أصــداء منوعةثقافة ، أدب ، إصدارات

رواية وادي الرمال .. الحلقة 16..

حـمـد الـنـاصـري

 

رواية وادي الرمال .. الحلقة 16..

 

ازداد فضول الرجال ، وظلّ الجميع يَرقب وليد وهو يتخبّط عبر التواءات جبلية صَلبة . يتسلّق الأحجار ، ويَقفز من صخرة إلى أخرى .. أذاع الرّجال الخبر ونَشروه بين الناس ، بُغْية الإِساءة إلى وليد وتلفيق حكايات مَشبوهة عنه ؛ قال المهووس بمراقبة وليد : أتذكرون ما قُلت لكم ، يوم أنْ كان وليد في بدايَة حكايته ومُغامراته ، إننا لا نُريد أنْ يسير الوادي في ظلام ثم تتلوهُ مُعاناة وضيق ، لا نريد مُؤامرات تُحاك ضدّ الرجال بالليل فتتعثّر خطّتنا في النهار ، إنهُ فساد وتلاعب سعىَ إليهما وليد بأنانية فصَبّ جام غضبه على الناس وعلى الوادي كارهاً لقرى الرمال ، وفعَل ذلك لزيادة مُعاناة مُجتمع وادي الرمال؛ باسم استكشاف ومُغامرات ؛ سكتَ ثم اردف بضيق : أيها الرجال، انتبهوا .. انتبهوا ! وكلامي فيه إشارة وتحذير للذين يَنفردون بآرائهم ثم يقولون : إنها حكمة ورُشد.

قام رجل ضخم الجثة من بين المجتمعين وقال : من البلاهة أنْ يقنع الانسان نفسه برأيه دون سائر الرجال ، إنّ حديثك مع نفسك ، مجرّد فضفضة وليس رأي ولا فكر .. إني لأتعجّب من الذين يقولون ولا يفعلون .. فإياكم ، اياكم أنْ تتقلّب الالسنة بالكذب والزور.؛ وإني اخبركم .. أنه يجب أنْ ننتظر قليلاً إلى ما سوف تتمخض عنه اكتشافات وليد في الوادي ومُغامراته في الرمال ولا نُلقي خطاباتنا بلا معرفة ولا فهم ؛ توقف ثم نظر إلى الرجل الذي انشغل بمراقبة وليد : نعم أنت .. لقد القيت كلامك على عواهنه .. فقلت أنّ وليد ذو انانية فجّة وحاقد على الحياة ، عدو الرمال والوادي ؟ أأنت مُتأكد بما تقول ؛ وهل تُثبت لنا صحة كلامك وصواب توقّعك ؟ وهل تعرف معنى ومَقصد وليد وتَعِي ما تقوله عنه؟ إنه لخطأ جسيم ترتكبه في حقّ ابن الجد الكبير ، لماذا قلت بأنه يفتعل التصرّفات والسلوك ؟ انتبه ـ يا رجل ـ كلامك كبير وفيه لغط لن تستطيع تحمّله بتاتاً ، ونحن نعرف وليد حق المعرفة والمُختلف مع وليد ، في خاصيّة تغيّر واقع وادي الرمال ، وفي تجربته في الرمال واهدافها وعن سُكونه في اعماق الوادي ، كُل ذلك يُعَبّر عنه وليد بأسلوبه وطريقته ، لا يُؤذي احد ومُغامراته ـ كما يقول ـ مردّها إلى التجريب وإلى اختبار آفاق جديدة في وادي الرمال ، ثمّ ماذا يُضيرك إذا خاض وليد مغامرة في وادي الرمال أو أطلق عليها تجربة ؛ أو قال ، بأنّها خير للناس والوادي ؛ فلنقل علّها تكون خيراً ، ولن تضرّك إنْ لم يُصبك خيرها .. فلا تفتعل ولا تُكذّب ابن الجد الكبير ؟.

وأنا ناصح لك ، رغم أني مُقلع عن النّصح ، اعتزلتُ النصح ، حين قرأت ما جاء في اسطورة المجد “للجد الأكبر الأول” وحين بلغ رجال قَبْلنا بإثارة العِلْم والإدراك ، قالوا نحن نَعْلم كثيراً ، مِمّا يَعلمه الاولون ، فجاءهم القول الحسَن ، لا تَدّعون العِلْم بالشيء ، ففيه شركٌ بالقوة الأكبر ، وإنْ كنتم تَعلمون حقاً ، أروني إثارة العِلْم القويم إنْ كنتم صادقين” ، ومن مُنطلق نصّ إثارة العِلْم ، أسوق كلامي ونُصحي وأقول : خَفّف ما في قلبك والْزم لسانك عن الفِعْل القبيح .. لا تَتهم ولا تُؤذي أحد ، مهما غلظ عليك .. فالزور جُرم صغير لكن جريمته أشدّ ثُقلاً من صَخرة الوادي الطويل.

قاطعه الرجل الذي انشغل بمراقبة وليد وأخذ يُحدث الناس : راقبته ذات مرّة وهو يَتردّد على الرمال ، يَعبث ، يتأمّل ، يُناجي ، لكأنّ أمراً مُزعجاً ألمّ به ، يمسح دموعه بأطراف ردائه ، تنتفض يدهُ كريشة تُقاوم الريح ؛ رأيته يَتردد على الرّمال بلا سبب ويُغامر في أعماقها لكأنه مفجوع ؛ استوقفته : ماذا تفعل في الرمال ؟ ظلّ صامتاً ولم يُحدثني بشيء .. فأعدتُ السؤال بطريقة مُختلفة : أليس في ذلك تهلكة للنفس ؟ فردّ في ضيق : أنا أخالف رأيك ؟ فعقبتُ في الحال : لكنّ العَبث، مَسؤولية كبيرة ، ويُمكن أنْ تفتح أبواب التطرّف والحياة ليست تطرفاً ؛ ويُمكن أنْ تُوقعنا أبواب التطرّف في خطيئات نرتكبها بعلمنا وبمعرفتنا ثم نقع في التهلكة ؛ سكت ثم مشىَ ، ولم يُعقّب.

قال رجل عليه شوارب غليظة بصوت عالٍ يُساند الرجل الذي يُراقب وليد : ونحن معك ، اذهب بنا حيث شئت ؛ ولكن مُشكلتنا ليست مع وليد بل هيَ مع الجد الكبير ؟ ولو لم يكن الجد الكبير بيننا لقطعت رأس وليد في الحال ، او جئتكم به صاغراً ذليلاً .. قال الرجل ضخم الجثة بلطف : أيها الرجل الأريب لا تتحامل على وليد بهذه الطريقة ، ولا تحمل كراهيتك وغضبك عليه بسوء نيّة ، فأنت مسؤول امام الجميع ، إنْ حدث شيء بعد كلامك هذا.؟ قال الرجل الذي انشغل بمراقبة وليد مقاطعاً : وماذا عساك فاعل.؟ ألا ترى أنّ وليد به مرض وهوَس ، ألم تلحظ عليه تصرفات وسلوكيات غير مقبولة في الوادي ؟ إنه مهووس بحكايات ، لم نجد لها حقيقة في موروثنا ولا في قِيَم “الجد الأكبر” ذلك الجد الذي نقش الكلمات بأحرف من نور بصيرته “أسطورة المجد”.

قاطعه الرجل الضخم بأدب : لماذا لا نسأل الجد الكبير ونُوجّه إليه الأسئلة التي تخص وليد ومن بينها أسئلتك الحمقاء عن الرمال وسفر وليد ، واخبره بأنّ وليد يَعبث وبه هوَس وحمق ؟.

قال الرجل المُنشغل بمراقبة وليد هازئاً : ما قلتُه هو الصواب ، ولن يأتينا وليد بشيء من ذلك مُطلقاً ، ولا ننتظر من الجد الكبير كلاماً غير ما دندنَ عليه الرجال .. أقدارنا مكتوبة وكلّ شيء بمقدار والخير يأتي في وقته ؛ وأقولها بصراحة وثقة : أنا غير مُطمئن بمغامرات وليد وكلامك لا يُدهشني والجد الكبير لا يُفزعني ؛ سكت قليلاً ثم أردف : وماذا عسى أنْ يَحمله المُستقبل لنا ونحن خائفون من الجد الكبير ؟ وهل في أذهان آل الجد الكبير تغيير الرمال الجرداء إلى واحة خضراء ؟! أو تحويل بيوتنا الخربة إلى حصون آمنة ؟! .. أليس ما نراهُ بيننا قلاع مُشيّدة فوق الجبال أو على صُخور ضخمة يَصعب الوصول إليها ؟! إنها بقايا من الماضي نتجرّع سُمّ أطلالها ، نُعيد ترميمها مرة تلو المرة ، من باب الحفاظ على الموروث .. وليس هناك في الأفق ما يلوح من بوادر تُسعفنا كمخزون نطمئن إليه غير قلاع في قمم جبال صمّاء أعلى الوادي .؟ فهل نسكت ونُصورها لكأنها قِيَم من كتاب “اسطورة المجد” ونُحافظ عليها كتُحفة من خزائن الرمال.. وأعيد السؤال : لماذا ؟ أليستْ تلك المصروفات من خزائن عَرق وتعب الرجال.؟ وكان جوابه بالجهل مؤسفاً .. موتوا ببطء والألم يَعتصر افئدتكم وتبقى القلاع شامخة ؛ سكت وكأنّ ضيق بدا عليه ثم أردف : اعلم أيها الرجل الحكيم ، أنّ الشوك ليس جراحاً ولكنه ألمٌ مُستمر ، يَكبر في داخلنا ويُكدّر خواطرنا .. وإني اسألك بحق النعيم المُقيم .. لمن هذه القلاع ؟ إنها لمن يَقتلوننا في الوادي ويَحثوا الرمال فوقنا ، ويَبنوا مُستقبلهم على ظهورنا ، ويَعيشون سُعداء من دوننا ؟.

قام رجل قصير القامة وقد تقمّص شخصية الجد الكبير وحاول تقليد صوته الفخم، واسْند ظهره على احدهم ومسكَ عصاً في يده وأخذ يهزّها ويُحرّكها يسرة ويمنة : إنّ وليد ابني وأنا أعرفه ، راجح العقل ، ذو شكيمة وعزم وإصرار ، صادق النيّة لا يُؤذي احداً ، يُريد الخير للحياة والناس؟ ثم التفت عن يمنيه وعن شماله ، وأشار إلى الرجال : أخبروني ما هي تصرفات وليد بالوادي؟ حدثوني عن سُلوكه.؟ وكأنّ احد مستشاري الجد الكبير يرد :  لا نعلم عنه إلا خيراً ، وليد يُحب الوادي والرمال .. وهذا الحُب دليل على إيمانه الجازم انه يستحق.؛ إننا نعرف وليد كإنسان يُحب الخير للناس .. وفلسفته في الحياة .. فهم الناس جزء من الحياة.

ظهر رجل من بين الجمع وصرخ بأعلى صوته .. دعوا هذا الرجل ، وأشار إلى ضخم الجثة ، قال لي مرة : أنّ في الرمال مجهولين يستمعوا إلى القول الجميل ، وفي كتاب “تحفة المجد” للجد الأول ، وقرأ “استمع بعض المجهولين إلى الكلام الجميل فتوقّف قائدهم بخوف ، وجعل يستمع هو ونفرٌ منهم إلى رشْد الكلمات وقالوا ، إنه لشيء عجيب.؛ ما سمعنا قول جميل مِثْله” وحين سُئل الجد الكبير عن هذا النص ، قال شارحاً : الرُشد والرشاد إيثارٌ لمن آتاه وحيُه بحكمة وتعقّل .. ثم تلى نصاً لم نقرأهُ ولم نسمعه من احد” مَن دعاني استجيب له ومن آمن بي ، ارشدهُ إلى الصواب” .. إنه رجل كذّاب وأشار إلى ذلك الرجل ضخم الجثة .. إنه هو الكذّاب الأشِر، الذي ذكره الجد الأكبر في صحيفة المجد ؛ إنه رجل ماكرٌ مخادع .. انظروا إليه ، ضخم الجثة ، كـ فيلة الحبش ، مُفرط الشهية كجاموس بِحار السّيْل.

قال أحدهم وكان أشدّ صَلْفاً من الأول مُتجهم الوجه عابساً : لا شيخ القرية ولا الجد الكبير سوف يَنفعوننا في شيء.؟ وسيظل وليد كما هو مَهووس بمغامراته ، يتسلّق الجبال ، ويتقافز صخور الوادي ؟ وأظنكم تعرفون النتيجة ؟ قال الذي قعَد بجانبه ؟ لا ؟ ماذا هي ؟ فعقّب رجل مُناصر لوليد : أنّ وليد طيب وله أفكار لتغيير حياة الناس ومعيشهم ، يبحث عن اهداف جديدة وشاب مجتهد في سَعيه ، دقيق في معرفة تفاصيل حقيقة الغايات التي ينشدها ، فالحياة جزء من فهم مُتغيّر؟.

قال الرجل ضخم الجثة مشيراً إلى كلام الرجل المُناصر لوليد : أرأيتم ، كيف أنّ الحُزْن بادٍ عليكم فتصرّفاتكم تعبّر عن واقع سُلوك وهذا السلوك جزء من حياة الرجال ، ومخاوفكم لنْ تمنحكم الوصول إلى مقام وليد.؛

قال رجل غاضب واللعاب يتطاير من فمه: ذلك الكتاب الذي تتحدث عنه ، صار مَجد يُورّث لعائلة الجد الأول .. أو كما أشيع بينكم “الجد الأكبر” ثم ورّثه إلى الجد الكبير وفي عهدنا هذا ، سيكون وليد الوريث الذي يحقّ له أنْ يُعدّل في النصوص بل هيَ كمِيراث أزلي يُورثونها لبعضهم ؟ قال الرجل ضخم الجثة ـ ما اعرفه أنّ سلوك وليد ، ليس كما تقولون ، وإلاّ تخلّيت عنه ، ما أعرفه انه يسعى إلى تجسيد رؤية واقعية لوادي الرمال ، بَعيداً عن التعصّب وبعيداً عن الأفكار الهدامة.؛ ضحك الرجل الاحمق مستهزئاً : يا عزيزي إنّ أثر مُغامرات وليد باقية واستكشافاته الغامضة تأصّلتْ في وادي الرمال.. ونصوص الجد الكبير تُشكّل عِبئاً ثقيلاً على الوادي، رغم انّ الجد الاول “الاكبر” خلّف لنا نصوصاً مفتوحة قابلة للتأويل وقابلة للاختلاف في منطوقها ومفهومها ، ومجتمع الوادي يَعي ذلك بفهم مُتنوّر ؟ قال رجل عُرف عنه بأنه نصير الضُعفاء ، ويُدافع عن استحقاقهم بالوادي والرمال : كتاب تُحفة “المجد” للجد الأكبر ، تدعوا نصوصه إلى الوقوف صفاً إلى جانب المُسْتضعفين في قرى الوادي لكي يكونوا أقوياء بعزتهم وشموخهم، وكذا ذوي الحاجة والفاقة فهم يمتنعون اعتزازاً بأنفسهم وكرامتهم ؛  توقّف قليلاً ، ثم أردفَ : وذلك ما أدعوا إليه أيضاً ، وسأقف إلى جانب سيدي وليد ، لإيجاد مخرج لخلق مُستويات لعلاقة الناس ببعضهم لأجل حياة سعيدة في وادي الرمال ، وسأعمل جاهداً لتفعيلها بمكاسب نظنّها خير من دناءة الحاجة.؛ ثم قرأ نصاً آخر من كتاب تحفة المجد “أولئك النفر من الناس هم القوة في يوم عزة الرجال ، رجال لا تُلهيهم ترف ولا مرح ولا يشغلهم لُعب ولهو .. رجال يُحبون جميل الحياة ، أولئك لهم حُسن الأثر”.

قال رجل قعدَ إلى جانب قارئ نصّ “تحفة المجد” الناس في وادي الرمال مصائر مُشتركة بينهم رجال يجتهدون في تكوين مُستقر لهم ، لم يُخلقوا بعقول مُتساوية ولا بأفكار مُتكافئة ، لكن مصائرهم يجب أنْ تتقارب وإن اختلفتْ.

عقّب الرجل الضخم : وليد مرجع لكلّ رجال وادي الرمال وقد أسماهُ الجد الكبير بـ سيّد القرية ؛ أيّ أنه سيرث جدّه في إمارة الوادي وسيكون مَلكاً على الرمال.

وقف رجل طويل القامة ، ذو شُعيرات شقراء على لحيته وشواربه ، وأردف : أجبني بصريح العبارة دون فلسفة وبلا تنظير ، لماذا لم يتزوج وليد ؟ ولماذا رفض ابنة عمه .؟ أليستْ هي خير وأبقى من تعاسة المُغامرات وتقافز الجبال .. قل لي بربّك ماذا جلبتْ لنا المغامرات غير الفساد ، كل الاكتشافات التي افتعلها وليد صادمة ، خيرها يَكمن في مزيد من اللّهو واللُعب وهدر مقصود للوقت والمال.؟ عقّب الرجل الذي عُرف بأنه نصير المُستضعفين في الرمال : المسألة ليست بتلك الصدامات التي تُنَظّرون علائقها بأفكاركم وتطبخونها في عقولهم ولكني أجزم أنّ وليد انشغل بالمغامرات لأنه وجد فيها ضالته .. ولا أرى في ذلك تخوفاً على الرمال او قلق على مُجتمع الوادي ، إنما ذلك الفِعْل فردي لا يَصِل إلى الخطر أو إفساد الحياة ؟ ولكي لا نُجحف حقه الانساني ، كان من فوائد اكتشافاته في الرمال : حضور الطمأنينة بشكل لافت ثمّ عادت إلينا بالعِبَر والعِظات بين الرجال؟، ومن أهم الخصال الحميدة الكامنة في ذات وليد ، انه يحمل صِفات جميلة كأبيه، فلا يأتي بفحش الكلام ، ولا بسيئات الاخلاق ، يُحافظ على قيم الوادي وعلى ثوابته الأساسية بل وفي كثير من المواقف نجده يحثّ عليها ، ويعتبرها فيض كبير على الناس والحياة ؟.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى