أصداء وآراء

خمسة ريالات وسبعمائة بيسة !!..

 

 

 

الكاتب/ عبدالله الفارسي ..

 

 

 

خمسة ريالات وسبعمائة بيسة !!..

 

وضعت الأم دلة الشاي الكبيرة وحافظة اللقيمات في صندوق سيارتها .. ودست الطاولة الخشبية الصغيرة بينهما ..

ركب طفلاها في المقعد الخلفي .

ذو العشر سنوات كان أطول قليلا من ذي الثماني سنوات بأربعة سنتمترات لذلك كان هو المسؤول عن البيع وعن أخيه أيضا.  

طوال الطريق كانت الأم تنصحه لا تفعل كذا .. و أعمل كذا   وانتبه لأخيك.. وأفتح عينيك جيدا على الطريق  ولا تثق في أحد فلا  أمن ولا أمان  لأحد   ..!!

طفلين في مهمة عمل غير اعتيادية من الساعة الرابعة مساء حتى التاسعة ..

أنزلتهما أمهما على قارعة طريق مزدحم .. ليس فيه سوى عوادم السيارات .. وكثير من  الأقدام والعجلات.

بعد أن أنزلا الدلة الكبيرة وطاولتهما الصغيرة وكرسيهما البلاستيكي  الوحيد  وحافظة اللقيمات الساخنة . 

قالت لهما أمهما :  ” خذا حذركما من أبناء الحرام فهم كثر  ” 

وانطلقت  الى بيتها حيث تنتظرها والدتها العجوز وابنتيها  وفقر  و شقاء جاثم  على حياتها   لا  ينتهي  ولا ينحسر  ..

صف الطفلان أكوابهما ونصبا دلتهما وحافظة اللقيمات الساخنة فوق الطاولة كأنها أصناما بوذية .. وجلسا ينتظران من يطلب شايا بالحليب .. ومن يشتهي لقيمات مقلية بالعسل  .

جلسا يراقبان و يمدان عينيهما البريئتين ينتظران من يمد لهما (بمائة بيسة) مقابل كوب من الشاي اللذيذ و (مائة بيسة) أخرى مقابل 6 حبات من لقيمات أمهما اللذيذة .

مرت عليهما عشرات السيارات ..

بعض السيارات مدت لهما بمائة بيسة.. وبعضها مدت لهما بثلاثمائة بيسة  وبعضها  بخمسمائة بيسة بينما كثير من السيارات لم تكترث بهما .. ولم تمنحهما سوى نظرات الشفقة وغالبيتهم بخلو عليهما حتى من  نظرة الاستعطاف ومشاعر الرحمة  .

وقفت سيارة أودي سبورت جديدة فارهة فاخرة يقودها أحد الوافدين الهنود وبجانبه صديقه   ..

هرول الطفل ذو الثماني سنوات إلى السيارة فهو المسؤول عن أستلام الطلبات .

خفض السائق من صوت موسيقى الراب التي كانت تصدح في مقصورة سيارته  .

وأنزل زجاجته المعتمة  ..

لفحت برودة السيارة وجه الطفل الصغير فأحيت الدماء في عروقه .

وأغرقت رائحة عطرها روحه الصغيرة  وأيقظت حواسه الطرية .

وابتسم مبتهجا بالنصف ريال  الذي مده إليه الوافد الثري  جاذبا  نظرات الطفل  الصغير إلى خاتمه الذهبي الضخم الثمين الذي  كان ملتصقا في بنصر  يده  اليسرى .

وانطلقا بسيارتهما الفارهة يضحكان ويقهقان .. 

لوى السائق شدقه الأيمن بنصف ضحكة ساخرة  وقال  لصديقه :  هؤلاء أطفال مكافحين

ولهم مستقبل مشرق ..!!

عارضه رفيقه بنبرة حازمة صادقة  قائلا : هؤلاء أطفال أشقياء تعساء .. لقد مزقوا نياط قلبي ..!!

رفع السائق من صوت  موسيقى الراب .. تاركا خلفه هواء .. وسماء .. وعبث وعذاب و فراغ .

خيم الظلام على المكان وفتحت أضواء الشارع موزعة شعاعها على المكان  ملقية  بنورها على  الطفلين وطاولتهما وما فيها.

جلس أحدهما على صخرة والآخر جلس على  الكرسي .. وأخذا يتناوبان  على الكرسي الوحيد الشاغر  .. 

لم يحمل لهما  الليل سوى  بعض البيسات .. الليل والنهار كالبشر .. لا فرق بينهما .

قبيل الساعة التاسعة بدقائق .

فتح الطفل الأكبر كيس النقود  وأخذ يحسب ما جمعه من بيع اليوم ..

مائة .. مائتين .. تسع مائة .. ريال .. ريالين .. أربعة ريالات .. خمسة ريالات  وسبعمائة بيسة .

هذا رزق اليوم ..

وكما علمته أمه قال الطفل ببراءة نقية : 

” الحمد لله اللهم ، بارك لنا فيما رزقتنا “

جات الأم في سيارتها القديمة ذات المصباح الوحيد .. فعرف الطفلان سيارة أمهما القادمة من بعيد بمصباحها اليتيم ..

أوقفتها دوريات الشرطة عشرات المرات … فترد عليهم  بجواب واحد لا يتغير أبدا ( أعطوني عشرين ريالا اشتري مصباحا جديدا) .. فيطلقون سراحها شفقة عليها .. ورحمة بها .

وقفت السيارة بجانبهم فتحت لهما صندوق السيارة .. وضعا أغراضهما داخل صندوق السيارة .. طوى الطفل كرسيه الصغير وحشره في الصندوق .. وركب بجانب أخيه.

وانطلقت الأم حاملة طفليها و “خمسة ريالات وسبعمائة بيسة ” …

أخذ الطفلان يتأملان الشارع وأضواء السيارات ويفكران في مستقبلهما المشرق الذي ينتظرهما كما قال ذلك الوافد الهندي  الثري  صاحب سيارة  الأودي سبورت الفاخرة الفارهة وذو الإصبع التي تحمل خاتما ذهبيا ضخما وثمينا.. 

كانت السيارة ذات المصباح الوحيد تقطع الطريق بكل مشقة وإنهاك ..

وكان كل من بداخل السيارة يحلمون بيوم  جميل  وفرج سريع.

التفت الطفل الى أمه ..

فرى دموعها  تتدحرج  من خديها  ببطء وصمت .. كانت دموعا  ساخنة كقطرات شمعة  ذائبة .. 

كانت تتمتم بصوت متحشرج خافت “اللهم ألطف بنا و  لا تضطرنا  على أن نبيع شيئا  “غاليا وثمينا”  غير الشاي  واللقيمات” .. اللهم لا تحملنا مالا طاقة لنا  به …!!

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى