أصداء وآراءأقلام الكتاب

دَقُّ الأسافين والأوتاد !!..

الكاتبة/ د . رضية بنت سليمان الحبسية

Radhiyaalhabsi@gmail.com

 

دَقُّ الأسافين والأوتاد !!..

 

يتفاعلُ الفردُ مع ما يحيط به من عواملٍ خارجية، كما يستجيب للقوى الداخلية للنفس البشرية. فتتكون شخصيته نتيجة ذلك التمازج والتفاعل منذ نعومة أظافره، فإما أنْ تنشأ شخصية متوازنة أو على النقيض من ذلك. وتلعبُ الأسرةُ الدور الأعظم في تنشئةِ أبنائها لتدفع بهم في مجتمعٍ أوسع ليعيشوا حياتهم بحسب ما تكون عليه تلك التنشئة. ويأتي هنا أهمية ترسيخ القيم الأساسية بأنواعها: الفرديّة، العائليّة، المهنيّة، الأخلاقيّة، الوطنيّة، والروحيّة؛ وذلك للارتقاء بأجيال يُفَاخَر بها على مصاف الإنسانية؛ كونها الفضائل التي توجه الإنسان وتقيّم سلوكه.

 ففي ظل المتغيرات الخارجية، وانعكاساتها على القيم بأنواعها، وفي مقدمتها القيم الفردية، تبرز بعض التجاوزات في تصرفات الفرد انعكاسًا لمعتقداته وتوجهاته وأفكاره، كأنْ تتشكّلُ لديه الأنا الزائفة في المراحل المبكرة من عمره، وتتطورُ مع تقدمه في المراحل العمرية اللاحقة التي تكّون شخصيته وملامحها.  فكلما كانت الثوابتُ راسخةً في كينونةِ الفرد رسوخ الجبال، فإنّ احتماليةَ تأثره بالزّوابعِ وأعاصير العثرات ضعيفًا بل يكاد يكون مستحيلًا. فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله ﷺ  : (المؤمنُ القويُّ خيرٌ وأحبُّ إلى اللهِ مِنَ المؤمنِ الضَّعيفِ وفي كلٍّ خير). (رواه مسلم).

إنّ ثقةَ الفرد في نفسهِ وتقديره لذاته تواضعًا لا تكبرًا، تجعله يترفّع عن التشدّق بسفاسف الأمور؛ فنحن أمة تتسم بنقاءِ السريرة والخُلق الكريم. فلا يقوم الكريم مقام كمن يدق الأسافين والأوتاد، فمتى بلغ الإنسان سُمُوّ المعاني فكًرا وروحًا، فإنّ فضائله ستُكتب على الماس لا على الماء، كما أنّ تفاعل الفرد الإيجابي مع مجتمعه المحيط يُعَدُّ حجر الأساس للذات السويّة، فتتولدّ الشخصية المتوافقة مع ذاتها، وتصبح العلاقات الاجتماعيّة علاقات إنسانيّة مبنيّة على احترام الفرد لنفسه ولمن حوله، فيكسب محبتهم والمجتمع أجمع. وقد جاء في قوله تعالى : {وَلا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلا تَمْشِ فِي الأَرْضِ مَرَحًا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ}. (سورة لقمان، الآية: 18).

كثيرًا ما نلحظ اختلال بعض الشخوص فكرًا وسلوكًا، تبجحًا وافتراءً، نتيجة التنشئة المضطربة التي لا تمت لشيم التربية الإسلامية بصلة لا من قريب ولا من بعيد. فالأجدر بنا احترام ذواتنا وتحليل مواقفنا؛ بغيّة التصالح مع أنفسنا وتعديل علاقتنا مع من حولنا. فالطبيعة البشرية توّاقة للعيش بسلام ووئام لا نفورًا أو جدالًا. فجمال الحياة بجمال نفوس تقيّة القلب، نقيّة التفكير، سويّة السلوك. فما أحوجنا في التركيز فيما خُلقنا من أجله لا فيما خُلِقَ من أجلنا، فتستقيم أمورنا وتتحقق السعادة وتشيع الطمأنينة في ربوع البسيطة. قال تعالى : {فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ}. (سورة الروم، الآية: 30).

الخلاصة : يقعُ على الأسرةِ مسؤوليةُ غرس القيم الأخلاقية في نفوسِ أبنائها؛ كونها اللبنة الأساسية في التربية السليمة حتى تغدو سلوكًا أصيلًا في تعاملاتهم وعلاقاتهم، ففي الالتزام بالمبادئ الخُلقية الثابتة في العلاقات الإنسانية حصانةً للمجتمع، وحفاظًا على تماسكه في ظل ما يحيط به من متغيرات عالمية. فعن أبي هريرة رضي الله عنه، بأنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : “إنَّما بُعثت لأتمِّم مكارم الأخلاق”. (رواه البخاري).

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى