أصداءأقلام الكتاب

خـيـزران أبــي..

  الكاتـب/ عـبـدالله الفـارسـي

 

خـيـزران أبــي..

توفي أبي في العام 1997 .

مات قبل أن يبلغ الشيخوخة ..

مات صلباً .. مات واقفاً

لا أذكره هاب أحداً ، أو إنحني لأحدٍ..

رحل  قبل  أن يستمتع بالحياة معنا .. وقبل أن أستمتع أنا  بالحياة معه .. أو أتلذذ بمرافقته في هرمه وشيخوخته..

مات قبل أن أسدد له جزءاً يسيراً من دَيْنِهِ عَلَيْ .. وقبل أن أمنحه وفاءً وحباً .. وبراً واجباً عَلَيْ..

مات قبل أن أدفع له شيئاً بسيطاً من فاتورته الباهظة التي دفعها لأجلي .. وحرقها في رعايتي .. وتربيتي..

مات أبي ولم أتعلم شيئاً من قُوّتِه .. ولم أسرق شيئاً من صلابته ..

أسأل نفسي دائماً .. لماذا ورثت كل صفات أمي ؟!!

ولماذا لم  أرث صفة واحدة من صفات أبي ؟!!

هل أراد القدر أن أعاني وأتوجع ، كما عانت وتألمت أمي ؟!!

لقد ورثت قلب أمي .. ورثت طيبتها .. شفقتها .. حنانها .. ورهافة روحها .. وبكاءها .. وقلقها ..  وحزنها العميق .. وكل عذاباتها ..

ولم أتمكن من وراثة أو الإستحواذ على صفة واحدة من صفات أبي .. لأقاوم بها الحياة اللعينة هذه .. وأكافح قسوتها وشرورها وعفنها  ..

 لم أكسب شيئاً من قوته .. ولم أتعلم  شيئاً من عناده .. ولم أحظَ بشيء من شجاعته ولامبالاته..

حين أتذكر هذه الحادثة أشتاق أبي .. يجرفني حنان إليه .. تعصرني لهفة وتوق نحوه..

أشتاق إلى عصاه .. أتوق إلى حبله .. أحن إلى قبضة يده .. أشتهي ضرباته وقسوته وعنفه..

لقد أدبني أبي  فأحسن تأديبي..

كان لنا  جارٌ يسكن على مقربة منا ..

رجلٌ كبيرٌ في السن ..

أعزب .. لم يتزوج أبداً .. ولا يحب الحديث عن الزواج .. ويكره الكلام مع النساء  أو الحديث عنهن .. فعاش حياته بعيداً عنهن .. ومات سعيداً مطمئناً بدونهن !!..

رأيته مرة يحمل (راديو) مذياعاً جديداً صغيراً .. كانت يصدح بصوته الجميل .. ويبرق  بأضوائه الجاذبة .. ويصدح بأنغامه الشجية..

كنت شيطاناً صغيراً مزعجاً .. لكن كان  لدي صديق أكثر مني شيطنةً و عفرتةً وخبثا ..

كنا شياطين الحارة وعفاريتها الصغار..د

فخطط صديقي لسرقة راديو جارنا المسكين .. ورغب في الحصول عليها والإستمتاع بصوته .. وأغانيه..

كنت  رافضاً  الفكرة .. فأنا رغم أنني شيطان صغير، إلإ أنني لا أمارس السرقات بكافة أنواعها..

ولكن كما يقولون ”الصاحب ساحب” .. لقد دهاني ذلك الإبليس الصغير .. وسحبني معه .. وأقنعني بأنها ليست سرقة وإنما هي مجرد تسلية .. سنأخذه لبضعة أيام ثم سنعيده إلى مكانها..

خططنا لعملية السطو  ..وكانت عملية سهلة..

لم تتطلب منا أجهزة ولا أدوات ولا أسلحة ..

فالرجل كان ييبع السمك طوال الصباح .. فهو مصدر رزقه الوحيد ..

فيكون  بيته مشاعاً مباحاً للصوص الصغار .. وللقطط الكبار ..

قفز صديقي من  فوق باب البيت الخشبي القصير .. وسقط داخل البيت ، الذي كان من سعف النخيل الصلب..

وأنتظرت أنا مراقباً .. حارساً المكان .. حتى أنبهه وأصفر له في حالة مرور أحدهم أو اقترابه من البيت ..

صدفة مر أحد رجال الحارة  فرآني واقفاً .. متأهّباً كقطة شرسة ..

فهم مباشرة أن هذه الوقفة .. وذلك الإستعداد ليس أمراً  طبيعياً..

فقال في نفسه : حتماً هذا العفريت الصغير يخطط لعمل شرير !!..

وذهب في طريقه بعد أن خزن  صورتي في رأسه .. وعرف هويتي .. وعرف أبي .. وعرف من  هي فصيلتي وقبليتي ..

قفز صديقي حاملاً الراديو في يده  ..وسقط على الأرض كجرو رشيق ..

هربنا إلى مكان آمن .. وأخذنا نعبث بالمسروق الجميل .. واستمتعنا به أيّما استمتاع .. وبعد أن شبعنا ومللنا منه وضعناه في كيس ودفناه تحت التراب .. ووضعنا على التراب علامة وشاهد ..لنعود إليه في اليوم التالي..

إكتشف الرجل بأن هناك من سرق الراديو .. فأخبر الجميع .. ونشر الخبر في الهواء .. وعلى الأثير .. وسار الخبر في الحارة .. وفي الفريج .

فظهر الشاهد الوحيد الذي رآني .. وخزن صورتي في رأسه .. ولم تختفي ملامحي عن عينه ..

فقال : لقد رأيت العفريت الصغير إبن فلان .. واقفاً متربصاً أمام الباب !!..

وصل الخبر إلى مسامع أبي .. وحاولت أمي أن تصور له الخبر كأنه إشاعة .. ونفت الواقعة .. وسترت عَلَيّ الجريمة .. واجتهدت لتدفن الفضيحة..

كان ذلك مساء ..

فتركني أبي أنام تلك الليلة .. وأستمتع بظلامي ، وأهنأ في لحافي..

وفي الصباح نهضت كعادتي .. قاصداً الخروج للعب مع رفقتي والمرح  عند  صحبي..

فوجدت أبي ينتظرني مستنداً على كتف الباب، وفي يده خيزرانة ناعمة يهزها في الهواء .. ويلاعب بها السماء ..

وبجانب الجدار .. كان هناك عمود خشبي مغروس في الأرض .. وبجانبه حبل غليظ .. لم يسبق لي أن رأيتهما من قبل..

كيف نبت هذا العمود فجأة في فناء بيتنا ؟؟!!..

فهمت القصة .. وتوقعت النتيجة .. واستسلمت لقدري..

العمود الخشبي كان من أجلي .. والحبل والعصا كانت ليدي وظهري..

وبدأت عملية العقاب ..

ربطني أبي على العمود .. وأحكم رباطي..

وبدأت الخيزران تلعب في ظهري .. وتلعلع في يداي وفي كتفي .

حاولت أمي حمايتي .. ولكنها لم تتمكن .. فحين يغضب أبي يتحول إلى وحش ضار .. كاسر .. من الصعب الإقتراب منه .. أو ردعه ..

حاولت أن تمنعه ولكن لا جدوى، فقد وقعت العصا عليها وهي تحاول حمايتي..

فذهبت تركض إلى بيت جيراننا .. تطلب النجدة لإنقاذي من براثن أبي وأسنانه.. وحبله .. وعصاه ..

فجاء بعض الرجال ليوقفوا أبي عن ضربي .. ويحجزوه عن قتلي ..

ولكنهم لم يتمكنوا من إيقافه .. من الصعب السيطرة على أبي لحظة ثورة غضبه !!..

فتوقف بنفسه حين تعبت يداه من ضربي .. وشبعت العصى من كتفي وظهري .. واكتفت الخيزران من جلدي ولحمي ..

حتى انتزع مني إعترافاً بما حدث .. وذكرت له إسم السارق .. ومكان المسروق..

لم يفك أبي قيدي  إلا بعد ثلاثة أيام كاملة..

كانت أمي تطعمني وتسقيني .. وتراقبني وتؤنسني..

كنت أتبول  في مكاني .. وأنام واقفاً في عمودي مقيداً بحبلي..

كانت أمي وبعد أن يغط أبي في نومه تسحب فراشها إلى خارج غرفتها .. لتنام تحت قدمي .. فتواسيني وتحميني..

يالله .. ما أعظم الأم ..

إنها أعظم وأرق مخلوق في هذا الكون..

كانت تجربة لا أنساها أبداً..

تجربة سلوكية .. تأديبية لم .. ولن أنساها ما حييت..

مازلت حتى اللحظة.. أعشق أبي عشقاً عظيماً..

حين أتذكر قسوته وغيرته وغضبه ..حين أتذكر عنفه وضربات عصاه .. أدرك مدى حبه لي .. وأتيقن من حرصه وخوفه عَلَيْ..

فأذرف دمعات وشوقاً.. وأصدح بشهقات وحب عرفاناً له ..

إنه أبي الذي أدبني فأحسن  تأديبي..

“وقل رب ارحمهما كما ربياني صغيرا” .. صدق الله العظيم .

Spread the love
اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق