أصداء وآراءبأقلام الكُتّاب

حين يتنفس الدُّبُّ الأبيض !!..

 

حين يتنفس الدُّبُّ الأبيض !!..

 

(وتحسبهم أيقاظاً وهم رقود) الآية ١٨ من سورة الكهف.

يحكى أن أحدهم قرر أن يصير راهباً بوذياً فذهب لجبال الهملايا، وقصد الأستاذ الذي رحب به. كان رأس الطالب الجديد مليئاً بالأسئلة، إلا أن الأستاذ بادره قائلاً بأن الدرس الأول سيكون في اليوم التالي فجراً. وتركه متشوقاً. في الفجر قال له بأن عليه الذهاب الى كهف يوجد في أعلى الجبل القريب، وأن يجلس هناك من شروق الشمس حتى المغيب، وبأن لا يفكر بأي فكرة.

فعل الطالب ذلك الأمر لكنه تفاجئ بأن رأسه ضج بكل الأفكار، لم يكن ليستطيع أن يوقف سيل الأفكار والذكريات والمشاريع والهواجس، ولم تتوقف كل تلك الاجترارات الذهنية من قصف رأسه ولا لحظة واحدة، حتى أنه وقف وصار يقفز غضباً. كان ذلك عذاباً حقيقياً. 

رجع لأستاذه منهكاً حزيناً لأنه لم يستطع أن يوقف تفكيره. ضحك أستاذه وقال له بأنهما سيلتقيان في اليوم التالي فجراً.

وفي اليوم التالي طلب منه أن يذهب لنفس المغارة، ويجلس حتى الغروب، ولكن هذه المرة عليه أن يفكر بكل الأفكار التي يريد وأن لا يسمح لفكره بأن يتوقف لحظة. ذهب الطالب فرحاً بواجبه هذه المرة، لكنه ما أن وصل للمغارة وجلس، فكر مرة، ثم مرتان، فكرة فأخرى ثم حصل نوع من السكون في أفكاره. رجع وجلب فكرة من ذاكرته وقلبها في خياله، ثم توقف ذهنه عن الفعالية. وكثرت الوقفات في فكره، وارتخى حبل افكاره وفشل في أن يشغل فكره كما طلب منه.

رجع لأستاذه حزيناً فاشلاً. ضحك أستاذه وقال له بأن ذلك كان الدرس الأول في التأمل، وهو انك لا تستطيع أن تجبر عقلك على شيء، ولو حاولت ذلك فسوف يخيب ظنك.

هذه قصة من مملكة قديمة في جبال الهيمالايا. وقد استثمرت على الأقل مرتان في علم النفس المعاصر.

المرة الأولى هي من قبل العالِم (دانيال ويغنر Daniel Wegner)*1 ، الذي نشر خلاصة تجاربه في كتاب عام ١٩٨٩، عنوانه (الدببة البيضاء وأفكار أخرى غير مرغوب بها: عن منع الأفكار والوساوس وعلم نفس السيطرة العقلية)، ويمكن تلخيص ما قام به هذا العالم الذي اشتهر بأنه كان صاحب دعابة بين زملائه، أنه قام بتجربة يطلب فيها من الناس أن يفكروا بأي شيء يعجبهم، لكن يجب أن يتجنبوا التفكير بدب أبيض، كل شيء سوى دب أبيض. ويتركهم قليلاً. فكان الناس عادة يجدون صعوبة شديدة في أن يبعدوا فكرة دب أبيض من مخيلتهم.

والمرة الثانية هي بحث أكثر معاصرة لعالِمَيْن هما (وينزلاف Wenzlaff و باتس Bates)*2 ، اللذان وجدا في بحث نشراه في عام ١٩٩٨ في مجلة علمية متخصصة في علم النفس، أن مرضى الاكتئاب الذين يحاولون حثيثاً منع الأفكار السلبية من مراودة ذهنهم هم الأكثر عرضة للإصابة بانتكاسات لمرض الاكتئاب.

وتنصحنا الدراسات الحديثة بأن أحد الحلول لتهدئة هذه الاجترارات الذهنية غير المسيطر عليها والمزعجة، هي ليس بأن نحاول منعها، لان ذلك سيزيدها مثلما رأينا، بل الحل هو أن نركز على شيء آخر، لكن ذلك الشيء الآخر يجب أن يكون محدداً وواضحاً. وينصح المختصون النفسيون الذين يتكلمون مؤخراً عن العلاج بما يسمى بالـ (اليقظة الذهنية)، بأن نركز على أبسط شيء وهو تنفسنا، أن نصير واعين لعملية تنفسنا لمدة عشر دقائق. ننتبه لعملية التنفس بلا أن نحاول أن نغيرها، فقط نقول لأنفسنا، ها أنا آخذ نفساً، ها أنا أخرجه. ننتبه للعملية، ونحاول أن نرجع انتباهنا لعملية التنفس كلما يتشتت.

نقرأ في الذكر الحكيم : (وتحسبهم أيقاظاً وهم رقود).

وهنا أتساءل كم هو الوقت الذي نقضيه من يومنا ونحن منتبهون لما نفعل؛ متأملون لما يحصل حولنا؛ قاصدون ما نقول حقاً؛ أحياء بمعنى الكلمة ؟؟!!.

المصادر :

*1. Wegner, D. M. (1989). White bears and other unwanted thoughts: Suppression, obsession, and the psychology of mental control. New York: Viking/Penguin. German translation by Ernst Kabel Verlag, 1992. 1994 Edition, New York: Guilford Press.

*2. Wenzlaff RM, Bates DE. Unmasking a cognitive vulnerability to depression: how lapses in mental control reveal depressive thinking. J Pers Soc Psychol. 1998 Dec;75(6):1559-71. doi: 10.1037//0022-3514.75.6.1559. PMID: 9914666.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى