أصداء وآراء

 خريطة فلسطين بعد 73 على قرار التقسيم : مراجعة في الوثائق والحقائق والمسؤوليات التاريخية..

الكاتـب/ نَـوّاف الـزَّرو

باحث خبيـر في الصراع العربي الإسرائيلي

 

خريطة فلسطين بعد 73 على قرار التقسيم: مراجعة في الوثائق والحقائق والمسؤوليات التاريخية..

 

الحقيقة الكبيرة الساطعة التي نوثقها، ونحن اليوم امام الذكرى الثالثة والسبعين لقرار تقسيم فلسطين في التاسع والعشرين من تشرين ثاني/1947، (والذي يُعرف أيضا بالقرار رقم 181، وقضى بإقامة دولتين في فلسطين واحدة عربية وأخرى يهودية وحظي بتأييد 33 دولة ومعارضة 13 وامتناع 10 دول عن التصويت)؛ أن ذلك القرار الصادر عن الامم المتحدة، والذي استند بالأصل إلى “إعلان- وعد بلفور؛ أعطى ما لا يملك لمن لا يستحق”، وإنه كان قرارًا ظالمًا مجحفًا وقف وراءه الانتداب الاستعماري البريطاني بكل ثقله، وأسفر عن قضية (نكبة القرن)؛ المتواصلة والمفتوحة والمركبة أضعافًا مع الزمن؛ ناهيك أن الأمم المتحدة وقفت حتى سرًا إلى جانب تلك الدولة الصهيونية المصطنعة بالقوة، بل إن المؤرخ الإسرائيلي الدكتور إلعاد بن درور كشف النقاب (في الذكرى السنوية الستين لصدور “قرار التقسيم” في 29 تشرين الثاني العام 1948)، عن: “أن الأمم المتحدة أعدت مخططا لتشكيل ميليشيا يهودية مسلحة ومزودة بطائرات حربية، بهدف تنفيذ قرار تقسيم فلسطين وإقامة دولة يهودية فقط / المشهد الإسرائيلي 11/29/2007”. وكشف المؤرخ الإسرائيلي عن ذلك، بعد اطّلاعه على وثائق سرية في الأمم المتحدة، على مدى العام/2007، وكانت مصنفة على أنها سرية، لكن الأمم المتحدة، أزالت مؤخرا صفة السرية عنها وفتحتها أمام الجمهور.

وأكد بن درور على أن : “الأمم المتحدة أهملت نصف قرار التقسيم، أي أنها أهملت فكرة إقامة الدولة العربية، وقد كانت الفكرة تنفيذ إقامة الدولة اليهودية فقط، وأن تعمل الأمم المتحدة في وقت لاحق على إقامة الدولة العربية”. وقال بن درور: “إنه بموجب مخطط اللجنة التنفيذية، فإن المهمة الأساس للمليشيا اليهودية، كان فرض سيطرة الدولة اليهودية على العرب الذين بقوا فيها، والذين كان عددهم في الدولة اليهودية، وفقا لخارطة التقسيم، مطابقا تقريبا لعدد اليهود”.

تصوروا .. هذه الحقيقة الكبيرة الضائعة !!..

يضاف الى ذلك ما كان أكده بحثان تاريخيان إسرائيليان صدرا بمناسبة الذكرى الستين -في حينه- لقرار التقسيم؛ من: “أنه لولا النشاط البريطاني في فلسطين والمنطقة وضغوط يهود الولايات المتحدة لما قامت إسرائيل، ولتغيّر وجه التاريخ في المنطقة”؛ اذ أكد المؤرخ موطي جولاني من جامعة حيفا: “أن البريطانيين حين امتنعوا عن التصويت على قرار التقسيم في 29/11/ 1947 بدعوى أن المشروع غير مقبول من الطرفين، تبنوا خطة تقسيم بديلة”. وفي بحث آخر قال المؤرخ زوهر سيغف من جامعة حيفا: “إنه لولا تدخل اليهود في الولايات المتحدة قبيل التصويت على قرار التقسيم لكان من المرجح أن إسرائيل ما كانت ستقوم”.

وعن استراتيجية القرار الأممي قال شلومو نكديمون في يديعوت احرونوت : “إن رئيس الوزراء الأول دافيد بن غوريون ووزير الخارجية الأول موشيه شاريت، اختلفا في آرائهما؛ إذ اعتقد شاريت أنه : “لولا قرار الأمم المتحدة في العام 1947 لما قامت الدولة في العام 1948″، أما بن غوريون فأجابه : “فقط جسارة اليهود أقامت الدولة، وليس قرار “اوم – شموم” (الأمم المتحدة – القفر)؛ غير أن وقاحة بن غوريون هنا لا تخفي الحقائق حول قيام تلك الدولة، فإلى جانب الدور البريطاني والأمريكي واللوبيات الصهيونية الفاعلة، هناك  الفساد والنفاق الدولي أيضا، ففي مقابلة مع المؤرخ الإسرائيلي بيني موريس، أجرتها معه “يديعوت أحرونوت” : يكشف من خلال بحث وصف بأنه واسع النطاق، عن وثائق نشرت في كتاب جديد “1948 – تاريخ الحرب العربية الإسرائيلية الأولى”، تؤكد أن مندوبين في الأمم المتحدة؛ حصلوا على رشاوى من أجل التصويت إلى جانب قرار التقسيم في نهاية تشرين الثاني/نوفمبر 1947. ويدعي موريس أن الحرب في عام النكبة (1948)، لم تكن صراعا على الأرض، وإنما تدخل في إطار “الجهاد الأول”، وهي حرب لا تزال مستمرة حتى اليوم، وأنه من غير المؤكد أن إسرائيل ستنتصر فيها، بحسب موريس.

وبالعودة إلى الأجواء التي سبقت التصويت على قرار تقسيم فلسطين التاريخية، فإن توترا انتاب قادة الحركة الصهيونية، من جهة أن التصويت إلى جانب القرار؛ يعني قيام “دولة إسرائيل”، وأن عدم التصويت سيشكل ضربة قاصمة للصهيونية؛ الأمر الذي دفع قادة الحركة الصهيونية إلى “عدّ الرؤوس”، وتبين أن نتائج التصويت لن تكون جيدة. “في هذه النقطة قرر أحدهم أن الدبلوماسية النظيفة لا تكفي، ولأن الغاية تبرر الوسيلة، يجب الانتقال إلى وسائل ظلامية، بما في ذلك الرشوة وممارسة الضغوط”. ويكتب موريس في هذا السياق أن : “الاعتبارات المالية كان لها تأثير على تصويت مندوبي دول أمريكا الجنوبية.. بعثة من جنوب أمريكا حصلت على 75 ألف دولار مقابل التصويت على قرار التصويت.. كوستاريكا صوتت إلى جانب القرار رغم أنها لم تأخذ مبلغ 45 ألف دولار عرض عليها.. مندوب غواتيمالا أبدى حماسا زائدا في تأييده للصهيونية ووثائق بريطانية، تؤكد أنه تلقى أموالا من منظمات يهودية أمريكية، كما تشير تقارير لدبلوماسيين أمريكيين، أنه كان على علاقة بفتاة يهودية.. ومن الممكن أن تكون هناك حالات أخرى، ولكن لا يوجد وثائق تؤكد ذلك”.

ورغم أن موريس لا يعتبر الوثيقة جيدة؛ إلا أن رسائل ومذكرات موظفين ومسؤولين بريطانيين، تشير إلى وجود هذه القضايا بشأن عدد من الدول في أمريكا الجنوبية، والتي تم إقناع مندوبيها بواسطة الأموال بالتصويت إلى جانب قرار التقسيم. كما يشير إلى حالات ابتزاز، حيث قامت جهات صهيونية بممارسة الضغوط وتهديد مندوب ليبيريا بعدم شراء المطاط، وتمت أيضا ممارسة ضغوط اقتصادية شديدة على عدد من الدول، وخاصة تلك التي رفضت أن تأخذ رشاوى؛ مثل كوستاريكا، وصوتت في نهاية المطاف مع التقسيم، ويشير في هذا السياق إلى عدد من رجال الأعمال الصهاينة، مثل صامويل زموراي رئيس “شركة الفواكه الموحدة” وهي نقابة أمريكية كبيرة ذات نفوذ واسع وخاصة في دول الكاريبي.

فما الذي جرى إذن بعد قرار التقسيم ؟!!..

 إنقضت التنظيمات الإرهابية الصهيونية، تحت مظلة القرار الأممي وبحماية ودعم البريطانيين على كامل فلسطين؛ فسطت سطوا مسلحا إجراميا مجازريا في وضح النهار على الوطن العربي الفلسطيني…! فقامت التنظيمات والدولة الصهيونية على خراب وتدمير فلسطين وتهجير أهلها، وما تزال تواصل تدمير وشطب عروبة فلسطين تاريخا وحضارة وتراثا، كما قامت وما تزال تواصل تهجير الشعب الفلسطيني وتهويد أرضه ووطنه وتحويله إلى “وطن يهودي” وإلى “دولة يهودية نقية” يسعون في هذه الأيام باستماتة؛ من أجل ابتزاز الشرعيات الفلسطينية والعربية لها..! بل إنهم يشنون هجوما استراتيجيا شاملا، بهدف شطب فلسطين بكل ملفاتها وعناوينها إلى الأبد !!..

ولم يعد سرا أن تلك الدولة اقترفت أبشع اشكال التطهير العرقي، وقامت بتهديم المكان العربي على امتداد مساحة فلسطين؛ فدمرت ومحت نحو ستمائة قرية فلسطينية ومنها على رؤوس ساكنيها، كما دمرت العديد من الأماكن العربية المقدسة في فلسطين، بينما قامت بتهجير أهل الوطن والتاريخ والحضارة؛ بفعل المخططات الاستعمارية وبقوة “التطهير العرقي” البشع، وفي ظل حالة من الاوضاع العربية التي تعجز مفردات القاموس السياسي عن وصفها !!..

كان من المفترض وفق قرار التقسيم على ما فيه من ظلم وسطو على معظم الوطن الفلسطيني، أن يعطي الشعب الفلسطيني نحو 44% من فلسطين، لتقام الدولة الفلسطينية عليها، فما الذي حدث…؟! ومن يتحمل مسؤولية ضياع فلسطين ومسؤولية عدم إقامة الدولة الفلسطينية…؟! وهل تضيع الحقوق والأوطان هكذا مع التقادم…؟! أم أنها يجب أن تعود مركبة…؟! ثم أين الخريطة الجغرافية والسياسية والديموغرافية في فلسطين اليوم، بعد ثلاثة وسبعين عاما على ذلك القرار التقسيمي…؟!

نعود هنا مرة أخرى إلى أحدث المعطيات حول الميزان الجيوديموغرافي في فلسطين المحتلة لنذكر :

أنه “منذ العام 1948 أقامت إسرائيل أكثر من 700 تجمع سكاني (بين مدينة وبلدة) يهودي، دون أن يقام ولو تجمع عربي واحد، باستثناء بعض التجمعات التي أقيمت في النقب، في مناطق سكنية محاصرة لإجبار عرب النقب على التخلي عن مناطقهم الحيوية وإجبارهم بالتالي على الرحيل”.

وقال الكاتب الإسرائيلي المعروف “عوزي بنزيمان” في هآرتس العبرية: “أن عرب إسرائيل الذين يشكلون 18 بالمئة من السكان اليوم؛ يشغلون فقط 2,4 بالمئة فقط من الأرض، والمساحة المخصصة لليهودي أكبر من تلك المخصصة للعربي بثمانية أضعاف”. وأضاف: “أن العرب في الجليل يشكلون %72 من السكان، ولكنهم لا يشغلون سوى %16 فقط من الأراضي هناك”؛ مشيرا إلى: “أنه قبل قيام إسرائيل كانت الأراضي العامة أقل من %10، أما اليوم، فقد أصبحت %93، حيث وضعت الدولة يدها على الأراضي العربية، بأربع طرق –لا مجال لذكرها هنا”.

تفتح هذه المعطيات التي يوثقها بنزيمان أمامنا ملف الميزان الجيوديموغرافي في فلسطين، وكيف كان هذا الميزان قبل قرار التقسيم وقبل قيام تلك الدولة الصهيونية، وكيف أصبح اليوم.. كما تفتح أمامنا ملف التهجير والتهويد الشامل لفلسطين على أيدى الاحتلال الصهيوني..؟!

وفي هذا السياق يمكن القول : إن الهجوم الصهيوني على فلسطين، يحمل كل عناوين الاغتصاب والمجازر والاقتلاع والترحيل والتهويد وإلغاء الآخر العربي الفلسطيني تماما، وحسب المشاريع والنوايا المقروءة لدولة الاحتلال وبلدوزرها الاستيطاني، فإن هذا الهجوم الصهيوني، لم ولن يتوقف أبدا، وهذا الاستخلاص ليس اجتهادا سياسيا أو فكريا تحت الجدل، وإنما هو حقيقة كبيرة راسخة تتكرس على الأرض مع مرور كل ساعة من ساعات المفاوضات العقيمة، ومع تواصل عمل بلدوزرات الاستيطان والجدران على الأرض، وهي حقيقة معززة مدعمة بكم هائل من الوثائق والمعطيات والوقائع الموثقة الملموسة.. فبالنسبة لفلسطين المحتلة 1948 على سبيل المثال، وهي عنوان النكبة والتهجير وتهويد المكان الفلسطيني؛ فتؤكد كل التقارير والدراسات العربية والعبرية على : “أن الحركة الصهيونية مجسدة بدولة إسرائيل تواصل “عبرنة” و”تهويد” أكثر من 8400 اسم عربي لمواقع جغرافية وتاريخية”؛ فحسب كتاب “المواقع الجغرافية في فلسطين – الأسماء العربية والتسميات العبرية”، وهو من تأليف الدكتور شكري عراف، وصدر عن مؤسسة الدراسات الفلسطينية في بيروت، فلم يكن في فلسطين حتى غزو الصهيونية لها سوى 50 اسما عبريا فقط، وأن التوراة اليهودية لا تشمل بالأصل سوى 550 اسما لأمكنة مختلفة في فلسطين، وهي في الأصل أسماء كنعانية، وبادر الصهاينة إلى تحوير الأسماء الأصلية أو وضع أسماء عبرية على المواقع الفلسطينية، وهكذا تحولت “بئر السبع ” مثلا إلى “بئير شيبع”، وطبريا إلى “طبيريا”، والخضيرة إلى “حديرة”، والمطلة إلى “مطولة”، وصفورية إلى “تسيبوري”، وعكا الى “عكو” وهكذا.

ويتحدث الكتاب عن أن : “الصهيونية غيرت وهوّدت 90% من أسماء المواقع في فلسطين”، وليس ذلك فحسب؛ فدولة الاحتلال تواصل من جهة أولى مخططات تهويد ما تبقى من المواقع والأراضي الفلسطينية في فلسطين 1948؛ سواء في النقب أو الجليل المحتلين، بينما تشن من جهة ثانية هجوما تهويديا استراتيجيا أيضا على المواقع والأراضي العربية في الضفة الغربية، ويتركز هذا الهجوم إلى حد كبير على مدينتي القدس والخليل، وقد امتد في الآونة الأخيرة إلى منطقة الأغوار الاستراتيجية؛ فقد جاء على سبيل المثال في تقرير أعدته المبادرة الفلسطينية: “أن الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة، منذ عام 1948؛ شرعت العديد من القوانين والاجراءات التي تخدم سياسة تهويد القدس”، و”أنها تحاول فرض حقائق على الأرض من شأنها فصل المدينة المقدسة عن تاريخها العربي والإسلامي لصالح تثبيت ادعاءات يهودية المدينة المقدسة”، ولكن- دولة الاحتلال لا تكتفي بتهويد الجغرافيا والتاريخ، وإنما تخطط وتبيت وتسعى لاقتلاع وترحيل من تبقى من أهل فلسطين بوسائل مختلفة، أو تسعى لإلغاء وجودهم تاريخيا ووطنيا وسياسيا وحقوقيا وحشرهم في إطار كانتونات ومعازل عنصرية، هي في الصميم معسكرات اعتقال ضخمة، قد يطلق عليها اسم “دولة أو دويلة فلسطين” أو “كيان فلسطيني” أو ربما تبقى بسقف “الحكم الذاتي الموسع”.

وبيت القصيد في هذا الصدد؛ أن فلسطين من البحر الى النهر ومنذ قرار التقسيم 1947، تحت مخالب الاغتصاب والتهويد والاقتلاع والترحيل، وهذه العملية جرت وتجري مع بالغ الأسف تحت مظلة “عملية السلام” والمؤتمرات التفاوضية، أو تحت غبار حرب الاجتياحات والاغتيالات والتدمير والجدران طورا، وذلك على مرأى من العالم العربي والمجتمع الدولي، ولذلك فإنه لمن بالغ الدهشة الحديث أحيانا عن “مفاوضات وسلام عادل وشامل ودائم”، والأغرب التمسك الفلسطيني- العربي بالنواجذ بخيار المفاوضات والسلام والتعايش والتطبيع على وقع المجازر وبناء المستعمرات والجدران الاغتصابية التهويدية، ولكن… كبرى الكبائر العربية هنا أن تفتح الدول العربية أبوابها وعواصمها لقادة وجنرالات الاحتلال وجرائم الحرب، وأن تعقد بعض الدول العربية “اتفاقات سلام-مزعوم”، مع العدو، هكذا على حساب فلسطين وأهلها !!..

ونتساءل رغم كل ذلك في الخلاصة المفيدة: هل سيتوقف الهجوم الصهيوني الاستراتيجي التهويدي الشامل لفلسطين وكيف..؟! وهل سيتوقف البلدوزر عن العمل في جسم الضفة الغربية..؟! وهل ستتوقف عملية التهويد المسعورة للمدينة المقدسة…؟! واستتباعا.. لماذا اذن التمسك العربي  بالمفاوضات والتهافت على التطبيع …؟! ولماذا إذن التطبيع العربي المجاني هكذا مع العدو الصهيوني حتى بلا أي مقابل حقيقي، هناك على أرض فلسطين العربية .. العربية ؟!!

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى