أصداء وآراء

رمضان وألوان .. وشيء من التونة !!..

 

الفنان التشكيلي/ يوسف البادي

 

 

رمضان وألوان .. وشيء من التونة !!..

 

كنت سأرسم الهلال في البداية ..

غيرت رأيي حينها ، حيث أدركت أن لون الهلال الأبيض لا يمكنني رسمه في لوحة بيضاء !!.

وعلى كل حال فإن بداية الرسم عند الطفل لا تكون رسم الأشياء عنده منظمة ومنطقية ، فكنت أعتقد حينها أن الأشياء المهمة هي التي تُرسم في البداية .. ولم أكن أعلم أن الأشياء المهمة نفسها يسبقها أمور صغيرة تتكون على أساسها أشياء مهمة.

جعلت لون قاعدة لوحة الرسم سوداء .. ولا أدري لماذا كنت أرسم الليل دائما باللون الأسود الداكن ، بالرغم من أن الليل يحتوي على ألوان كثيرة ربما يعجز النهار عن إظهارها لنا.

****

في البداية .. رسمت أجمل اللحظات المهمة في الليلة الأولى التي تسبق رمضان ، وكانت فترة رؤية هلال الشهر ، ولم يفتني حينها أن أرسم عدد المصلين وكان عددهم ثلاثة .. أما بقية أفراد الحارة فكانوا كلهم في مكان مرتفع ناحية الجبل ، ولا أخفيكم سراً أنني لم يكن يعنيني كثيراً أن أرى الهلال أو لا أراه .. بقدر اهتمامي بالاستمتاع في ذلك اليوم بأن لا أصلي ، وأنني أعرف أنه لن يحاسبني أحد في البيت أو غيره إن كنت قد أديت الصلاة !! ، وأنني ليراودني يقين بأنه ربما أصاب حياتنا خلل في تأدية الصلاة لأنها قامت على أساس الخوف من هذا السؤال : (هل صليت ؟!) .. والخوف من الإجابة بـ (لا) لما سيأتي من بعدها من تعنيف وضرب.

* * * *

على كل حال .. أود التنبيه أنني ندمت بعد ذلك في أنني رسمت نفسي في اللوحة وأنا أحاول رؤية هلال شهر رمضان .. ولم أكن منشغلا بتأدية الصلاة !!.

فحين أطلعت الشمج (الصهر) على اللوحة التي أعتبرها تاريخية .. سألني : (وليش ما رحت تصلي أول ؟!) .. فلم أجد إجابة مقنعة أقولها سوى أني قلت : (والله يا عمي .. أنا كنت أقوى واحد في الشّوف !!) .. فنظر إليّ نظرة شعرت أنه يقول من ورائها : ( هه .. يعني الناس ما بتصوم لو ما عيونك) .. ولا أدري إن كان هو قد رأى ما في نظري من قول حيث كنت أقول : (يعني اللي يسمعك يقول إنك يوم كنت طفل كنت تركض للمساجد !!) .. وعلى كل حال .. لم تلبث لحظات حتى افترقت أبصارنا وغيّرنا الموضوع الذي قيل الكثير منه من “تحت لتحت ” كما يقولون !!.

****

والآن .. عليّ ألا أنسى أمر صلاة التراويح الأولى في رمضان فإن لها من الجمال الروحاني ما يجعلني أتمنى أن تكون كل الصلوات صلاة تراويح .. وقد تزينت لوحتي بالكتابات التي دونتها في أماكن متفرقة من اللوحة ، كانت عبارة عن بعض من الآيات والابتهالات المتنوعة .. وتعمّدت أن أرسم من ضمن موجودات اللوحة صفّاً من المصلين كدلالة على صلاة التراويح لكي أظهر من بينهم (خلفان) وأفضحه ، حيث كان يضحك في الصلاة وكنت أصف دائما بالقرب منه .. لكني لم أكن أضحك بالتأكيد .. والله.

****

ثم بدأت في رسم تفاصيل أيام شهر رمضان .. وكان أول ما رسمته هو جلوسنا أمام التلفزيون ، والغريب أنني لم ترق لي طوال تلك الفترة فوازير شريهان ونيللي .. وقد حمدت الله أني لم أحبها فأرسمها في اللوحة فتفضحني أمام (الشمج).

أما سالم ود المقلودي .. لم يكن من المحبّبين عندي حينها حتى أرسمه في اللوحة ، حيث إنه كشف أمري من باب (اللي على راسه ريشه يتحسسها) حين قال : هناك أشخاص معنا في المسجد لا يكملون صلاة المغرب .. ونحن نقول لهم دعوا التلفزيون ينفعكم حين يسألكم ربكم عن الصلاة.

وبالتأكيد بدوت وكأن الأمر لا يعنيني ، وشعرت في ذات الوقت أنني شخص غير مفهوم .. ولم يدرك أحد مدى حبي للمسلسلات ولم يقدروا ذلك ، وشعرت أن الجميع لم يفهمني حين جعلوا موعد المسلسل في وقت صلاة المغرب عندنا .. وتمنيت أن أفطر كل يوم في مسقط لأن إفطارهم يتقدم عنا بعشر دقائق تقريبا.

****

أما التونة .. فهي الأمر الذي تردّدت فيه كثيراً حتى أرسمه في اللوحة .

وقصة التونة في رمضان .. أنها كانت الوجبة التي آكلها أو نأكلها أنا وبعض الأصدقاء خلسة في نهار رمضان ، والتي كنت أشعر بعد أكلها بالتقزز .. لكنها كانت تعطيني في الوقت نفسه لذة جميلة في الشعور أنني فعلت شيئا ما .. شيء أستطيع وصفه الآن بأنه تمرد على الأشياء.

وكنت ملتزماً برسم شكل علبة التونة الأميركية ، التي كانت رمزاً للمذاق المختلف عن كل تونة ، وربما كان يخالجني شعور بأن أصدقاءنا في الحارة المجاورة سيلاحظون نوعية التونة لهذا كنت مصراً على الرقي بنوعية الأكلات التي سيرانا أصدقاء الحارة المجاورة ، فلا أجعل لهم مجالا للسخرية أو التقليل من شأننا ، فهم سخروا منا وبشدة عندما رأوا لوحة رسمها صديقي حين جعل كل الأشجار أطول بكثير من طول لاعبي كرة القدم في فريق حارتنا .. حيث وصفونا بأننا فريق أقزام !!.

ولا أدري حينها لماذا كنا نفاخر بأننا أكلنا تونة في نهار رمضان !! ، فلماذا لم نأخذ قاعدة “تراها خربانه خربانه” .. ونأكل لحما مشويا ، أو شيئا من بقايا الأكلات التي ترمى بعد كل ليلة رمضانية …!! ، حتى الآن لم أعرف ما هو السر الذي في داخل التونة ليجعلها تتربع فوق كل الأكلات وبالذات التونة الأميركية.

وكانت تلك الفترة بعيدة عن مقاطعة المنتجات الأميركية ، لكنها في سنة من السنوات قامت حملة لمقاطعتها ، وكنا أنا وأصدقائي في غاية الالتزام بالمقاطعة .. حيث استبدلناها بالتونة الهندية.

****

وعلى الطرف السفلي رسمت جزءا من اللوحة بلون أسود ، كدلالة على انتهاء رمضان ، الذي سيأتي العيد بعده .. العيد الذي لم أعرف طعم السعادة فيه حتى الآن !!.

ولكن وحتى لا أتذكر العيد أكثر .. سأترككم في رعاية المولى العلي الكريم ، وكان الله في عون من كانت كل أيامه أعياد.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى