أصداء وآراء

خريطـة طريـق إيرانـية للإدارة الأمريكيـة!!..

 

الكاتب/ د . محمد السعيد إدريـس

mohamed.alsaid.idries@gmail.com

 

خريطـة طريـق إيرانـية للإدارة الأمريكيـة!!..

 

يعتبر “الزمن” والسباق عليه متغيراً مهماً في مقاربات كل من إدارة الرئيس الأمريكي الجديد جو بايدن وإيران. فالرئيس الإيراني الذى كشف بوضوح عزمه على الانقلاب الكامل على سياسة الرئيس السابق دونالد ترامب نحو إيران، واعتماد الدبلوماسية وليس التهديد بالحرب وفرض أقصى عقوبات، لكن هذا لا يعنى أن بايدن سيكرر مقاربة أوباما مع إيران لأسباب كثيرة بعضها أمريكي وبعضها إيراني والبعض الآخر إقليمي (شرق أوسطي) ودولي، أخذت تفرض قيوداً كثيرة على بايدن للعودة غير المشروطة للاتفاق النووي..

ولخص بايدن مقاربته نحو إيران بقوله : “إذا عادت إيران إلى الالتزام بالاتفاق (النووي) فإن واشنطن ستقوم بالمثل، وسوف تسعى عندئذ إلى التوصل إلى اتفاق أوسع نطاقاً يغطى أيضاً سعي إيران إلى تطوير صواريخ باليستية ودعم ميليشيات تعمل لحسابها بالوكالة في العراق وسوريا واليمن وأماكن أخرى”..

هذا يعنى أن تحول الإدارة الأمريكية الجديدة عن سياسة دونالد ترامب نحو إيران ليس تحولاً كاملاً، وإنما هو “تحول منتصف الطريق”، الأمر الذي أحبط الإيرانيين الذين كانوا يهيئون أنفسهم لجنى ثمار “صبرهم الإستراتيجي” مع إدارة دونالد ترامب التي مارست سياسة “أقصى عقوبات” ضدهم على مدى أكثر من عامين منذ أغسطس 2018 موعد تفعيل ترامب لقرار الانسحاب من الاتفاق النووي، وكادت أن تتورط في حرب موسعة مع إيران بتحفيزات إسرائيلية وأخرى خليجية وفاقمت من عسكرة الخليج والدفع به نحو حافة الانفجار..

وإذا كان الإيرانيون قد أحبطوا من الضوابط التي طرحها بايدن وعززها من بعده وزير خارجيته أنتوني بلينكن، فإن إيران كانت في ذات الوقت شديدة السعادة باختفاء ترامب عن المسرح السياسي الأمريكي ومجيء إدارة جديدة اختارت النهج الدبلوماسي للتعامل معها ومشروعها النووي، وهو النهج الذى تجيده إيران، بل وتحترفه. من هنا بدأت إيران الولوج نحو “لعبة جديدة” مع إدارة بايدن وكل الأطراف الدولية والإقليمية ذات العلاقة تحاول من خلالها الدفع بإدارة بايدن نحو العودة غير المشروطة للاتفاق النووي، معتمدة سياسة “التصعيد المحسوب” لخلق مبررات موضوعية أمام الرئيس الأميركي للعودة إلى الاتفاق النووي الموقع عام 2015 كما هو والقبول بالمطالب الإيرانية..

فعلى العكس من واقع الحال الإيراني المتلهف للعودة الأمريكية إلى الاتفاق النووي التي ستضع نهاية للعقوبات الأمريكية المشددة التي يئن بسببها الاقتصاد الإيراني، حاولت إيران أن تظهر أنها ليست في عجلة من أمرها للتفاوض مع الإدارة الأمريكية الجديدة، وأنها لا تعطى أهمية للتغير الرئاسي في الولايات المتحدة من ترامب إلى بايدن، ولا تراهن على تحولات أمريكية..

بعدها جاء التصعيد العسكري الإيراني لإظهار الاستعداد الكامل لكل الخيارات بإجراء مناورات موسعة لكافة الأسلحة شملت مياه الخليج وبحر عمان والمحيط الهندي، أي كل ما يمكن اعتباره ساحة لأى مواجهة عسكرية ، ثم جاء التصعيد النووي برفع إجراءات إنتاج يورانيوم مخصب بنسبة 20% بدلاً من 3.67% المنصوص عليها في الاتفاق النووي، ثم أعلن المتحدث باسم لجنة الأمن القومي والسياسة الخارجية بمجلس الشورى (البرلمان) أن بلاده تعمل على تصميم مفاعل نووي مماثل لمفاعل “آراك” للمياه الثقيلة، بعدها هددت إيران بتقييد عمل المفتشين الدوليين فيما يتعلق بالبروتوكول الإضافي المرتبط بتمكين مفتشى الوكالة الدولية للطاقة الذرية الدخول المباغت إلى المنشآت النووية الإيرانية، ثم فجرت إيران الصدمة الكبرى بالإعلان عن إنتاجها 17 كيلوجراماً من اليورانيوم المخصب بنسبة 20% من منشأة “فردو”، في إشارة وصلت سريعاً إلى المعنيين بالأمر ليس في الولايات المتحدة بل وفى الحلفاء والعرب والإسرائيليين، بأن، إيران أضحت أقرب ما تكون إلى إنتاج القنبلة النووية، إن أرادت، وإذا سارت الأمور على  النحو الذى تسير عليه، بعد هذا كله جاء دور الدبلوماسية من خلال طرح ما يمكن تسميته بـ “خريطة طريق” أمام إدارة بايدن على  لسان محمد جواد ظريف وزير الخارجية تحدد أطر التفاوض، وما يجب على الإدارة الأمريكية أن تقوم به، والتزامات إيران. تنطلق هذه الخريطة من عزل القضية النووية عن مجمل القضايا الأخرى ذات الصفة الأمنية والسياسية، سواء ما يتعلق بالقدرات الصاروخية الإيرانية، أو الدور الإقليمي لإيران..

عندما طرح محمد جواد ظريف هذه الخريطة تعمد أن تكون ذات بعد تهديدي أو على الأقل تحفيزي عندما قال أن “أمام الإدارة الأمريكية فرصة نادرة، وإن نافذة الفرص لن تبقى مفتوحة إلى الأبد”، ففي مقال له نشرته مجلة الشئون الخارجية الأمريكية (فورين أفيرس) أكد ظريف أن “المبادرة الآن هي من مسئولية واشنطن وحدها، كما يجب أن تكون الخطوة الأولى لإدارة بايدن هي محاولة تعويض وليس محاولة استغلال الإرث الخطير لهزيمة ترامب القصوى”، لافتاً إلى أن “هذه الخطوة تفتح فرصاً جديدة للسلام والاستقرار في منطقتنا”. ولم ينس ظريف أن يذكر الأمريكيين بأن الانسحاب الأمريكي من الاتفاق النووي أكد مدى التزام إيران بتوقيعها عكس الولايات المتحدة وأكد أن “تخلى واشنطن عن الاتفاق النووي أثبت شيئاً واحداً.. أن توقيع وزير خارجية إيران له وزن أكبر من توقيع رئيس الولايات المتحدة”، وخاطب إدارة بايدن بأن أمامها خيار أساسي “إما السير على نهج سياسات إدارة ترامب الفاشلة ومواصلة مسار انتهاك التعاون الدولي والقوانين الدولية، أو التخلي عن هذه التوجهات الفاشلة ومتابعة الارتقاء بالسلام والمودة في المنطقة”..

بعد ذلك أخذت المواقف الإيرانية تتصاعد رداً على أولى مؤشرات صدرت عن كبار المسئولين الجدد في إدارة ترامب وخاصة وزير الخارجية الجديد أنتوني بلينكن، حيث قال وزير الخارجية الإيراني محمد جواد ظريف : إن “الاتفاق النووي وقعت عليه بلاده و (مجموعة دول 5+1)، وصدقت عليه الأمم المتحدة وأنه لا يمكن إضافة أي ملف إلى الاتفاق لم يكن مدرجاً فيه”. ثم أعلن محمود واعظي مدير مكتب الرئيس الإيراني حسن روحاني أن “ملف التفاوض بشأن الاتفاق النووي أغلق” مؤكداً أن “موقف بلاده واضح ولن يتغير، وأنه لا فرق لدى طهران بين دونالد ترامب وجو بايدن”..

في مواجهة هذه الإدارة الإيرانية المبكرة لمعركة ما يمكن تسميته بالتفاوض الجديد حول الاتفاق النووي دخلت الإدارة الأمريكية في جدل مع الحكومة الإيرانية حول الطرف الذي يتعين عليه اتخاذ الخطوة الأولى للعودة إلى الاتفاق النووي هل هي الولايات المتحدة بالعودة المشروطة للاتفاق وإلغاء العقوبات، أم إيران بإنهاء تجاوزاتها للاتفاق النووي..

هذا الجدل يمكن اعتباره بمكانة الخطوة الأولى لمعركة تفاوض جديدة سيكون الزمن هو العامل الحاسم في خيارات الطرفين الإيراني والأمريكي للإقدام على تقديم التنازلات في ظل ظروف شديدة التعقيد تحكم خيارات كل من القرار الأمريكي والقرار الإيراني..

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى