أصداءأقلام الكتاب

رجـل غـريـب وقـرار  عـجيـب !!..

الكاتب/ عـبـدالله الفارسي

 

 

رجـل غـريـب وقـرار  عـجيـب !!..

 

(إقترفت كل الجرائم باستثناء جريمة واحدة .. أن أكون أباً) !!..

إميل سيوران.

هل تذكرون حين عرضت عليكم ذات مساء قصة “رجل شجاع من مطرح” .. هذه حكاية رجل شجاع آخر ولكن شجاعة من نوع مختلف .. وبنكهة غريبة.

أحيانا تذهلك الحياة بمقابلة أشخاص غريبي الأطوار .. فريدي الصفات .. مزاجيّي المواقف .. مدهشي القرارات..

شباب ولكنهم أصحاب عقول .. يمكن أن

نسميهم  فلاسفة .. أو أشباه فلاسفة .. أو يمكن أن نطلق عليهم بأنهم أنصاف حكماء بكل معنى الكلمة ..

إستطاعوا أن يحققوا رغباتهم في الحياة بذكاء عجيب .. وبعناد وإصرار غريب  .. 

أو بمعنى أصح إستطاعت الحياة أن تمنحهم ما أردوا وأحبوا بطريقتهم التي أرادوا.

إستطاعوا أن يعيشوا حياتهم كما يرغبون ..

ولم يلتفتوا لرأي المجتمع وثقافته .. ولم يخضعوا لأفكاره ووساوسه ..

وأعتقد بأنك حين تقابل شاباً في العشرين من العمر .. ويقول لك بأنه لا يرغب في الزواج قبل الخامسة والأربعين !!..

ولا يرغب في إنجاب أبناءٍ نهائياً !!..

فكرة كهذه لأول وهلة تعتبر  نوع من أنواع  الخبل .. وصنف من أصناف الجنون خاصة في مجتمع زواجي بإمتياز، حيث يخرج الشاب من حضن  أمه  إلى حضن زوجته مباشرة قبل أن ينضج عقله ويستوي عوده ..

مجتمع لا يتقن شيئا سوى الجنس والأكل .. مجتمع تكاثري يتباهى بالتلقيح وبالأنجاب .. ويتفاخر بالطاقة الذكورية والفحولة .. مجتمع يعتبر الأعزب إنساناً ناقصاً ومريضاً وأحياناً شاذاً..

فحين تجلس مع شاب يافع وسيم وأنيق في العشرين من عمره .. وتسمعه يصرح لك بكل ثقة  ووضوح واتزان بأنه لا يرغب في تأسيس أسرة أبداً .. وأنه يرغب في الاستمتاع بحياته حتى الخامسة والأربعين ..

وأن مصطلح “الأسرة” محذوف من حياته في العشرين سنة الثانية من حياته .

ويؤكد لك أنه إذا ما قرر الزواج بعد الخامسة والأربعين فإنه لا يرغب مطلقاً في إنجاب أبناء .. وأنه سيتزوج من امرأة عقيم .. أو امرأة تجاوزت مرحلة الإنجاب .. أو من إمرأة أنجبت وانطفأت شهوة الإنجاب لديها..

حين تسمع هذا التصريح من شاب .. تتركه مباشرة .. وتسخر منه سخرية عظيمة .. وتقول له : (أنت حتماً  مجنون أو مخبول) .. ثم تتركه وراء ظهرك .. كأنه لا أحد .. كأنه لا شيء..

ولكن تكتشف بعد أن تلتقي معه بعد  ثلاثين عاما  من هذا الحوار؛ بأنه كان العاقل الوحيد الذي قرأ الحياة بشكل صحيح .. وفهم سطورها بطريقة مذهلة .. وفريدة..

في شهر ديسمبر من العام الماضي..

كنت في العاصمة مسقط .. لا أدري لماذا دائماً أهرب من مدينتي صور  إلى مطرح  لأتسكع  في  ذلك السوق الذي كان يسمى ظلماً سوق الظلام .. في الحقيقة إنه سوق النور والضياء فلقد أخبرتكم بأنه المكان الذي أعثر فيه دائماً على مفقوداتي الثمينة .. وأصادف فيه صداقاتي ومعارفي القدامى..

إنه المكان الذي يقدح قريحتي .. ويشعل شمعة قلمي بسهولة ويسر وانطلاق..

في العادة أحب زيارة ذلك السوق لعلي أحظى بموقفٍ يحفز قلمي على الكتابة .. أو منظرٍ يجبر قريحتي على  الإنشاء والبلاغة .

وغالباً لا أبحث عن شيء محدد .. وإنما أتسكع هنا وهناك لأقتل الضيق .. وأحرق الوقت .. وأخمر عجينة السطور..

كنت في ذلك اليوم  غاية في التهلهل .. والترقّع .. والإندثار .. والترنح..

وفجأة فاجأتني الصدفة بمقابلة إنسان جلست معه منذ ثلاثين عاماً..

كنت قد جلست معه لمدة ساعتين فقط في إحدى أيام  العام  1988 في سوق  السيب .

هو عرفني مباشرة .. وناداني .. وأنا لم أعرفه .. إلا بعد أن قال لي .. (لقد جلسنا معاً في مقهى في السيب وتعشينا مع بعض  ألا تذكرني ؟؟)..

فلم أتذكره..

ولكنه ضحك .. وقال ألا تذكر شخصاً قال لك بأنه لن يتزوج إلا بعد الخامسة والأربعين !!..

هنا اشتعلت ذاكرتي الواهية المنطفئة .. واستقيظت خلايا عقلي الميتة .. الخاملة .

وبدأت أتذكر هذا الشاب الذي سخرت منه  في تلك الجلسة حين  قال لي بأنه لن يتزوج قبل الخامسة والأربعين .. وتذكرت أيضا عبارته الأخطر أيضاً حين أكد لي بأنه سيبحث عن امرأة لا تنجب .. لأنه يفضل مواصلة الحياة بدون أبناء !!..

ثم فجر في وجهي عبارته التي مازالت تشتعل في ذاكرتي :

(ظهري ضعيف لا يقوى على حمل أبناء والركض بهم في هذا الواقع المرير) !!..

سحبني من يدي بكل حنان وشوق ولهفة وكأنني أخوه الكبير .. وأسكنني في مقعد صغير أمام مقهى حقير .. وطلب لي شاياً وخبزاً وعصيراً..

حقيقة .. حين تُصادِف إنساناً لم تراه منذ ثلاثين عاماً .. يقتحمك فضول للقبض عليه والثرثرة معه..

ومعرفة أخباره .. والإطلاع على سيرة حياته .. والوقوف على مغامراته وسماع إنتكاساته..

إننا نعشق سماع سيرة حياة من نتعرف عليهم..

يسيل لعابنا لمعرفة أسرارهم .. ونجاحاتهم .. وسقطاتهم  وإخفاقاتهم..

فكل إنسان يحاول أن يَطّلِع على سيرة حياة الآخرين …  ليصنع  مقارنة واهمة بينه وبين نفسه .. وليعزز  نفسه بكل أصناف الكذب والتحايل على الذات .. ويقول لنفسه سراً : (الحمد لله .. حياتي كانت أفضل من حياته هذا الرجل  .. أنا الأفضل !!)..

حيث لا يمكن المقارنة بين حياتين .. أو بمعنى أدق لا يمكن المقارنة بين قدرين !!..

فالأقدار قضايا محسومة من السماء وليس من المحبب مقارنتها أو تحليلها..

وكما يقولون : الذكاء  والحذر  لا ينجيان من القضاء و القدر..

ولكننا نلجأ لمثل هذا النوع من المقارنات لأنها من أهم طرق التحايل على الذات، وأنجع وسيلة من وسائل ترميم الإنتكاسات الحياتية، وعلاج الإنكسارات النفسية..

المهم..

أذهلني الرجل فعلاً .. فقد كان أنيقاً .. صحيحاً .. معافاً .. ومتألقاً .. ينضح سعادة .. ويتدفق ألقاً وزُهُوًّا .. وكأنه في بدايات الثلاثين من العمر .. بينما كان في الحقيقة في عامه الحادي والخمسين .. كنا في العمر نفسه تماماً..

و كنت أمامه كأنني في مرحلة أكبر .. وعمر أبعد..

إنها عوامل التعرية الحياتية و المجتمعية التي تضرب الوجوه .. وتحطم الصدور .. وتهشم الأفئدة !!..

الذي لفت نظري ورفع معدل الذهول وطبعه في وجهي .. حين قال لي بأنه لم يتزوج إلا منذ خمس سنوات بالضبط .. أي حين بلغ الخامسة والأربعين!!..

يا إلهي..

كيف استطاع هذا الرجل تحقيق هذه الرغبة الصعبة العنيفة المزعجة .. المؤلمة ؟؟!!..

كيف إستطاع أن يقاوم الفطرة البشرية ؟؟!!..

كيف أنتصر على أوامر المجتمع وطقوسه وخرافاته ؟؟!!..

فسألته :  كيف فعلتها ؟!.

رشف رشفة قوية من شايه .. ثم ألقى أمامي محاضرة فلسفية وجودية عميقة لم أسمعها من قبل في حياتي من أي أستاذ جامعي خلال سنوات دراستي للفلسفة..

ولم أقرأها حتى في مساقات الماجستير المتعلقة بالإرشاد النفسي وعلم النفس السلوكي..

قال لي : عشت حياتي طولاً وعرضاً..

سافرت إلى أكثر من ثلث دول  العالم..

لم أضع المرأة في قلبي مطلقاً .. وحذفتها من رزنامة أفكاري، وأبعدتها من هواجسي ومخيلتي..

إستهلكت حياتي استهلاكاً لذيذاً .. ممتعاً .. و رائعاً..

رياضة .. متعة .. سفر .. لا رقيب ولا حسيب سوى نفسي..

لا أقول لك بأني كنت نظيفاً عفيفاً  طاهراً .. لا  ..

فلا أحد طاهر  في المجتمعات البشرية..

يستحيل أن تكون نظيفاً في مجتمعات مليئة بالشهوات والمغريات  والإنحرافات..

 ولكن لم تكن المرأة شيئاً مهماً في عقلي .. مازالت لا تحدث في نفسي ذلك الصخب الذي يدمر الرجل .. ويسلبه حريته وكرامته، ويمرغ أنفه في التراب !!..

فقلت له : وهل تزوجت من  إمرأة عقيم ؟؟..

فقال نعم..

 لقد تزوجت من إمرأة عقيم كما خططت..

لقد تزوجت من إمرأة طيبة جميلة .. تطلقت بعد أن تأكد  عقمها وجفاف رحمها..

لقد بحثت عنها سنتين كاملتين في عدة ولايات حتى عثرت عليها في ولاية بعيدة جداً عن مدينتي..

وكأنها كانت تنتظرني..

وكأن الله قد حدد وقت لقاءنا..

لقد أطفأت لهيبي .. وأدفأت فراشي .. وآنست وحدتي..

وهاهي معي واتمنى من الله أن ترافقني البقية الباقية من حياتي..

قلت له : وكيف تستطيع الحياة بدون أولاد .. الأبناء زهور الحياة ورحيقها..

إنهم زينتها وجمالها وألوانها..

ضحك بكل ألق وجمال وقال : أنا عشت في أسرة كبيرة .. سبعة إخوة وأربعة أخوات .. وأنا كنت أصغرهم..

كلهم متزوجون .. ولديهم من الأبناء العدد الكثير و الوفير ..

نصفهم يقولوا لي “عمي” .. والنصف الآخر يدعونني “خالي”..

كنت أراقب الجميع بعين الدارس .. وعقل الباحث..

لقد رأيت معاناة إخوتي .. لقد شاهدت ألمهم ..

لقد سمعت وجعهم وأنينهم وغضبهم وصراخهم ..

ولمست إذلالاهم وشقاءهم  وانحناءهم لزوجاتهم وأبناءهم..

رغم سعادتهم المفتعلة والمصطنعة لكنهم في الحقيقة كانوا تعساء .. ورغم فرحهم المختلق لكنهم كانوا  أشقياء..

إنها عملية نفسية معقدة جداً لا يمكن تحليلها بسهولة..

كنت أراقب وضعهم .. وأجس نبضاتهم ..

لقد سَخّروا كل حياتهم لأجل بيوتهم وأسرهم ..

لقد استهلكوا  كل أعمارهم في تربية أولادهم .. ومازالوا يحرقون أعصابهم لأجلهم .. وربما يموتون فَجْعاً وألماً بسببهم..

لم يعيشوا لأنفسهم أبداً .. وهذا ديدن كل الأباء المخلصين 

كانت حياتهم تحذيراً وإنذاراً كبيراً  لي .. ولذلك اتخذت قراري منذ فترة طويلة جداً..

لا أرغب في أن أعيش تجربة أحدهم مهما كانت ممتعة ورائعة..

أنا لست قوياً كفاية كإخوتي لتحمل تبعات أبناء .. وتربيتهم .. والشقاء والذوبان من أجلهم .. واللهث وراءهم .. والإحتراق خلفهم  ..

فعلا .. أنا غير قادر على ذلك .. 

لا أرغب في الإنحناء من أجل أبناء لا أعرف ماذا سيقدمون لي .. 

لا أتمنى الركوع والإذلال من أجل أطفال لا أضمن برهم .. ووفاءهم .. كما لا أضمن حياتهم ومرضهم وصحتهم ..

ولا أطيق القلق والفزع على مستقبلهم .. وألمهم وشقائهم..

لا أحتاج إلى أبناء يدعون لي في صلاواتهم .. وسجداتهم..

لا أحتاج إلى أبناء ينحنون لي ليناولونني حذاءي البالي .. ويضعونه في قدمي المرتعشة..

لا أحتاج إلى أبناء يدفعون من جيوبهم صدقة تطهرني من الذنوب والخطايا ..

لا أحتاج إلى أبناء يمنحونني تأشيرة دخول إلى الجنة  ..

أنا لا أرغب في بقاء إسمي حياً .. ولا أتمنى لسلالتي النادرة  الانتشار والاستمرار والسيلان والتدفق  .. 

أريد ان أعيش لنفسي فقط .. وأموت بنفسي ..

ثم ضحك وقال عبارة عجيبة .. قال : (العمر قصير جداً جداً يا صديقي لا يكفي لصرفه وتوزيعه على أسرة وأولاد)..

ثم أستأنف : الحمد لله .. حققت رغبتي .. وأمنيتي .. وأنا أعيش أجمل أيام حياتي مع زوجة لا تنجب ..

فأنا كل شيء في حياتها .. أنا إبنها وزوجها ..  وهي زوجتي وابنتي وكل ما أنتمي إليه في هذه الحياة..

عشت أعواماً قبل وصولها .. 

طائراً حراً .. طليقاً .. سريحاً..

ومازالت أجنحتي طويلة وطليقة .. أحلق بهما كيفما أشاء..

ويكفيني كلمة “عمي” و “خالي” .. لإطفاء غريزة  الأبوة  في داخلي .

يكفيني سعادة يا صديقي أنني أنام ولا أفكر في إبن يتألم وهو يلهث في الشوارع كل صباح باحثاً عن وظيفة أو إبنة تدرس وتتخرج ثم تجلس خائفة من شبح العنوسة وتنتظر زوجا يقرع بابنا .. أنا لا أحتمل كل هذه الأحمال يا صديقي ..

صَمَتَ محدثي ليكمل إحتساء الشاي .. وازدراد القطعة الأخيرة من خبزته الأخيرة ..

ثم نظر إليّ بعينين واسعتين كأنهما  سحابة حُبْلى بالماء والفرح .. ليكمل صمته ويواصل وجومه..

إذن كان ذلك هو سر قوته .. وصحته .. وعافيته !!..

لقد أقنعتني فلسفته .. وأذهلتني حكمته ..

و (كل ميسر لما خلق الله)..

البشر عقول مختلفة .. وأفكار متباينة .. واعتقادات متنوعة  ..

ولكل إنسان مطلق الحرية في التفكير والاعتقاد بما يشاء..

في الوقت الذي نلهث ونتعذب فيه نحن الآن من أجل ضمان مستقبل أبناءنا .. والقلق على غدهم الغامض ومستقبلهم المجهول..

هو يقف في الجانب الآخر من النهر .. إنه في منأً تام من هذا الصنف المؤلم من التفكير ، وبعيد كل العبد عن هذا النوع من الأرق و العذاب..

هو .. فضل أن يعيش حراً طليقاً .. لا يخضع لزوجة .. ولا يلتزم بتربية أولاد .. ولا  يخضع لأسرة .. ولا ينحني لرغبة إبن أو معاناة إبنة .. 

وقد استطاع أن يغذي هذه الرغبة في أعماقه منذ سنوات شبابه الأولى .. لذلك نجح في الإنتصار على غريزة الأبوة الراسخة في أرواحنا .. وهزمها بسهولة كبيرة..

لكن الغالبية العظمى من الرجال يفضلون القفص الزوجي .. يفضلون الاختناق .. يحبون المعاناة .. لا يحتملون وخزة الغريزة .. ولايطيقون جمرة الشهوة .. 

لذلك ينجذبون للنساء مقابل إطفاء متعة سريعة كاذبة .. إنهم يستمتعون بمبدأ المغامرة وملتزمين بقانون المقاومة .. يستعذبون الألم لأجل عيون أطفالهم البريئة الصادقة !!..

هي في النهاية أفكار .. ومعتقدات .. ووجهات نظر..

والكَيِّسُ ليس من أنجب أبناءً .. وملأ صحن البيت صبياناً وبناتاً..

بل الكَيِّسُ من فهم الحياة .. وأدرك ماهيتها .. واستطاع الإنتصار عليها .. والإستمتاع بكل دقيقة فيها .. ثم تركها غير مأسوفٍ عليها .. 

وربما صاحبنا قد فهم الحديث النبوي الشريف القائل (الولد مجبنة مبخلة محزنة) .. بشكل سطحي جداً و طبّقه بصورة عميقة جداً !!..

ويبقى قراره من وجهة نظري شجاعاً وجريئاً .. جديراَ بالإحترام ..

Spread the love
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق