أصداء وآراءأقلام الكتاب

رحـل أمـيـر الإنـسـانـيـة..

الكاتـب/ خمـيـس بن عـبـيـد القـطـيـطـي

        khamisalqutaiti@gmail.com

 

رحـل أمـيـر الإنـسـانـيـة..

فقدت الكويت وفقدت الأمة العربية وفقدت الإنسانية قائداً كبيراً نظر إليه العالم نظرة احترام وتقدير، فهو من القادة الحكماء في هذا العصر، والشيخ صباح سجل للتاريخ مواقف عظيمة إتسمت بالحكمة وبُعْد النظر وعمق البصيرة، وبروح عربية إسلامية حريصة على وحدة الأمة وقضاياها المصيرية، وبالتالي فإن الفقيد الراحل لم يكن للكويت وحدها فحسب بل فقيد الأمتين العربية والاسلامية، فقد عمت مساعيه الخَيّرة كل الدول والشعوب.

ففي الوقت الذي فرضت فيه السياسة الدولية هيمنتها على المنطقة بقي الصباح نجماً زاهراً وإسماً عظيماً حمل كل معاني الجمال والإطمئنان والآمال المشرقة، فرحم الله صباح الأحمد وجعله في روح وريحان وجنة نعيم.

عندما نراقب كمية المشاعر المتدفقة من قبل أبناء الشعوب العربية ونحن جزء منها بلاشك، يتبين لنا كمراقبين للمشهد عظمة هذا الفقيد، فقد طغى ألم الفراق والرحيل على المشهد الإجتماعي العربي والخليجي على وجه الخصوص، فالشيخ صباح لم تُشَيِّعْه الكويت وحدها بل شَيَّعَه الملايين من أبناء الأمة العربية، لما يمثله من مركزية وثقل على الساحة العربية والخليجية، فهو يمثل آخر لآليء وجواهر العقد الخليجي، وأحد أعمدة الرعيل الأول في منطقة الخليج.

لم يحمل الشيخ صباح لقب أمير الإنسانية إلّا لأن هذه الصفة تجلت في حياته وممارساته الخيرة، في مُحَيّاه وفي أسلوب حكمه وفي تعاملاته الشخصية لذلك أحبه الجميع ونعاه الجميع، وبرحيله تفقد المنطقة زعيماً كبيراً أحدث فَقْدُه ألماً في القلوب كيف لا وهو ذلك الإنسان الذي تتقدمه ابتسامته ولطائف سيرته، فظل طوال حياته موسوماً بهذه الصفات التي أكرمه الله بها حتى يوم رحيله، وهذه من نعم الله على عباده وكراماته سبحانه للرجال المخلصين المُصْطَفَيْن الأخيار، وبرحيله في التاسع والعشرين من شهر سبتمبر عام ٢٠٢٠م يكون الشيخ صباح آخر حكماء الرعيل الأول في منطقة الخليج والمنطقة العربية، ولا غرابة أن تشتعل وسائل التواصل الاجتماعي تنعى هذا الفقيد الكبير.

نحن في سلطنة عمان نرتبط بعلاقة إستثنائية خاصة مع الفقيد الراحل، نظراً لارتباطه الكبير بعمان، وزياراته المستمرة للإستجمام في استراحته على بحر العرب بمحافظة الوسطى، حيث تعتبر هذه المنطقة بمثابة الإستجمام له يلتقي فيها مع كل شرائح المواطنين ببساطته المعهودة، كما أن العلاقة العميقة مع المغفور له بإذن الله جلالة السلطان قابوس – طيب الله ثراه – شكلت عمقاً شعبياً وارتباطاً اجتماعياً ومحبةً له بين أبناء الشعب العماني، بل إن العمانيين وكغيرهم من أبناء المنطقة، يدركون الأدوار الجليلة التي قدمها الشيخ صباح من أجل وحدة الخليج، وخاصة في إبعاد شبح التوترات بين الأشقاء بدول مجلس التعاون الخليجي، وقد استطاع الشيخ صباح فعلياً توظيف تلك الإستثنائية والمكانة والشخصية والدبلوماسية والحكمة، في لملمة التشظي السياسي في منطقة الخليج الذي عكر المزاج الشعبي قبل الرسمي في السنوات الأخيرة، واستطاع الشيخ صباح دَرْءَ مواجهات كانت قاب قوسين أو أدنى من اشتعالها بين الأشقاء، فجزاه الله خير الجزاء بما أسهم من جهود في حقن دماء الأشقاء، ولم يكن لها إلّا الصباح الذي تنشرح القلوب بلقياه، ويعبق الجو بمحياه عليه رحمة الله.

العرب سيتذكرون موقف الكويت الصامد ضد التطبيع مع الكيان الصهيوني، رغم كل الضغوطات بقيت الكويت ثابتة كمدرسة عربية حافظت على نهجها القومي الثابت متكئة على إرث من المبادئ العربية الأصيلة، وذلك بالوقوف مع القضية الفلسطينية، فلم تفلح كل الضغوطات ولم تجرؤ بعض القوى الدولية فرض نفوذها على الكويت لدوران عجلة التطبيع في المنطقة، وهذا ليس غريباً على الكويت، لأنها تحمل أمانتها التاريخية والقومية تجاه قضايا الأمة، ولأن شخصية الصباح كانت صَمّام الأمان نظير مواقفه الثابتة، ولما يمتلكه من ثقل دبلوماسي، وخبرة في التعامل مع مختلف القضايا الدولية، كما يحسب للشيخ صباح أيضاً ربط مصالح بلده بمختلف الإتجاهات الدولية، فلم يختزل علاقات بلده في محور واحد تَوَخِّياً للسلام وحفاظاً على السيادة الوطنية، بل ربط بلاده بعلاقات جيواستراتيجية مع العملاق الصيني من خلال شراكة اقتصادية كبيرة، وهذا يعتبر استشرافاً للمستقبل، لذلك بقيت الكويت رقماً هاماً وصعباً في نموذجية العلاقات الدولية، وهذا النهج الحصيف الذي بناه الشيخ صباح مهندس الدبلوماسية الكويتية خلال (4) عقود، لاشك سيمثل إرثاً هاماً للسياسة الكويتية خلال السنوات القادمة.

اليوم يرحل أمير الإنسانية ونقول : هنيئاً لمن أحبته جميع الشعوب، وسار على نهج قويم وحكم رشيد، فملأ حياته بالخير وتبدّا على محياه الإيمان، وسبقته سيرته العطرة إلى دار البقاء، وهنيئاً لك يا صباح الخير، وجمعنا الله بك في مستقر رحمته وفسيح جناته، إنا لله وإنا إليه راجعون..

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى