أصداءأقلام الكتاب

حفـتـر يتـودّد لأنـصـار القـذافـي خارج خيمـته..

       عـلـي شـنـدب / كاتـب لبـنانـي

حفـتـر يتـودّد لأنـصـار القـذافـي خارج خيمـته..

خلال رمضان العام الماضي، تلقيت دعوة من الخارجية الليبية للمشاركة في ندوة بعنوان “الحرب على الإرهاب أي دور للاعلام”. وقد سافرت الى بنغازي متجاوزا عدة محاذير سياسية منها أن البرلمان والحكومة المؤقتة والجيش الليبي لم يقطعوا “حبل السرة” المعنوي مع نكبة 17 فبراير ومخرجاتها، والمتمثل بالنشيد الوطني وعلم الاستقلال الذي رفعه المرشد الأعلى لثوار الناتو برنار هنري ليفي، أمام محكمة بنغازي ولوّح به ثم رماه في أفواه جائعة لصرخة ثورة، استثارتها قطر وتركيا وفرنسا الساركوزية وأميركا الاوبامية وحلف الناتو. أفواه استثيرت لما بعد الجنون دون أن تثور.

إنهما “النشيد والعلم” اللذين كانا ولم يزالا يشكلان حاجزا دون وحدة ليبيا وشعبها، بوصفهما من الآثار البارزة لعدوان الناتو، الذي سلّم ليبيا للميليشيات البرنايرية، الاخوانية، القاعدية والإرهابية، فيما تحاول تركيا الاردوغانية اليوم، الانفراد في إجراء “حصر ارث” لثروات ليبيا المنجمية قبل النفطية.

ما دفعني الى تجاوز تلك المحاذير، هو تحرير الجيش الليبي (مدعوما من ضباط وجنود جيش النظام السابق الذي استهدف الناتو معسكراته وثكناته ومستودعاته بالتدمير) لكل من بنغازي ودرنة وكامل شرقي ليبيا، وأيضا جنوبها ووسطها وخصوصا سرت مسقط رأس الزعيم الليبي معمّر القذّافي ومسرح مقتله في آن، ومن ثم توجهه الى طرابلس وإحاطته بها إحاطة السوار بالمعصم، وسط احتضان شرائح واسعة من مؤيدي النظام السابق في قبائل ومدن غربي ليبيا ووسطها وجنوبها، في مشهد عكس التفافا وطنيا حول الجيش، حتى باتت طرابلس في فمه بشهادة اللواء محمد بن نايل، الذي نال منه اعتلال صحته، وليس دوّي القذائف.

وكانت الثغرة سقوط مدينة غريان (التي كان يرأس غرفة عملياتها العميد عبد السلام الحاسي، المشهور بتزويد الناتو عام 2011 بإحداثيات مواقع الجيش الليبي السابق)، بيد ميليشيات حكومة الوفاق وبإشراف جنرالات تركيا لا مرتزقتها.

إنها الثغرة الناتوية الخطيرة التي تناسل منها سقوط قاعدة “عقبة بن نافع” التي سمّاها مجاهدو الأطلسي قاعدة الوطية، التي وبسقوطها فرض على الجيش الليبي الانسحاب من محاور طرابلس ومطارها، وأيضا من مدينة ترهونة (التي دخلتها جحافل تركيا ومرتزقتها دون قتال)، باتجاه مدينة بني وليد عاصمة قبائل ورفلة، ومنها الى قاعدتي سرت والجفرة، حتى بات غربي ليبيا تحت سيطرة كاملة للقوات التركية ومرتزقتها من السوريين والتونسيين وأقرانهم من الميليشيات الليبية.

وهي الثغرة التي بدل أن يعمد الجنرال خليفة حفتر الى سدّها ومعالجة تداعياتها الخطيرة، عمد الى طلب تفويض الشعب الليبي في ادارة البلاد، دونما أي تبصّر ودراسة لأبعاد الخطوة التي أقدم عليها دون التنسيق مع البرلمان بوصفه مصدر شرعيته وشرعية الجيش الليبي، والأكثر غرابة دون التنسيق والتفاهم مع مصر بوصفها الشقيق العربي الأكبر والداعم ما قبل الأول. ولا مع روسيا التي لطالما يمّم حفتر وجهه نحوها.

لكن روسيا، التي تراقب القيادة الأميركية الافريقية “أفريكوم” مسارات مقاتلاتها ومدرعاتها ومسيراتها التابعين لشركة “فاغنز” الداعمة لحفتر، عبّرت بلسان سيرغي لافروف عن “رفضها انسحاب حفتر من مؤتمر الصخيرات”، وكذلك عن عدم موافقتها على التفويض الذي أعلنه حفتر “ليقرر وحده كيف يعيش الشعب الليبي”. ما يعني أن روسيا الحليف الدولي الأول لحفتر أطاح بالتفويض الذي ذهب أدراج الرياح، قبل أن تطيح به التطورات الميدانية الدراماتيكية.

وبالعودة الى ندوة بنغازي، فقد تركزت مداخلتنا على “أن مصر وليبيا يؤثران ويتأثران ببعضهما البعض. وأن ليبيا على خطى مصر بحسب منطوق التاريخ ومعادلات الجغرافيا. فعندما كانت مصر ملكية، كانت ليبيا ملكية. وعندما اندلعت ثورة 23 يوليو بقيادة عبد الناصر، اندلعت ثورة الفاتح بقيادة معمر القذافي. وعندما قامت ثورات الربيع المسمومة ووصل الاخوان الى حكم مصر، وصل الاخوان الى حكم ليبيا، فمزقوها دون أن يحكموها. وعندما نهض الجيش المصري بقيادة عبد الفتاح السيسي، نهض الجيش الليبي بقيادة خليفة حفتر. وباتت القوات المسلحة العربية الليبية، بمثابة خشبة الخلاص لوحدة ليبيا وانقاذها من الإرهاب والفساد والتطرف، وأيضا لتحرير طرابلس لتنطلق معها المصالحة وبناء ليبيا الجديدة بدون أناشيد ورايات وأعلام مسبقة”.

إنها ذات العناوين التي طرحها القيادي الوطني البارز، رئيس الوزراء، والسفير في الأمم المتحدة واخر رئيس جهاز للأمن الخارجي الليبي أبو زيد دوردة في ظهوره الإعلامي الوحيد بعيد خروجه من سجن الميليشيات، حيث طالب البرلمان الليبي بإلغاء العلم الحالي المعروف باسم علم الاستقلال، واقترح علما مؤقتا هو راية بيضاء تتوسطها صورة شيخ الشهداء عمر المختار، وعبّر عن دعمه الكامل للجيش العربي الليبي ولأخيه خليفة حفتر.

وهي ذات العناوين التي طرحها ويطرحها كل أنصار “النظام السابق” الذي يتمتع بالثقل الشعبي الأكبر على امتداد ليبيا، رغم كل ما حل بمؤيديه من تأسير وتقتيل وتهجير وتشريد، فهم ملح ليبيا القابضون على الجمر بالرغم من أن كل المبادرات العربية قبل الدولية، قد استثنتهم من الحوار والمشاركة في بناء مستقبل ليبيا وسبل استنقاذها.

وهي أخيرا، العناوين التي أهملها المشير خليفة حفتر، وهو الإهمال الذي تخلّله اخفاقات ميدانية خطيرة، وهما الإهمال والاخفاقات اللذين سمحا لرئيس البرلمان عقيلة صالح بتصدّر واجهة الحراك السياسي والمفاوضات مع القوى الإقليمية والدولية المؤثرة في المشهد الليبي.

لكن الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي تنبّه للأمر، فوجه الرسائل غير المشفرة من قاعدة سيدي البراني، حيث قال لشيوخ القبائل الليبية بأنكم ستكونون في مقدمة القوات المصرية وفوقها حال دخولها التراب الليبي.

وخلال لقائه المسهب بوفد “المجلس الأعلى للقبائل والمدن الليبية” في القاهرة، أتقن السيسي تفعيل كل شرائح الشعب الليبي المناهضة للاحتلال التركي، عبر دعوته القبائل الليبية لأن تلعب دورها التاريخي.

إنها القبائل التي أثبتت الوقائع أن معمر القذافي وحده من يعرف شيفرتها وتوليفتها وتركيبتها الكيميائية وترابطها الاجتماعي ليس على مستوى القبيلة وانما على مستوى “لحمة” القبيلة. سيّما وأن فرسان هذه القبائل وعبر التاريخ كانوا سيف ليبيا ورمحها.

لكن المبادرات السياسية حول ليبيا البرنايرية تجاهلت القبائل وأنصار النظام السابق، لصالح شخصيات وأحزاب نبتت من ثنايا النكبة المتناسلة والمتواصلة بفعل نهر الدم، نبتت دون أن تنمو، ودون أن تتمكن من بلورة تجربة يعتد بها.

إذن، تنبّه السيسي والقيادة المصرية لأهمية القبائل الحاسمة، مردّه الى أن شرائح أساسية وازنة من النظام السابق بفعل التجاهل أعلاه، كما وبفعل الإساءات المتكررة من قبل بعض رموز برلمان طبرق وحكومته المؤقتة ومن قبل المشير خليفة حفتر شخصيا للزعيم الراحل معمر القذافي، قد باتت محيّدة عن معركة انقاذ ليبيا وتحريرها من الخطر التركي الاحتلالي الذي عكسه وزير الدفاع التركي خلوصي اكار من طرابلس بقوله “أجدادنا أقاموا هنا 500 عام، لكننا اليوم سنبقى الى الأبد”، وهو التحييد الذي تستفيد منه الميليشيات غير الوفاقية لأبعد الحدود.

وقد كان لليقظة المصرية حيال القبائل الليبية وأنصار النظام السابق، وأيضا لرفض روسيا محاولة حفتر التفرد بتقرير كيف يعيش الشعب الليبي، الدور الحاسم في إحداث التحوّل في موقف قائد الجيش الليبي خليفة حفتر. إنه التحول الذي بسببه أوفد حفتر الى القاهرة وفي تنازل شبه إكراهي، وفدا يمثله ليخطب ودّ أنصار معمر القذافي ويتحاور معهم ويقف على مطالبهم كي يتأمن انخراطهم بكفاءة عالية في المعركة الواجبة.

إنها المعركة الواجبة، التي لم ترتقي لقاءات وفد حفتر الذي ضمّ اللواء عون الفرجاني والنائب العام السابق عبد الرحمن العبّار (وهما للمناسبة من أنصار القذافي لأربعة عقود والمنقلبين عليه لحظة هبّت رياح الناتو)، لمستوى تأمين موجبات أركان نجاحها.

فقد شملت لقاءات وفد حفتر بعض الشخصيات وقادة الحركات السياسية الداعمة أصلا للجيش الليبي في معركته ضد الاحتلال التركي وميليشيات فبراير، لكنهم الداعمين غير الشركاء في المعركة، ما يعني أن هذه اللقاءات لم تحقق كامل أهدافها، ويعني أيضا أن المشير حفتر يناور في الأمور الوطنية والاستراتيجية الكبرى، وهي المناورة المكشوفة من قبل انصار النظام السابق، والتي لن تسمح بها مصر واستطرادا روسيا بكل حال.

فمفتاح تحقيق النتائج المرجوة بالدرجة الأولى، هو أولا في ردّ الاعتبار المعنوي تجاه الاساءات البليغة التي استهدفت العقيد الشهيد، وهي إساءات لا تمحى بزيارات الوفود غير المعلنة، إنما بموقف واضح وصريح، يصدر عن رئيس البرلمان وحكومته وأيضا عن المشير حفتر.

إنّه المفتاح الذي تسلم شيفرته أحد أبرز المهتمين بالملف الليبي في الخارجية المصرية خلال لقائه شخصيتين بارزتين من النظام السابق بعيد سقوط غريان، حيث ابلغ المسؤول المصري بأنه سيكون لسقوط غريان تداعيات خطيرة، ما لم تقدم مصر على خطوات حاسمة لاجراء بعض التغييرات في المشهد السياسي الليبي، وتتمثل بعض هذه الخطوات بـ “الانفتاح العلني على أنصار النظام السابق بدءا من أمّ الشهداء، وحرم العقيد الشهيد، التي هي اليوم كعشرات الآف الليبين، ضيوف على مصر والشعب المصري. إنّه الانفتاح الضروري لإحداث وقائع ميدانية تستعيد غريان وما حولها وتؤسّس جدّيا لحسم معركة طرابلس وما حولها أيضا”.

هي شيفرة المفتاح التي قرأتها القاهرة باهتمام، دونما تفعيل خطواتها وقتذاك. لكن الوقائع والتطورات الاستراتيجية والتهديدات للأمن القومي المصري والعربي، بدأت بفرضها.

إنّه المفتاح الموجودة مغاليقه في بيت الحاجة صفية حرم العقيد معمر القذافي بمدينة 6 اكتوبر في القاهرة. هو البيت الذي يكتنز الكثير من الاعتبارات المعنوية والمادية، التي يزداد حجم المتمسكين بها كل يوم، ويدفعهم لهذا التمسك المقارنة غير الظالمة بين “جماهيرية العقيد” ذات الهيبة والمكانة والستر الجميل، وبين ليبيا الميليشياوية البرنايرية المقطوعة الرأس والمقطعة الأوصال والمسروقة الأمصال.

إنّه بيت معمر القذافي إذن، ذلك الذي يتوجب على رئيس مجلس النواب عقيلة صالح ورئيس الحكومة المؤقتة عبد الله الثني، وقبلهما القائد العام للجيش الليبي خليفة حفتر بشخوصهم وليس بممثلين عنهم، المسارعة وبرعاية القيادة المصرية الى طرق بابه الذي هو مبدئيا، أقرب إليهم من أبواب عواصم دول كبرى وصغرى، وبعدها لكل حادث حديث.

Spread the love
اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق