أصداء وآراءبأقلام الكُتّاب

خـجـل الأولاد .. وحـيـاء البـنـات..

الدكتـور/ محمـد المعـمـوري

باحـث وكاتـب عـراقـي

 

خـجـل الأولاد .. وحـيـاء البـنـات..

 

قبل أكثر من أربعين عاما وبالتحديد في عام ١٩٨٠ كان هناك همس حديث عن اختراق النسيج العائلي العربي عن طريق بث قنوات غربية لا يمكن السيطرة عليها أو التحكم بها؛ فإنها ستدخل على البث التلفزيوني وتحصل الكارثة .. هكذا كان الحديث.

كنت في ذلك الوقت غير مسموح لي بالمناقشة ما دام الكبار يتكلمون؛ علينا سماعهم وإن كان بعض حديثهم لا يصدق، وعلى كل حال كان الهم كل الهم في المحافظة على التقاليد وعلى النسيج العائلي، وعدم السماح لتلك القنوات للدخول إلى بيوتنا؛ لم نكن نعلم كيف ستدخل تلك القنوات إلى بيوتنا، ولكن كانوا يظنون أن الغرب سيبثون قنواتهم وسيتم استقبالها دون أن يتم السيطرة عليها.

لم نكن نتصور في ذاك الزمان أننا سننصب (أجهزة الاستقبال) في بيوتنا ليتم السماح بقنوات غريبة من مشاركتنا حياتنا، أو أننا سنُدخِل من يشاركنا حياتنا، ويصبح دور الأب في المراقبة لأبنائه ضعيف وتتكسر من خلال هذا الضعف قوة الأواصر العائلية .. رفضنا القنوات الغربية لأنها ستنشر ثقافة غير مرضية، وبعد حين أصبحت تلك القنوات بالنسبة لما ستأتي رحمة وستراً؛ لأن الأب وجد ما يتمكن من السيطرة عليه في حجب ما هو سيء .. فحمدنا الله على هذا وأصبح (الساتلايت) جزءاً من حياتنا ولكن بسيطرة من الأهل وبتحكم بالقنوات.

وفجأة دخل علينا (من لا يرحم) ذاك الكاسر لكل التقاليد الهاتف المحمول “الموبايل” كان في بدايته مقتصراً على الأب فقط وشيئاً فشيء أصبح الموبايل لا يفارق أيدينا وأصبح كل فرد من أفراد البيت يمتلك هاتفاً محمولاً (موبايلا)، وكلما تطورت تقنية الموبايل يتم تبديله وكلما زادت تقنية الموبايل قلت رقابة الأهل إلى أن اضمحلت “إلا ما رحم ربي”؛ فأصبح الأب شارداً بهاتفه المحمول، وأصبحت الأم تغرق بمنصات التواصل الاجتماعي، أما الولد والبنت فهم يغرقون في عالم افتراضي .. والله المستعان.

رُفِع الخجل عن الأولاد، وانتهى حياء البنات “إلا ما رحم ربي”، وأصبح الموبايل يقرب الناس للتفرقة، ويشجع على تكسر أواصر الأسرة، ويهشم أخلاق بعض الشباب؛ فأصبحت جريمة قتل الأخلاق من خلال الموبايل شيئاُ مألوفاً، وأصبح الولد بإمكانه أن يقنع فتاته بمجاراته فيستدرجها لكي يسقط كرامتها، وبعدها يصورها ليهددها .. “أصبح هذا شيئاً مألوفاً عند بعض الأولاد والشباب”.

ولا زلنا نسال أين الجريمة ؟؟!!
الجريمة .. أننا غضضنا البصر عن تصرفات أبنائنا، الجريمة .. أننا لم نقلب موبايلات أبنائنا، الجريمة .. أننا لم نخلق ثقافة أن يضع الابن أو البنت هواتفهم المحمولة في متناول يد الأم والأب فيكون ذلك الموبايل مراقب من قبلهما لكي لا يطمع الأبناء أو البنات في إهمال والديهم، والتصرف على هواهم.، الجريمة .. أننا نسينا أن نسأل الابن أين تذهب ؟ ومن أين أتيت ؟ ولماذا تأخرت ؟، الجريمة .. أننا خجلنا أن نسأل ابنتنا أين كانت ؟ وأين تذهب ؟ وماذا تفعل الآن ؟ وماذا في هاتفها ؟ ومن صديقاتها ؟ وأهملنا مراقبة “هندامها” وماذا تلبس ؟؛
الجريمة .. أننا سلمنا أنفسنا وأبناءنا إلى عالم افتراضي، الجريمة .. أننا سمحنا لأنفسنا أن نلتحق بعالم افتراضي فكان هذا العالم يضمنا ويضم أبناءنا وأناساً غرباء عنّا !!؛ الجريمة .. أننا عندما يتميز أبناؤنا نهديهم موبايلاً بدلاً من كتاب !!؛ الجريمة .. أننا أصبحتا لا نجلس كثيراً مع أبنائنا؛ الجريمة .. أننا نسينا أن نتابع أبناءنا، ولم نكلف أنفسنا بالذهاب إلى مدارسهم أو كلياتهم للسؤال عن تصرفاتهم !!؛

(فيما مض كانى الأب يحاسب “أبنائه” ، والأم تحاسب، والعم يحاسب، والخال يحاسب، والجد يحاسب، والجدة تنصح .. واليوم من يستطيع أن يحاسب ويقول لأحد من أبنائه إذا أخطأ هذا “عيب” ؟؟!!!).

الجريمة .. أننا سنسأل أمام الله عنهم : “…. وقفوهم إنهم مسؤولون”؛ الجريمة .. أننا لا زلنا ندعي أننا : ملتزمون !!.
الله المستعان.

 

‫10 تعليقات

  1. مقالة مهمة، وهذا حالنا فعلاً وعلينا الانتباه له ونقده وإيجاد الحلول، كما فعل كاتب المقالة المحترم. عاشت الأيادي.

    1. الله يحفظكم… جميعا الفضل كل الفضل لله ومن ثم الاستاذ علي الحسني الذي فتح لنا ابواب صحيفتحه للننهل من ابداعه…

  2. والله مقال مهم جدا نطلب من الصحيفة عمل ورشة عمل ويناقش محورها… رجاء اهتموا بهذا الموضوع المهم جدا….

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى