أصداء وآراءأقلام الكتاب

خطـر تعـميـم سيـناريـو “الفـوضـى” !!..

 

الكاتـب/ د . محمـد السعـيـد إدريـس

mohamed.alsaid.idries@gmail.com

 

خطـر تعـميـم سيـناريـو “الفـوضـى !!..

 

أقل ما يمكن أن يوصف به ما يجرى هذه الأيام داخل الولايات المتحدة الأمريكية من تفاعلات، سواء كانت تصنف ضمن التداعيات الناتجة عن معركة الانتخابات الرئاسية الأخيرة، التى لم تهدأ بعد، أو كانت تتجاوز هذه التداعيات إلى ما هو أكثر خطورة بالنسبة لمدى صلابة التماسك السياسى- والاجتماعى، وربما الثقافى أيضاً بين الولايات الخمسين المكونة للدولة الأمريكية هو “الفوضى”.

تعبير الفوضى يمكن أن يكون أقل حدة وأكثر انضباطاً من توصيفات أخرى قد يراها البعض أقرب إلى الواقع الذى يزداد تردياً يوماً بعد يوم إذ لم تكد أصداء ردود فعل الرئيس الأمريكى المنتهية ولايته دونالد ترامب على رفض المحكمة الاتحادية العليا للقضية التى كانت رفعتها ولاية تكساس تطالب فيها بإلغاء احتساب ملايين من بطاقات التصويت الإليكترونى فى الولايات الأربع المتأرجحة (ويسكونسن وميتشجن وجورجيا وبنسيلفانيا) تهدأ قليلاً، حتى جاءت صدمة أخرى أشد خطراً، ولكن هذه المرة من خارج الولايات المتحدة، عبر هجوم إليكترونى غير مسبوق، استهدف القدرات الإستراتيجية الأمريكية، وتنال، بدرجة هائلة من المكانة الأمريكية ليس فقط بين الولايات المتحدة والعالم، ولكن أيضاً فى عيون الأمريكيين داخل الولايات المتحدة، الذين يتابعون بألم عجز بلدهم عن مواجهة هذا الخطر، لتلتقى مع كل التداعيات السلبية لأزمة الانتخابات الرئاسية الأمريكية، وتضع الولايات المتحدة أمام خطر “الفوضى”.

وإذا كانت “الفوضى” فى ذاتها تعتبر حدثاً طارئاً ومؤقتاً، فإن الأهم من الفوضى هو مآلاتها، فالفوضى إما أن يتم احتوائها واستيعابها وإما أن تفلت الأمور، ويكون الاتجاه نحو التداعى هو الأقرب إلى الواقع المأساوى الذى قد يفرض نفسه. والسؤال الذى يشغل الكثيرين الآن هو: إلى أين تتجه الولايات المتحدة بعد تلاشى صدمة الفوضى هل إلى استعادة التماسك والاستقرار أم إلى التداعى والتفكك الذى تحدث عنه رئيس الحزب الجمهورى فى ولاية تكساس الأسبوع الماضى، آخذين فى الاعتبار التهديدات التى أطلقها الرئيس دونالد ترامب عقب رفض المحكمة الاتحادية العليا للقضية التى رفعتها ولاية تكساس ضد الولايات الأربع المذكورة وخاصة قوله أن “القتال بدء للتو”.

الإجابة على هذا السؤال المهم تتوقف أولاً على ما سوف يحدث خلال الأسابيع الأربع المقبلة من الآن وحتى يوم العشرين من يناير المقبل موعد الانتهاء الرسمى لولاية دونالد ترامب وبدء ولاية جو بايدن، من منظور هل سيحدث فعلاً انتقال سلمى للسلطة أم لا؟ وهل يمكن أن يورط دونالد ترامب إدارة بايدن فى حرب مع إيران لإرباك حسابات بايدن بالنسبة للعودة إلى الاتفاق النووى مع إيران أم لا؟ وسوف تتوقف الإجابة أيضاً على كيفية التعامل الأمريكى مع الخطر القادم من الخارج الذى اعتبره كثيرون بأنه “تهديد وجودى” للولايات المتحدة المتمثل فى الهجوم الإلكترونى الذى تعرضت ومازالت تتعرض له الولايات المتحدة من طرف خارجى، وهو الهجوم الذى جرى اعتباره “أكبر وأخطر هجوم إليكترونى” استهدف الولايات المتحدة واخترق وكالات حكومية أمريكية شديدة الحساسية من بينها إدارة الأمن النووى ووزارات الخارجية والدفاع والخزانة والطاقة وشركات خاصة مرتبطة بالحكومة الاتحادية.

هذا الهجوم يعتبر فى ذاته تهديداً خطيراً، خصوصاً أنه لم يعلن عنه إلا قبل الأسبوع الفائت فقط، فى حين أن المعلومات تؤكد أنه بدأ منذ مارس 2020، لكن ما هو أخطر من ذلك هو الانقسام الحاد داخل دوائر صنع القرار السياسى فى الولايات المتحدة حول هذا الاختراق، سواء حول مدى خطورته أو حول الجهة المتسببة فيه.

فبينما هون الرئيس الأمريكى دونالد ترامب من شأن هذا الهجوم وخطورته وقال أن “قضية القرصنة الإليكترونية ليست ضخمة كما تدعى وسائل الإعلام المزيف”، كانت ردود فعل مسئولين أمريكيين ديمقراطيين وجمهوريين على حد سواء، شديدة الانفعال والتوتر عكس موقف الرئيس، ناهيك عن حالة الهياج الشديد التى تجتاح الإعلام الأمريكى بهذا الخصوص. فقد اعتبر النائب الديمقراطى “جيسون كرو” أن “الوقت قد حان للحديث بجدية.. وأن خصماً خطيراً للولايات المتحدة وصل الآن لأنظمة الدفاع والاستخبارات وحفظ الأمن والمؤسسات المالية الأمريكية”، أما السيناتور الجمهورى ميت رومنى (مرشح رئاسى سابق) فقد اعتبر أن الهجوم “يمثل تحليق قافذات روسية فوق بلدنا بأكمله، بشكل متكرر، ودون أن ترصد”.

الانقسام الأخطر كان حول الطرف المسئول عن هذا الاختراق. فعلى الرغم من أن جهة تحقيق مسئولة لم تحقق فى الأمر ولم تصدر قرار اتهام له اعتباره، فإن موجة الاتهامات كانت بحق روسيا، بدأها الإعلام، وبعدها انخرط السياسيون، وفى مقدمتهم وزير الخارجية مايك بومبيو، فى حين وقف الرئيس دونالد ترامب وحده فى الطرف الآخر يدافع عن روسيا ويوجه الاتهام للصين.

فقد حمَّل وزير الخارجية مايك بومبيو روسيا مسئولية الهجمات الإليكترونية وقال فى مقابلة إذاعية (مساء الجمعة 18/12/2020) أنه “يمكننا القول بوضوح شديد أن الروس انخرطوا فى هذا النشاط”، مضيفاً أنه “لا يمكن التعليق على تفاصيل الهجمات الإليكترونية لأنها لا تزال قيد التحقيق، وستظل بعض التفاصيل سرية”، لكن الرئيس دونالد ترامب خرج ليبعد عن روسيا أى اتهام وقال فى تغريدة له أن “الاتهام يوجه دائماً لروسيا، لأن وسائل الإعلام، ولأسباب مالية، تخشى الإشارة إلى الصين التى يمكن أن تكون هى المسئولة”، وعاد فى تغريدة أخرى ليوضح أكثر ويقول أن من يقف وراء الهجمات الإليكترونية “ليست روسيا بالضرورة ، وإنما هى الصين على الأرجح”.

إنقسام فى التقييم يستند على قاعدة راسخة “من عدم اليقين” وهذه هى الكارثة الكبرى بالنسبة لدولة توصف بأنها الأقوى فى العالم ولكنها باتت منكشفة إلى درجة عدم القدرة على التعرف على من اعتدى عليها واخترق أجهزتها الأمنية والإستراتيجية والمالية، الأمر الذى يفاقم من التداعيات التى يمكن أن تترتب على ذلك، فى ظل الصراعات والانقسامات الداخلية التى تزداد حدة يوماً بعد يوم جراء أزمة الانتخابات الرئاسية التى لم تنته بعد. 

فقد أثار نفي ترامب التهمة عن روسيا سخط عدد من خصومه فى الكونجرس الذين كانوا اتهموه من قبل بالتواطؤ مع موسكو لمساعدته فى كسب انتخابات الرئاسة عام 2016. وكان الديمقراطيون فى الكونجرس أكثر حدة فى الهجوم على ترامب. فقد وصف النائب الديمقراطى آدم شيف رئيس لجنة الاستخبارات فى مجلس النواب نفي ترامب التهمة عن روسيا بأنها “خيانة أخرى فاضحة” وأن تغريدته “تبدو وكأنها كتبت فى الكرملين”.

هذا الارتباك فى تحديد من المسئول عن شن الهجمات روسيا أم الصين حفز البعض ليتساءل: وأين كوريا الشمالية وأين إيران؟ الأخطر أن هناك تلميحات تقول : “ولماذا لا يكون المهاجم أحد حلفاء واشنطن ؟!!”.

أسئلة الإرتباك تؤصل لسيناريو الفوضى فى حين أن الصين وروسيا تتقدمان بثبات لفرض نفسيهما شريكين فى قمة النظام العالمى، وهنا يفرض السؤال الصعب نفسه: هل ستقتصر ظاهرة “الفوضى” و”الإرتباك” على الداخل الأمريكى أم يمكن أن تنتقل إلى النظام العالمى كله لتبدد طموحات التأسيس لنظام عالمى متعدد الأقطاب أكثر عدالة، إلى نظام لا يحكمه غير الفوضى ؟.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى