أصداء وآراءبأقلام الكُتّاب

رفقاً بالقوارير !!..

الكاتـبة/ رحمـة بنت مبارك السـلمانـي

 

رفقاً بالقوارير !!..

 

غالباً ما يكون لديك صديق حقيقي قريب جداً إلى قلبك يحبك لذاتك، يشاركك أفراحك وأتراحك،  سعادتك وتعاستك، نجاحاتك وعثراتك، انتصاراتك وانتكاساتك، تحكي له تفاصيل يومك بدقة وينصت لك باهتمام دون ملل وتهمس له بأسرارك فيكتمها، يعرف عنك كل صغيرة وكبيرة كما يعرف نقاط ضعفك وقوتك ويتقبلك بكل محاسنك وعيوبك بخيرك وشرك، يعينك على التغيير إلى الأفضل هذا الصديق هو فعلاً من يستحق أن تتشبث به جيداً جداً؛ لأن وجود أمثاله أصبح نادراً، ففي المقابل هناك صديق وهمي فحتى الصداقات في الوقت الراهن أصبحت لمصالح وأهداف فهناك من يصادق للشهرة والسمعة، وآخر يصادق فلان لمظهره وآخر لهدف مادي وآخر للحصول على وظيفة وآخر لشيء في نفسه، فقد تكتشف بعد فترة من الزمن أن فلان قد صادقك لمصلحة ما وعند انقضائها اختفى فجأة وبدون أي مقدمات أو أعذار.

ما أجمله حين يكون ذلك الصديق هو نصفك الآخر زوجك وشريكك في الحياة، كم سيكون حجم التغيير الذي سيحدثه إن كان الزوج صديقاً حقيقياً وفياً ومخلصاً، لا يمكن أن تغيره السنون أو تعصره ظروف الحياة وتقلباتها، شريكاً في الخير والشر في الأيام الحلوة والمرة، شريكاً بكل ما تحمله هذه الكلمة من معنى، بالطبع ستصبح الحياة أجمل وأسهل مما تتصور وستهون عليك الكثير من الصعاب والمشكلات وستواجه العالم بابتسامة عريضة وصدر رحب ومحبة عارمة وقوة عجيبة، وستشعر معها بجمال الحياة لجمال ولطافة من يشاركك هذه الحياة.

لكن حين يكون الزوج في عالم آخر ومتبرئ من جميع مسؤوليته، وملقي بها على كاهل زوجته التي تذهب للعمل ثم تعود للمنزل لتواصل عملاً آخر أكثر إرهاقاً، وتمارس جميع المسؤوليات الملقاة على عاتقها شاءت أم أبت، راضية أم ساخطة، مرتاحة أو منهكة، سعيدة أم حزينة، بغض النظر عن ما واجهت طوال يومها من مشاق ومتاعب، لتنهي واجباتها وأعمالها المنزلية سريعاً؛ حتى تستقبل زوجها كالملك على كرسي العرش والذي يهاجمها بطلباته وأوامره اللامتناهية كخادمة أو جارية وهي تبتسم رغم ما تعانيه وتقدم له صنوف الولاء والطاعة، ثم بعد أن ملأ معدته بأصناف الطعام والشراب وأخذ قسطاً من الراحة خرج بصحبة رفاقه متأففاً متهكماً شاكياً باكياً “ما هذه الحياة البائسة.. ما هذه الزوجة المملة”؟!.

ذلك الصنف من الرجال يعي جيداً ولكنه يتناسى أن الحياة الزوجية شراكة، وأن الزوجة ليست آلة بدون أحاسيس أو مشاعر هي أيضاً تشعر وتتألم وتتعب وتمرض وتضعف وتحتاج للمواساة، فهي تحتاج من يعينها على أعباء المنزل ومسؤولياته ويقدم لها يد العون ويشاركها ويشعر بها، كل ذلك سينعكس تأثيره على الحياة الأسرية والزوجية، حتى لو لم تكن المرأة تعمل يكفي أنها تقوم بالأعمال المنزلية طوال اليوم في بيتها، فهي أيضاً ليست بالمهمة السهلة خاصة في حال وجود أطفال، فهي لا تملك عصاً سحرية لتتمكن في لمح البصر ودون جهد من تلبية الطلبات وإنجاز المهمات، وليس في حوزتها الفانوس السحري لتحقيق الأمنيات.

عندما تصل العلاقة الزوجية أو الرباط المقدّس إلى طريق مسدود بعد سنوات من العشرة اعلم أن أحد الطرفين هو من كان دائماً يقدم التنازلات والتضحيات دون الآخر، وفي المقابل لم يحصل على أي تقدير من الطرف الآخر، بل على العكس تعرض للإهانة والذل والتهميش، لذلك قد نفذ صبره وطفح الكيل وخرج الوضع عن السيطرة وفي الغالب تكون المرأة هي الضحية والخاسر الأكبر، التي تكون قد خسرت صحتها البدنية والنفسية وعمرها ومالها.

منذ فترة تابعت إحدى المسلسلات الخليجية التي أبدع فيها البطل بتقمّص شخصية الرجل المستبّد الذي يمارس ألوان التعنيف ضد المرأة، والذي من المفترض أن يكون هو السند والأمان والراحة، إلا أنه كان مصدر الازعاج والخوف والقلق الدائم والمثير للمشاكل والمدبّر للمكائد، وللأسف في الواقع هناك قصص حقيقية أشد قسوة وأكثر مرارة من مَشاهد ذلك المسلسل، فلكوننا مجتمع ذكوري من الدرجة الأولى وبحجة التعلق بالعادات والتقاليد السادة، ورغم أن المرأة تعمل وقد تكون هي العائل الوحيد للأسرة أحياناً وهي السائق والمربي والمعلم وملبي الطلبات ومحقق الأمنيات وغيره، إلا أنه لا زالت هناك نساء يُعنّفن ويُسلبن بعض حقوقهن، ورغم التطور والتقدم الذي نعيشه في الوقت الراهن، إلا أن المرأة والنصف الآخر من المجتمع لا زالت تتعرض لأصناف التعنيف والإساءة الجسدية واللفظية والنفسية، فهناك الكثير من النساء اللاتي يعشن في الواقع قصص معاناة ويتعرضن باستمرار لتجارب مريرة من التعنيف، تحت شعار “الرجال قوامون على النساء” ولكن لا يتسع المقام لسردها، إذ أن تعنيف المرأة مهما تنوعت أشكاله واختلفت طرقه فهو يُعد جريمة في حق الإنسانية.

التعنيف النفسي هو أحد أنواع التعنيف وقد يكون أشد تأثيراً من غيره؛ لكون تأثيره تراكمياً لا يظهر جليًا بل يكمن خفيًّا إلى أن يزداد الوضع سوءاً وينفجر البركان المتأجج ثائراً، فحين لا تجد المرأة الحب والاهتمام والعطف والاحترام، أو على الأقل بعض الألفة والانسجام، يمكن أن يكون ذلك تعنيفاً نفسياً يتسبب في الكثير من الحرمان والأذى العاطفي لها، وقد تُسلب المرأة أبسط حقوقها وتنتزع منها بالقوة كراتبها الشهري مثلاً، إذ أن هناك زوجات وأخوات وأمهات يسلبن رواتبهن مرغمات، أو بعض أملاكهن العينية أو العقارية أو نصيبهن في الميراث أو حتى حرمانهن من أطفالهن، أو منعهن من زيارة أقاربهن، متذرعين بأنهن لا يحسنن التصرف بحكمة، وقد قال الله تعالى في الآية التاسعة عشر من سورة النساء: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا ۖ وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ ۚ وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ ۚ فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَىٰ أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا)، ومن أشكال التعنيف أيضًا حرمان الفتيات من الزواج بقصد استغلال رواتبهن، وكذلك منعهن من إتمام دراستهن بتزويجهن رغماً عنهن وبدون رضاهن، وإجبارهن على التخلي عن أحلامهن وتهميشهن بحجة تافهة وهي أنهن ناقصات عقل ودين، فرفقاً بالقوارير.

عزيزي الرجل..

إنه زمن صعب رغم التسهيلات الجمة التي تملأ حياتنا وبيوتنا، فقد كثرت فيه المشكلات والخلافات وتباعدت بين الأحبة المسافات، ولتعيش حياة متزنة لا بد أن تُقدر الطرف الآخر، وتبادر بتقديم بعض التنازلات لمن هم حولك، خاصة أسرتك وأحبتك فهم أولى بالمعروف وكما تُدين تدان، تغاضى عن توافه الأمور وحاول احتواء المواقف الصعبة وحولها لتحديات لتتغلب عليها وتمضي كأن شيئاً لم يكن، اجعلهم يشعرون بأهمية وجودك في حياتهم واترك تأثيراً رائعاً طيباً فيهم، كن نعمة يشكرون الله عليها ويتضرعون إليه لبقائها، ولا تكن نقمة يدعون الله لزوالها، كن رحمة تطمئن وتسكن لها قلوبهم وأنفسهم وسنداً داعماً لهم،  ستمضي الحياة ونرحل وسيبقى الأثر الجميل والأعمال الطيبة خالدة في قلوب من نحب، فرفقاً بأنفسكم ورفقاً بهن، فكن عون ولا تكن فرعون.

‫2 تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى