الحكم الدولي الالزامي التنفيذ، والذي سيكون له انعكاساته العميقة على قوات اليونيفل في جنوب لبنان، وأيضا على الكثير من العلاقات الإقليمية والدولية.

“المحكمة إسرائيلية، وكل ما يصدر عنها اسرئيلي”، موقف أطلقه حسن نصرالله منذ سنوات المحكمة الأولى. لكن نائب الأمين العام للحزب نعيم قاسم استبق حكم المحكمة بموقف لم يتطرق فيه لاسرائيلية المحكمة وقرارتها قائلا “ان المحكمة وقراراتها لا تعنينا بشيء لأنها مسيّسة من ألفها الى يائها، وأي قرار منها لن يكون له أي انعكاس على الوضع في لبنان في ظل التفاهمات بين القوى السياسية ومنها بين حزب الله وتيار المستقبل”.

إذن موقف حزب الله يتدرج بين “إسرائيلية المحكمة”، وبين “تفاهمات سياسية” بين الحزب والمستقبل. ربما فات نعيم قاسم أن حكم المحكمة الدولية، ينهي ضمنا عبقرية الشطارة اللبنانية. فهو الحكم الذي يجعل موازين وقيمة كل القوى السياسية اللبنانية، مجرد أصفار صغيرة في مواجهة حكم المحكمة الدولية.

وكما اختلف يوم اغتيال الحريري في 14 شباط 2005 عمّا قبله، سيختلف يوم لفظ الحكم في السابع من آب 2020 عمّا قبله، وسيكون يوما سوبر مفصليا في حياة لبنان والمنطقة، وأيضا في نسق العلاقات الإقليمية والدولية.

وكما كان يوم اغتيال الحريري بمثابة زلزال غيّر وجه لبنان والمنطقة، سيكون يوم الحكم باغتيال الحريري بمثابة زلزال جديد يرجح أن يغيّر وجه لبنان والمنطقة من جديد.

أهمية يومي الاغتيال والحكم فيه، تنبثق من كون الجريمة خرجت من اطارها اللبناني المحلي القائم على تسويات معروفة، الى إطارها الدولي المرتكز على قرارات لمجلس الأمن الدولي وفق الفصل السابع الملزمة للبنان ولأطراف القضية كافة.

خمسة عشر عاما غير ضوئية، المدة الزمنية الفاصلة بين الاغتيال وإعلان الحكم بالحقيقة الدولية، وهي الحقيقة التي اجتهد الحزب بساسته واعلامه ومحوره الممانع بشتى السبل والوسائل على انكارها ومحاولة تضليلها والباسها لبوس نظرية المؤامرة التي تستهدف “المقاومة” خدمة للكيان الصهيوني غير المبرّأ من حياكة الدسائس والمؤامرات للقضاء على كل ما يهدد أمنه ووجوده. لكن الحقيقة في اغتيال الحريري تتهم حزب الله، وتنفي البصمات الاسرائيلية.

فتهمة “العمالة لإسرائيل” أحد أبرز الأسلحة التي استفاض حزب الله في استخدامها لإلغاء خصومه واغتيالهم سياسيا بشهادة بعض القضاء العسكري والعدلي في لبنان. وهي التهمة، التي يطلقها الحزب على من يشاء، وينزعها عمن يشاء. والأمثلة على ذلك كثيرة ولا يتسع المكان لسرد تفاصيلها المعروفة.

مشكلة حزب الله أنه وجد نفسه في سياق مواجهة أخلاقية مع نفسه كما مع جمهوره، وهي المواجهة التي جوّفت الحزب من كل قيم المقاومة كفكرة ووسيلة أخلاقية بالدرجة الأولى قبل أن تكون ترسانة صواريخ صوتية لم تستخدم الا لإرهاب اللبنانيين وارعابهم وغيرهم في الدول المجاورة.

من أهم تداعيات اغتيال رفيق الحريري على حزب الله، أنه أفقده قيمة الاحترام من قبل شرائح لبنانية وعربية وازنة، خصوصا أنه الاحترام المرصود حصرا لعمليات المقاومين وعبواتهم ضد جيش الاحتلال الإسرائيلي. لكن نصرالله وحزبه أطاحا بهذا الاحترام عندما جيّروه لمصلحة وليهم خامنئي ايران، دون موافقة او استشارة غالبية الشرائح الشعبية اللبنانية والعربية هذه.

من أخطر تداعيات حكم المحكمة الدولية على لبنان، تجحيظ استهانة حزب الله بمنظومة القيم الأخلاقية قبل السياسية، وتدميرها لصالح منظومة الفساد المكونة من ميليشيا المال والسلطة والسلاح التي يرعاها الحزب لأجل مصلحة ايران العليا. إنه التدمير الذي يتحمل حزب الله مسؤولية زرعه ظهيرة 14 شباط 2005، وعليه أن يتحمل مسؤولية حصاد ما زرعه بعد 7 آب 2020.

والحمد لله من قبل ومن بعد.

Spread the love
اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق