أصداء وآراءبأقلام الكُتّاب

حماية العامل هدف اجتماعي وغاية تشريعية .. الجزء (3)..

الدكتور/ سعيد بن عبدالله المعشري

محام ومستشار قانوني

 

حماية العامل هدف اجتماعي وغاية تشريعية .. الجزء (3)..

تعتبر منظومة التأمينات الاجتماعية إحدى أطر الحماية الاجتماعية الأولى للعامل في المجتمعات الحديثة، لما توفره له من ضمانات للعيش الكريم ولأسرته في حالة العجز أو الوفاة، وهي مبنية في الأساس على مبدأ التكافل الاجتماعي بين أفراد المجتمع، بحيث يشارك بها كل فرد بمقدار نسبة معينة من الأجر مقابل حصوله على مزايا ومنافع في حالة العجز أو الوفاة أو بلوغه سن الشيخوخة أو البطالة، ولذلك تعتبر هذه المنظومة إحدى الدعامات الاقتصادية للدول في العالم الحديث، لما تشكله من حافز لأفراد المجتمع على العمل والبناء.

وقد كانت البوادر الأولى لظهور هذا النظام على مستوى العالم في النصف الأول من القرن التاسع عشر وكذلك على أثر الأزمة الاقتصادية العالمية في عام 1929م، وانتشر بعدها مع انتهاء الحرب العالمية الثانية في مختلف دول العالم، بعدما استدعى الوضع القائم حينها إلى الحاجة إلى نظام حماية اجتماعي لمواجهة ما من شأنه المساس بالعامل الفرد في حياته الاجتماعية أو ماله لضمان استمرار نشاطه في العمل مقابل الحفاظ على حقوقه، فما كان الا من خلال البحث عن وسائل تكفل له مواجهة المخاطر التي يتعرض لها، والتي قد تنشأ عن الظواهر الطبيعية أو عن المخاطر التي تنشأ عن الحياة في المجتمع الناتجة عن المخاطر السياسية والاقتصادية أو تلك الناشئة عن نظام الأسرة بزيادة أعباء الأسرة المؤدية إلى انخفاض مستوى المعيشة بسبب المرض والعجز الذي يصيب رب الأسرة ويحرمهم من مصدر عيشهم، وبما فيها المخاطر الناتجة عن الشيخوخة والمرض والوفاة، والمخاطر المهنية كخطر البطالة وعدم كفاية الأجر وإصابات العمل أو الإصابة بمرض مهني.

ولهذا أقرت منظمة العمل الدولية شروطاً لمعايير التأمين أو الضمان الاجتماعي بحدها الأدنى لتكون مرجعاً عالميا لتصميم أنظمة الحماية الاجتماعية مستديمة وضامنة للحقوق، ويضم الإطار المعياري للمنظمة بشأن ذلك (8) اتفاقيات و(9) توصيات محدثة، وأهمها الاتفاقية رقم (102) بشأن المعايير الدنيا للضمان الاجتماعي والتوصية رقم (202) لسنة 2012م، ولتكون مرجعاً لجميع أنظمة التأمين أو الضمان الاجتماعي في الدول.

ولذلك يتميز نظام التأمينات الاجتماعية عن غيره من الأنظمة الاجتماعية الأخرى بعدد من الخصائص، مما يعطيه الأهمية في المجتمعات الحديثة، حيث أن الخصيصة الأولى التي يتميز بها هي إلزامية الاشتراك به بقوة القانون دون مراعاة استيفاء شروط الاشتراك به أو الأقساط التي يلتزم بها المشترك بالنظام والتي لا تحول دون تمتعه بالحقوق المقررة له وفق القانون، والخصيصة الأخرى للنظام على أنه يهدف إلى حماية الطبقات الضعيفة في المجتمع من خلال تحقيق عدالة التوزيع والعدالة الاجتماعية، وكذلك يتميز بالصفة الآمرة لما يسعى إليه بتحقيق أهداف نبيلة للفرد والمجتمع التي تعد من سياسات الدولة الاجتماعية والاقتصادية، وكذلك تعتبر أحكامه من النظام العام التي لا يجوز الاتفاق على مخالفتها، ولهذا يبطل أي شرط يخالف تشريعات التأمينات الاجتماعية ويستثني منها الشروط التي تحقق مصلحة العامل، وأيضا يتصف هذا النظام بالصفة الحمائية لما يغطيه من مخاطر واسعة تقع على طائفة الطبقات العمالية الضعيفة لتشمل المرض وإصابات العمل، ويتميز بالصفة الاجتماعية لتحقيق مبدأ التضامن في المجتمع بين العامل وصاحب العمل، وكذلك يساهم في التنمية من حيث توفير الأمن والرعاية الاجتماعية للطبقات الكادحة، وكذلك يتصف بالصفة العالمية حيث أن نشأة فكرة التأمينات الاجتماعية على المستويات الوطنية كان انطلاقا من الاهتمام العالمي بقضية العمال من خلال المواثيق والاتفاقيات الدولية.

وبما أن ظهور هذا النظام أتى أساساً من منطلق الرغبة في توفير الحماية للعامل من الإصابة اثناء وبسبب العمل في ظل التطورات الصناعية التي يشهدها العالم حينذاك التي كان لها التأثير في زيادة المخاطر التي يتعرض لها العامل بفعل الآلات والمواد الخطرة التي يتعامل بها، وأن قل تدخل الإنسان في ظل وجود الآلة، إلا أن المخاطر قد زادت على العامل بحيث أصبح يتعرض لمخاطر لا يمكن نسبتها إلى خطأ شخص معين سواء أكان العامل أو رب العمل أو حتى أي من تابعيه، كما أن العامل قد يتعرض لهذه الإصابة في مكان العمل وزمانه بسبب العمل لذا كان لا بد من تحقيق الحماية للعامل من خطر هذه الإصابة من خلال أطر معينة يبنى عليها افتراضية تحمل صاحب العمل تبيعة المخاطر المهنية.

ولذلك أدرج مفهوم خاص للإصابة أثناء وبسبب العمل والامراض المهنية محددا خلاله النطاق الزمني والمكاني للعمل الذي تبنى عليه افتراضية تبعية مخاطر العمل التي يتحمل مسؤوليتها صاحب العمل، مراعياً بها ضمان حق العامل في التعويض وكذلك تحديد أطر التزام صاحب العمل بها، ويأتي هذا ضمن موجبات ما اقرته اتفاقية منظمة العمل الدولية بشأن تعويض العمال عن (الأمراض المهنية) المبرمة في عام 1934م والنافذة في عام 1936م، واتفاقية المنظمة المذكورة بشأن استحقاق إصابة العمل المبرمة في عام 1964م.

وبهذا فإن للحديث بقية في الجزء التالي من هذا المقال.

المـراجـع :

– د. حسام الدين الأهواني، قانون التأمين الاجتماعي، دار النهضة العربية، 1993م.

– د. سعيد بن عبدالله المعشري، تعويض العامل المصاب في القانون العماني، دار الجامعة الجديدة، الطبعة الأولى.

– د. أحمد حسن البرعي، المبادئ العامة للتأمينات الاجتماعية وتطبيقاتها في القانون المقارن، الجزء الأول، الطبعة الأول، 1983م، دار الفكر العربي، القاهرة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى