أصداء وآراءبأقلام الكُتّاب

دولة قـطـر وكأس العـالـم..

زاهر بن حارث المحروقي

 

دولة قـطـر وكأس العـالـم..*

 

بعد انتهائي من تأليف كتاب “الخليج في زمن الكوليرا”، وهو الكتاب الذي تناول الأزمة الخليجية مع قطر، وكذلك الوضع في اليمن، انتبهتُ إلى أني أغفلتُ نقطةً مهمةً، هي استضافة قطر لبطولة كأس العالم لكرة القدم؛ وقلتُ لبعض الأصدقاء إنّه لا يمكن تجاهل هذا الحدث الفريد في المنطقة، فقد كان من ضمن الأسباب التي أدت إلى مقاطعة دولة قطر، وممّا قلتُ لهم إنّه لا يوجد كتابٌ كامل، مستحضرًا قول عبد الرحيم البيساني، المعروف بالقاضي الفاضل : “إنِّي رأيتُ أنَّه لا يكتُبُ إنسانٌ كتابًا في يومِه؛ إلاَّ قالَ في غَدِهِ: لو غُيِّرَ هذا لكان أحسنَ، ولو زِيدَ كذا لكان يُستَحسَنُ، ولو قُدِّمَ هذا لكان أفضلَ، ولو تُرِكَ هذا لكان أجملَ. هذا مِنْ أعظَمِ العِبَرِ، وهو دليلٌ علَى استيلاءِ النَّقصِ علَى جُملةِ البَشَرِ”، وهو شعورٌ – في اعتقادي – أنّ كلّ الكتّاب يشعرون به ويعيشونه بعد صدور كتبهم، وقد أحسستُ بشعور التقصير في الكتاب المذكور، عندما لم أتناول موضوع استضافة قطر للمونديال، كأحد الأسباب ربما تكون الرئيسية في مقاطعتها وحصارها.

ورغم أنّ مجال الحديث ليس عن تلك الأزمة – التي نرجو أن تكون قد انتهت للأبد – إلا أنه لا بد أن نتطرّق إلى الحملة الشعواء غير المسبوقة، التي تعرّضت لها قطر، لعرقلة استضافة هذه البطولة العالمية، التي تقام لأول مرة في دولة عربية وإسلامية؛ فبدلًا من التعاون وتقديم كلّ التسهيلات لقطر، كانت هناك مساع معلنة وغير معلنة لتفويت فرصة الاستضافة، مع ظهور منجّمين على شاشات مغمورة، يؤكدون في كلّ مناسبة عدم إقامة البطولة، ممّا جعل الشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمير دولة قطر يقول إنّ بلاده تعاملت مع الأمر في البداية بحُسن نية، ورأت “أنّ بعض النقد إيجابي ومفيد؛ ولكن ما لبث أن تبيّن أنّ الحملة تتواصل وتتسع وتتضمن افتراءات وازدواجية معايير، حتى بلغت من الضراوة مبلغًا جعل العديد يتساءلون للأسف عن الأسباب والدوافع الحقيقية من وراء هذه الحملة”. وكان رأيه أنّ “هناك من لا يتقبلون فكرة استضافة دولة عربية مسلمة لمثل هذه البطولة، وسيبحثون عن أيّ مبرر لتشويه سمعتنا”.

على العموم لقد تجاوزت دولة قطر كلّ الصعاب من المقاطعة والحصار، وكذلك انتقادات جماعات حقوق الإنسان، بسبب مزاعم إساءة معاملة العمّال الأجانب، إضافةً إلى انتقاد القوانين التي تحظر المثلية والعلاقات خارج إطار الزواج وغيرها من الاتهامات.

كثيرًا ما يتساءل البعض عن الفائدة التي ستجنيها دولة قطر من هذه البطولة، أمام الإنفاق الكبير الذي قدّرته مصادر رسمية بنحو 220 مليار دولار. لقد أنفقت قطر هذه المليارات على مشروعات البنية التحتية على أراضيها خلال الـ 11 عامًا الماضية، شملت الطرق والمدن ووسائل النقل العام والفنادق والمرافق الرياضية والملاعب، وهو ما يُعَدُّ أعلى رقم على الإطلاق للإنفاق على تجهيزات استضافة المسابقة العالمية، مقارنة بنفقات جميع الدول التي استضافت كأس العالم في السنوات الماضية؛ فالدوحةُ تعاملت مع البطولة باعتبارها أكبر بكثير من مجرد حدث رياضي، وأنها ستكون بمنزلة “قاعدة انطلاق تسويقية” كبرى لقطر في المستقبل القريب والبعيد، “ممّا يجعل هذا الإنفاق السخي في منشآت البنية التحتية مدروسًا بعناية” حسب تصريح مسؤول قطري لوكالة رويترز؛ فيما وصفت كارين يونغ الزميلة في معهد الشرق الأوسط بواشنطن، هذا الإنفاق السخي، بأنه فلسفة تسويق كبيرة ترفع شعارًا للتنمية السياحية والاقتصادية مفاده: “شَيِّد.. وسوف يأتون”، لأنّ الفرص التسويقية ورؤوس المال ومبادرات الأعمال والزخم السياحي دائمًا ما تزداد مع توفير بنية تحتية أفضل ومنشآت أكثر جودة.

وإلى جانب الملاعب بمواصفات عالمية عالية، شيَّدت قطر أكثر من 100 فندق جديد عالي المستوى والفخامة، بإجمالي عدد غرف يصل إلى 30 ألف غرفة، إلى جانب الشقق والفلل والوحدات السكنية الموزعة داخل الدولة، وأيضًا الخيام الصحراوية الفندقية والسفن السياحية التي تعمل بوصفها فنادق عائمة لتلبية الطلب الكبير خلال المونديال. أما بالنسبة لشبكة النقل والمواصلات، فإلى جانب تشييد العديد من الطرق الرئيسية، وتجهيز مسارات للدرّاجات ولذوي الاحتياجات الخاصة، فقد افتتحت قطر عام 2019 شبكة أنفاق “مترو الدوحة”، بعد 6 سنوات من البناء بتكلفة تُقدّر بنحو 36 مليار دولار، وتُعتبرُ من أسرع شبكات المترو حول العالم. ولم تكن تلك المشاريع كلّ شيء؛ فقد شيّدت قطر مدينة “لوسيل” الحديثة، بوصفها نموذجًا للمدينة الذكية المستقبلية المكتفية ذاتيًا والمُستدامة بيئيًا، لتصبح واحدة من أضخم المدن الذكية التي شهدها العالم في السنوات الأخيرة، وتُعَدُّ من الأيقونات السياحية الأساسية الجاذبة للمشجعين خلال مسابقة كأس العالم وما بعدها. كما شيَّدت مشروع جزيرة اللؤلؤة، وهي مجموعة من الجزر الاصطناعية تُمثِّل مدينة متكاملة تحتوي على مراسٍ لليخوت الفارهة، وتضم أبراجًا سكنية شاهقة وفللا وفنادق، وعددًا من أفخم المتاجر والمعارض والمقاهي.

والنتيجة فإنّ قطر تتوقع أن تساهم البطولة في اجتذاب ما بين مليون و200 ألف، إلى مليون و700 ألف مشجع ووافد خلال الشهر الذي تُقام فيه المسابقة. ومن المنتظر أن تبلغ العوائد الناتجة من المسابقة في القطاع السياحي فقط، نحو 17 مليارًا وخمسمئة مليون دولار، بحسب تأكيدات الدوحة وشركات الأبحاث الاقتصادية، مع توقع زيادة الإيرادات الاقتصادية على المدى البعيد بعد انتهاء البطولة. كما يُتوقع أن يُضيف الإنفاق السياحي والأنشطة الاقتصادية المصاحبة لمسابقة كأس العالم ما يعادل 1.5% إلى الناتج الإجمالي المحلي لدولة قطر، وهو ما سيؤدي إلى نمو الاقتصاد القطري. هناك مخاوف من البعض بأن تصبح كلّ تلك الإنجازات والمشاريع الجديدة خاوية بعد انتهاء البطولة، مع رحيل الزوار وانخفاض الطلب المحتمل وتباطؤ النشاط الاقتصادي غير المعتمد على الطاقة، ومن هؤلاء روبرت موجيلنيكي الباحث المقيم في معهد الخليج العربية في واشنطن الذي يرى أنّ “الأمر يتطلب تفكيرًا عميقًا وجهدًا كبيرًا لتشغيل الكثير من هذه البنية الأساسية، كي تخدم أغراضًا أخرى بعد البطولة”، وهو بالتأكيد أمرٌ لم يغب عن المسؤولين القطريين؛ فقد قال مسؤول قطري لرويترز “إنّ تخطيط أغلب الأعمال تمّ بشكل منفصل مع سعي الدوحة لتنويع أنشطتها الاقتصادية غير المعتمدة على الطاقة، طامحة في أن تصبح مركزًا إقليميًا للأعمال، وإلى زيادة عدد السياح إلى ثلاثة أمثاله ليبلغ ستة ملايين سائح سنويًا بحلول 2030″، والتوقعات تشير إلى إمكانية أن يزور 3 ملايين شخص دولة قطر خلال العام المقبل، على خلفية التدفق السياحي الذي سيتبع تنظيم البطولة، مع ارتفاع أعداد السائحين المحتملين خلال السنوات التالية، إلى نحو 40 مليون سائح، وهو أمرٌ معتادٌ في الدول التي تنظّم هذا المستوى من المسابقات الرياضية مع تطوير بنيتها التحتية.

بكلّ المقاييس فإنّ نجاح قطر في استضافة بطولة عالمية بهذا الحجم، يضاف إلى إنجازاتها الأخرى، ويُحسب للقطريين، أنهم قبلوا التحدي، فتحدّوا الصعاب، وقد يكون أكبر درس قدّمه القطريون – بقبولهم ذلك التحدي – أنهم أنجزوا المشاريع التي وعدوا بها؛ فلم تكن مجرّدَ وعود على الورق لم تر النور، وإنما حققوا ما يشبه المعجزات في فترة تُعتبر قصيرة، مع عدم المساس بمعيشة المواطنين والمقيمين، وهناك درسٌ آخر هو أنّ الدولة مهما كانت صغيرة، فإنه عندما تكون همم الرجال فيها كبيرة فإنها قادرة على تحقيق المعجزات، وهي رسالة موجهة أيضًا لكلّ المشككين ومنهم جوزيف بلاتر، رئيس الاتحاد الدولي لكرة القدم السابق، الذي قال إنّ منح دولة قطر حقّ استضافة كأس العالم 2022 كان قرارًا خاطئًا، لأنّ قطر “بلد صغير للغاية، وكرة القدم وكأس العالم أكبر من أن يتمّ في هذا البلد”، حسب تعبيره.

وأنا أشاهد هذه الانجازات في دولة قطر، أستعيد ذكرى زيارتي لها للمرة الأولى عام 1979، فلم تكن إلا صحراء قاحلة، مع بيوتات صغيرة جدًا، ولم يكن بها غير فندق يتيم. وإذا كانت قطر بعد انطلاق قناة الجزيرة، غير قطر الأولى، وكذلك الآن، فمن المتوقع أن تصبح قطر بعد كأس العالم غير قطر قبله. ويبقى أنّ نجاح قطر في استضافة البطولة مفخرة لكلّ العرب.

 

* تم نشر المقال بموافقة الكاتب ، نقلاًعن جريدة عمان. عدد الإثنين 21 نوفمبر 2022م.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى