أصداء وآراءبأقلام الكُتّاب

ذكـريـات لا تـحـتـرق..

الكاتـب/ عـبـدالله الفـارسـي

 

ذكـريـات لا تـحـتـرق..

 

حين بعت منزلي كانت أكبر معضلة واجهتها هو كيفية التخلص من الأشياء التي تجمعت في بيتي طوال ثلاثين ..

كيف سأفرز ذكريات عمرها أكثر من ثمان وعشرين عاما .

كنت اجمع الأشياء وأنا مضطرب الذهن مشتت التركيز .

أصابعي تعمل وعقلي يدور ويضطرب.

كيف سأتخلص من كل تلك الأشياء ؟؟.

سأتخلص من اي منها ؟؟

وبماذا سأحتفظ ؟؟

اي منها سيكون مصيره الحرق .. واي منها سينجو من النار وسيعيش ؟؟

كأني في رحلة غوص عميقة ابحث عن أصداف نادرة ومرجانات غريبة.

كان معي 24 ساعة فقط لتسليم البيت.

وهناك مئات الأشياء بحاجة إلى غربلة و تصفية.

أحضرت مجموعة كبيرة من الصناديق الفارغة

وأكياس القمامة السوداء.

كانت من أصعب المهمات في حياتي..

وقفت حائرا أمام ذلك الكم الهائل من أشياء الماضي .

ولم أعرف فعلا كيف سأتخلص منها.

وهل سأحتفظ ببعضها!!.

كيف يمكنني أن أتخلص من شيء قديم عاش معي وعشت معه فترة طويلة من الزمن . وان كان فردة حذاء أو قطعة قماش أو قطعة خشب أو زجاج أو بلاستيك..؟

كيف استطاعت هذه الأشياء البسيطة أن تغرس نفسها في قلوبنا ؟؟ كيف تمكنت هذه الأشياء التافهة أن تحدث تأثيرا عميقا على النفس وبصمة ثابتة في الروح ..!!

كان هناك ازواج متعددة من الأحذية القديمة أحذية نظيفة صالحة مازالت لها ذكرى في قلبي .

قمصان سافرت بها لأول مرة إلى تايلاند وبورما وكمبوديا التصقت بالجسم وعلقت الفؤاد.

حقيبتي الكبيرة التي سافرت بها إلى أستراليا بكل أغراضها واسرارها لم تفتح منذ العام 2001 .

العاب ابني البكر وأغطيته الأولى ورضاعات الحليب البلاستيكية.

كانت زوجتي تحتفظ بكل رضاعات ابنائنا في صناديق خاصة ولا تتخلص منها .

كانت تقول لي  : لن نرميها.

حتى لا تلعقها الجن أو تمصها العفاريت ..!!

والحمد لله أنه لم يتعفرت أحدهم حتى اللحظة ..!!!

مجموعة كبيرة من ملابس مازالت لامعة لطفلي التوأم و مازلت تعبق برائحتهما.

أعداد هائلة من مجلات العربي الكويتية التي كنت انتظر تاريخ وصولها إلى مكتبة ” اشبيلية ” الرائعة الكائنة في منتصف السوق والتي كانت تزودنا بمختلف المجلات الثقافية في فترة التسعينات ..

(شكرا مكتبة اشبيلية لقد كنت بحق مصدرا رائعا من مصادر عشقي للقراءة).

أشرطة فيروز وام كلثوم القديمة والتي أنتهى عهدها واختفت مسجلاتها وبقي صوتها.

ثياب جديدة اشتريتها ذات مناسبة ويبدو أنني نسيتها في أكياسها ولم ألبسها.

اقراص سي دي عديدة لا اعرف ما بداخلها.

مجموعة أكواب مزخرفة عليها صورتي حين كنت في ماليزيا و في أستراليا وفي مصر وفي سوريا حين كنت مفعما بالحياة متدفقا بالأمل.

ثلاث عشرة عروسة بكامل أزيائهن موضوعة بعناية في صندوق ورقي مقوى.

تلك كانت العرائس التي رافقت طفولة ابنتي ورافقت مرحلة لهوهن ولعبهن ونموهن.

شهاداتي وشهادات أولادي من الصف الأول حتى الصف الثاني عشر تسكن في ملف جميل ومنمق.

47 رواية من روايات نجيب محفوظ كنت اعتبرها ثروتي الوحيدة انفقت عليها أيام وليال طويلة كانت صديقتي وانيستي في أوقات غضبي وهروبي من واقعي.

دفاتر تحضيري منذ العام 90 حين بدأت حياتي المهنية معلما ومازلت في نفس المجال لم ابتعد عن التعليم سوى سنتميترات فقط.

صور لممثلات ومطربات فاتنات كنت احتفظ بها بعيدا عن عيون زوجتي وتخليده ..

صحون وأكواب كثيرة وأنيقة استخدمناها ذات أعياد ماضية حين كانت للأعياد نكهة الفرح وطعم الضحكات ثم نسيناها حين نستنا الأعياد وهجرتنا الضحكات.

كتاب المستطرف والبيانوالتبين وتهافت الفلاسفة لابن رشد وحي بن يقظان لابن طفيل وقصة الفلسفة لـ ول ديورانت وعشرات من الكتب الفلسفية والنفسية الجامعية المعقدة المزعجة.  

روايات : المسيح يصلب من جديد  والشيخ والبحر والأخوة كرومازوف والجريمة والعقاب وموسم الهجرة إلى الشمال وقصص مكسيم غوركي وثلاثية احلام مستغانمي وعمارة يعقوبيان والخبز  الحافي وسلسلة مدن الملح لعبدالرحمن منيف.

وروايات عملاق الرواية السورية الراحل حنا مينه (نهاية رجل شجاع/ الياطر/ بقايا صور) وكثير من القصص التي قراءتها درجة الثمالة وتعلقت بها  درجة العشق والهيام.

نسخ ملونة للوحات رائعة لبابلو بيكاسو وسلفادور دالي وأسكار وايد لا أدري من أين حصلت عليها وكيف دخلت عالمي البعيد عن الفن القريب من الأدب.

قصص أجاثا كريستي الشيقة وحكايات إحسان عبدالقدوس المثيرة ، وروايات عبده خال وكل ما كتبه الرائع الجميل الدكتور غازي القصيبي.

سجادات جديدة أحضرتها من الحج وهدايا من مكة والمدينة المنورة لم أهدها لأحد لأنه لم أعثر على أحد كان يستحقها في تلك الفترة.

متقاعدة شبعت من شعر لحيتي وشواربي فاحتفظت بها وجمعتها للذكرى والسلوى.

ملابس بناتي موضوعة بطريقة غريبة وكأن البارحة تم غسلها وكيها ..  تذكرني بجمالهن وروعتهن.

وكأن مرحلة الطفولة عالم آخر تماما لا علاقة لها بالمراحل التي تليها.

أول حقيبة سفر اشتريتها  و بداخلها معجون إنسان منتج في العام 1993 وبقايا تذكرة سفر وبطاقة لفندق رخيص في بانكوك.

كتيبات كثيرة تحمل عنوان : كيف تتعلم  اللغة الانجليزية  في اسبوع

وأخرى تحمل عنوان كيف تتعلم الانجليزية بدون معلم وكيف نتقنها في شهر واحد.

صناديق لمساحيق تجميل زوجتي وزجاجات طلاء اظافرها المفضلة لديها والتي لم ترق لي أبدا و لطالما تجادلنا في شكل اللون ونوعه ودرجته.

ثياب كثيرة مستهلكة لا أدري لماذا لم نستطع التخلص منها لأنها تحمل رائحة من نحب ونكهة من نهوى .

ستائر غرفة نومنا التي تعاقبت على نوافذنا مع تعاقب الليل والنهار كنا قد وضعناها في كيس بلاستيكي كبير لأجل التبرع بها لجمعية خيرية ولكني غيرت رأيي خشية أن تكشف وتبوح بنقاشاتنا المحتدمة وصراخنا ومشاكلنا وهمسنا وأحاديثنا الحميمة.

صحون وأكواب وملاعق تكفي قرية كاملة مخزنة في خزانة المطبخ وكأننا سنحملها معنا إلى اليوم الآخر.

حقائب يد  لم  تتلف بعد ولم تشخ ، وإنما أنتهى زمنها وهي في ذروة شبابها .. فسبقها الزمن فتوقفت في خزانة مظلمة لطالما احترمت هيبتها وأعلت من مكانتها.

دفاتر تحضيري المدرسي القديمة ومذكراتي العديدة وشهادات تقدير مدرسية  منتهية الصلاحية وتقاريري الشهرية للمشرفين حين كان التعليم تعليما والإشراف إشرافا.

مجموعة هائلة من البومات العائلة تحكي قصة أسرة صغيرة  وجميلة عمرها ثلاثين عاما.

ومجموعة البومات أخرى لصداقاتي الكثيرة ، والتي تحمل وجوها غريبة بالكاد استطيع تذكرها وتخيلها والتي عبرت حياتي ذات زمان ثم اختفت كما تختفي أثار أقدامنا على شاطئ البحر.

يا لها من ذكريات لا يمكن حرقها وتحويلها إلى دخان وإحالتها إلى رماد وهواء.

يكفي أن حياتنا تبخرت وطارت كسحاب عابر ولم يبقى منها سوى ذاكرة مضمخة بالأشياء الحميمة ..!!

هنا خياران أحلاهما مُر كما يقولون :

إما ان أتخلص منها في اقرب برميل قمامة ..

أو احتفظ بها حتى تنتهي تأشيرة إقامتي في الحياة ويأتي أبنائي فيتخلصون منها بسهولة ويحرقونها بهدوء.

فهي رغم إنها ذكريات تخصهم ومرتبطة بهم لكنها ليست عالقة في جدار أرواحهم كما هي معي هي بعيدة تماما عن وجدانهم  ملتصقة بوجداني درجة الانغراس و الصدأ.

قررت إهداء الكتب كل الكتب إلى مكتبة صور العامة واحتفظت بكل تلك الأشياء القديمة

إنه احتفاظ مؤقت كهذا الوجود المؤقت.

تخلصت من فكرة التخلص منها فجمعتها كلها في صناديق واغلقتها بلاصق شفاف ، وحملتها معي إلى سكني الجديد كحمار يحمل أسفارا.

حملتها إلى سكني الجديد لعل أبنائي يلقون عليها نظرة  ويبحثون في طياتها عن رائحة الأبوة الأولى وعبق الأمومة الذي لا ينطفئ عبر الزمن.

من الممتع أن تكون لك ذاكرة ملموسة ..

إنها جزء من انسانيتنا..

جزء من أعمارنا..

بل هي الجزء المثير المرتعش من مشاعرنا.

من الممتع حقا أن تكون إنسانا.. متخما بالذاكرة أي نوع من أنواع الذاكرة .. ليس مهما ذاكرة معينة أو محددة..

المهم أن تكون محاطا بالأشياء التي ملأت حياتك أريجا وعبأت روحك غناء وثراء وفرح.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى