أصــداء منوعةثقافة ، أدب ، إصدارات

رواية وادي الرمال .. الحلقة 13..

حـمـد الـنـاصـري

 

رواية وادي الرمال .. الحلقة 13..

 

رد وليد بهدوء قائلا :

– تُريدني يا عجيب أنْ أتخلىّ عن حياة الناس في الرمال وهم الجُزء الأهم من مسؤوليتي .؟ النّاس في مجتمع الوادي سَواسية ، وكُل فَردٍ مسؤول عن نفسه كُلياً وعن غيره جُزئياً ومُحاسَب على تصرفاته وسُلوكه.. وكُلّ ما أفكّر فيه هو جُزء من احساسي بالمسؤولية تجاه الرمال .. ومهما سَفّهت أفكاري ومن معك، فستجدني صامداً كأحجار الوادي ، مُكابراً كصخور الجبال ، ومهما فعلت فلن تَفُت في عضدي ولن تُضعفه ولن تُوهن عزيمتي.

أطرق برأسه نحو حجر صغير .. ثم أردف قائلا : مَسئوليتي تجاه الرمال هيَ جُزء من مَسؤوليتي تجاه الحياة ككل ،حياة الناس جزء من اهتماماتي، فالقرية والوادي جُزءان لا يَنْفصلانِ عن الرّمال ، والحياة التي أطْلبها لهم هي الأمان للناس ، والسلام بالوادي والقرية والرمال ، وأنا على يَقين تام وعازم على الاستمرار ولنْ يتزعزع إصْراري ولا بقيد أنملة ما دُمْتُ حياً.! قال أحد الرجال مُعَقباً على كلام وليد: ماذا تقصد بقولك هذا ؟.

ـ كلامي واضح لا لُبس فيه ولا شك ولا غُموض ، فقد ألْزمت نفسي وعاهدتها بما صَرّحت به لكم ، وذلك هو قراري وردّي.!

– لكننّا لَسْنا مُضطرّين لتقبّل ما جِئْتنا به ، فطريقتنا في الحياة على الرمال كالتي عاشها اجدادنا قبل أنْ تُولد أنت بمئات السِنين ، فهل لديك من خَبر جديد .!

– الجديد في الأمر هُو التغيير الذي انشده لكم والحياة الأجمل التي وصفتها وهيَ من أجْلكم وسَتبقى غايتي وهدفي.؛

– ما الذي تنوي فِعْلهُ بالوادي؟!.. “ضحك محدّث وليد هازئاً”:

ـ أنْوي التغيير.. التغيير في حياة الثلاثة القرية والوادي والرمال ، فالتغيير يُولّد انسجاماً كبيراً بين الناس ، تغييراً لم نَعهده من قَبْل .. ذلك هو جُلّ اهْتمامي، ولكُلّ منّا بداية ونهاية .. بداية لا نسْتذكُر منها شيء ونهاية لا نعلمُها.! قال القريب مُقاطعاً : مَهلاً مَهْلاً.. لا أظُنك من بدأت الخَلق ولا مَن سَيشهد نهاية الكون ، لا تُحمّلنا ما لا طاقة لنا به ولا تأتِنا بما لم نَعهده او نتخيّله وخفّف من وقع كلماتك على عقولنا لعلّنا نسْتوعبها او نُدرك كنهها .. أنْصَحك يا وليد ألا تَنثر افكارك علينا ، فلا حاجة لنا بالأساطير والأحلام، واحفظها لنفسك ونحن لَسْنا بعيدين عما يجري حولنا ونثق كل الثقة بطريقة حياتنا وموروثنا.. ولا احد مِنّا ولا فينا يَهتمّ بأفكارك ، دَعْنا بعيداً عن أفكارك التي تَهدم ولا َتبني وابْحث لك عن مكان آخر تَنفث فيه سُمومك وتجد فيه أرضاً خصبة لخزعبلاتك.. وخُلاصة قولي أننّا في غِنى عمّا تدعوننا إليه.

تَنهد وليد وسَحب شهيقاً طويلاً تشوبه حسرة ثم أخْرجه بهدوء وعقّب قائلا : أنا ابن الرّمال وحرصي عليها قد يفوق حرصكم ولكن ما أطرحه من أفْكار أثق أنها ستؤدي في النهاية إلى الوصول إلى رخاء الحياة وسعادة الناس ، ذلك ما أنشده من حياة في الرمال الشاسعة، فأنا اعتقد أنّه آنَ الأوان لزرع الاطْمئنان للمُستقبل ويجب أنْ يَمُرّ من بوابة التَغيير وأخشى أنْ يأتي يوماً ولا يَجد الناس حِيْلة أو يكونوا عاجزين عن فِعْل أيّ شيء وفي ذلك اليوم قد يقفون مَشْلولي الفِكْر بلا قُوة ولا حول ولا ضَمان لحياة أفضل .. ما افْهَمهُ أنّ التهاون طريق النهاية وما ادركه أنّ البداية باب فيه كل التوقّعات المُحتملة وكل الدروب قابلة للنجاح او الفشل وعلى المرء الحصيف إنْ عَلِم أنه مُحِق أو مُصيب في رأيه ووجَد القُوة التي تُعينه إلى الرُشد ألّا يَنسى قومه ولا يتقاعس عنهم وعليه أنْ يمنحهم نصيبهم مما وصل إليه من الصواب والثقة ؛ والحاذِق النبيه مَن يتجنّب فِعْل الخطأ حتى وإنْ أكرهَ عليه وقلبه مُطمئن بالصّواب .! وأقول بعزم أكيد، أنّ الحياة لا تخلوا من مُنْحنيات مُقدّرة وغير مُتوقعة أحياناً وقد يكون التَغلّب عليها ضِمْن استطاعت الإنسان لكنه يَعْجز عن ادراك بعض جوانبها ..! وتلك المُنحنيات المصيريّة يكون المرء وحده المسؤول عن نتائجها.

عدّل الرجل القريب من جلسته وقد انفرجت اساريره وقال : سَلِمت قَولاً، وعلَوْت قدراً ، وأنا معك ولن أَخْذلك أبداً.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى