أصــداء منوعةثقافة ، أدب ، إصدارات

رواية وادي الرمال .. الحلقة 18..

حـمـد الـنـاصـري

 

رواية وادي الرمال .. الحلقة 18..

 

انتابت القوم الشكّوك حول ردّ الجد الكبير الحاسم والمُفاج والذي أطاح بأحلامهم في إدانة وليد ، فانتبذوا مكاناً قصياً ، وبادر رجل منهم ، عَقِب حديثهم مع الجد الكبير قائلاً : هل تلكم ، كانت اقصى أمانيكم من مشورة الجد الكبير ، فيا ليتكم مُتّم قبل هذا ولم يَبقى لكم أثراً فبعد كل إرثكم وكبريائكم يغلبكم رأي رجل واحد.؟! يا لبؤسكم ..؟! قال أحد الذين اختلفوا مع كبير القوم : اتضح لي أنّ أحدكم أطلق الأسئلة غير المناسبة وتفوّهَ بكلام فيه هَزء وسُخرية .؛

زلزلتْ تلك الكلمات نفوس الرجال وذعروا ، فقال أحدهم : هل كانت كلماتنا ، القشّة التي قصمتْ ظهر البعير وإذا كان الأمر كذلك ، فالويْل كل الويْل للرجال من آثار تلك الأسئلة .؟ وهل ستعود عليهم بالحسرة والندم بقدر ذلك التفريط .؟ وكيف.؟ تحدّث كبير الرجال بتهكّم وغضب : تباً لك اسكت وإلاّ اقتلعت لسانك وكسرت أسنانك.؛ تهامس بعض الرجال مع بعضهم : ما بال الجد الكبير .؟ ولماذا انْحاز فجأة إلى وليد رغم أنّه أحدث في الرمال حدثاً مُريْباً؟ لماذا يُجادلنا في أمرِه ؟ ولماذا يُدافع عنه بقوة.؟ فهل كان يَعلم ما يَفْعله وليد؟ لماذا لا يُصدّقنا.؟ ألسْنا عشيرته وأقربائه وتصديقنا واجب عليه.؟ قال رجل يُدعى ابن القريتين : صحيح .. كان ردّ الجد الكبير ثقيلاً علينا .. وحقاً قد استغربتُ من أمره ، وودتُ أنْ أرد عليه، فأقول إنك يا جدي في ضلال مُبين ، فانا لم أعد أخشى شيئاً أو أحداً فنحن عُصبة ؟. قال رجل متجهم الوجه : صه .. فأنت من الناس الذي لا تستطع أن تعيب أحداً .. فالعيب يكسوك من رأسك إلى أخمص قدميك ؟ اسْكت ، ووضع سبابته في منتصف شفتيه في إشارة له بالصّمت: نحن رجال خَبرنا الحياة وسِرْنا في الرمال وسبَرنا الأغوار وكهوف الجبال وعرفنا ما خفيَ في الأودية وأكل الدهر منا وشرب فلا أنت ولا الذي أمثالك يَعلمون جوهر الحقيقة كما نعرفه نحن .؟ قال رجل آخر قد ابيضّت لحيته مُستهزئاً بإبن القريتين : فأنت خير من هؤلاء ، كأنما تتحدّث بلسان رجال القريتين ، أليس كذلك .؟ تساءل رجل قصير القامة وأومأ برأسه إلى الرجل المتعصّب : لماذا سُمّي بـ إبن القريتين.؟ التفت إليه وهو ينظر بغضب ، واضعاً يده على فمه وفتح جزء من باطنها كأنه يُخرج كلاماً خطيراً وهمس : حكايته غريبة ومُدهشة .. هيّا نخرج عن الرجال وسأحدثك بتفاصيل الحكاية ..

خرج الرجلان وسارا خطوات مَعدودة والتفت مُحدثاً صاحبه : يُقال إنّ أباهُ من القرية العتيقة وقد ذهب إلى القرية المكينة والتي تفصلهما سلسلة من الجبال الضخمة المُهيبة وتزوّج الرجل من القرية المكينة بإمرأة في عقدها الثالث ، هي أمّ هذا الوقح، وقِيْل ـ أيضاً ـ أنها تزوجت من رجل قَبْله بثلاث سِنين ثم انتشرت إشاعة عنها بأنها كانت سبباً في قتل زوجها الأول، ولم يُنفّذ القصاص في حقّها ، لأسباب غامضة ، يَذكرها بعضهم ، أنّ القاضي الذي قضى في تلك الحادثة انقذها بخطة مُدهشة ، فبعد أنْ أمْر بالقصاص ، اتّفق القاضي مع الرجال لتنفيذ الحُكم ، على أنْ تُحرق في بيتها وتُضرم النار فيه ليلاً ويُحاط البيت برجال أشدّاء ، خشية هربها او قتلها .. ولكن ذلك لم يحدث ، فوجدتْ في بيت رجل سَيء السُمعة ؛ رجل مُنحلّ من قيود أخلاق الرجال وسيرته بين الناس غير طيبة… ورغم ذلك لم يُعاقبه القاضي بل أقسم بحمايتها كما زعموا، وقال مَن يُؤذيها فهو يُؤذيني ومن يمسّها بأذىً فسأقْتَصّ منه.؛ ولأنه قاضٍ تخلّى عن مسؤوليته وتجرّأ على نقض القصاص ، حين سهّل أمر تهرّبها من تنفيذ القصاص وبطريقة مُغلّفة ومشكوك فيها.؟ فأعاد القاضي الحكم بطريقة تختلف عن الحكم الأول : فأمر هذه المرة بإضْرام النار في بيت المرأة من جديد ثم هرّبها من نفق تحت البيت.؛ ولكنّ أولاد مَخْرم أثبتوا وقفتهم مع الحقّ ، وقالوا حتى ولو كانت المرأة مِنا.؛ والحقيقة أنها ليست منهم وإنما نُسبتْ إليهم ، قِيْل عنها مَجهولة النسب.؛ وحين علمَ الجد الكبير بخبرهم ، استدعى القاضي وحبسه ، ثم خوّل رجل من القرية العتيقة ليحكم من جديد في أمْرها كما اختار قاضياً مُساعداً من القرية المكينة ، وأمرهُما بإعادة الحكم في القضية ، وعزل القاضي الأوّل بعد انقضاء مُدة حَبسه.؛ وبفعل القصاص شُفيت صُدور أهل القتيل .. لكن جماعة من النساء ذهبنَ على الجد الكبير ، وقلنَ له إنْ أمرت بقتل المرأة المُتهمة بقتل زوجها ، فقد يطغى علينا الرجال ويُخرجوننا من بيوتنا حُفاة عُراة وتُستباح خدورنا ونُصبح سبّة بين القبائل .. وقُلن ايضاً : إنْ اقتصصت من تلك المرأة ، فستقع في الظلم ونحن نُؤكد لك إنها مظلومة.؛ ومَظْلمة كتلك ، أيّ مَظْلَمة المرأة المُتهمة في قتل زوجها ، ستفتح الباب أمام ظُلم كبير وفتنة هوجاء ولنْ يَسلم رجالنا من أفعالها إلا القليل، واعلم يا جدنا الكبير أنّ ما سيفعلوهُ بالمرأة تلك ، بأنهم سَيقترفون مِثْله بنا جميعاً وبلا خجل او خوف ، واعلم أنّ استباحة حقوقنا اعظم من ذلك وأكبر.؟ وإننا مجتمع النسوة عزمنا أنْ نَعتزل الرجال جميعاً.؟ قال الجد الكبير بعد إطراقة لمن حوله : من يُصدقني بخبر وقصة المرأة المُتهمة بقتل زوجها.؟ واستمع الجد الكبير للمرّة الثانية إلى تفاصيل الحكاية.

وعلمَ أنّ أولاد مَخْرم يَلتقون بنسب الجد الكبير ، ولذلك أعاد الحُكم مرة أخرى وألْغى ما قبله من أمر، واستمع إلى مَطالب النساء وإلى اجتماع الآراء بتبرئة أولاد مخرم من نسبها.؛ وقيل أنّ الجد الكبير تراجع عن حُكمه في قضية تلك المرأة بسبب النسب.؟ كما أشيع خبر آخر ، انه ـ أي الجد الكبير ـ فعل ذلك خوفاً من تنفيذ النساء وعيدهنّ.؛ وخشية أنْ يرتكب أولاد مخْرم حماقة تكون عواقبها أشدّ من القتل نفسه.؛ وصمت الجد الكبير بُرهة وهو يُفكّر بالأمر وتمتم في نفسه: إذا كان هذا حال عنادهنّ في النهار فكيف سيكون حالهنّ بالليل ؟ ورغم ذلك التراجع فقد كتب زعيم أولاد مخرم إلى الجد الكبير كتاباً قال فيه : سيدي الجد الكبير ، نحن رجال حفظنا أنفسنا ، فلم نَقع فيما نَهيتنا عنه .. نلبس القميص والإزار والعَمامة ، ننتعل أخْفافاً تَقِيَنا لهيب الرمال ونلتحف بما قدّرته حياتنا في ليلنا .؛ والِخْزي ليس ما بدا على أبْداننا ولكنّ الخزي على العار الذي اقترفه قوم “كنزة” فنسبوا إلينا ما جهلوه ، ورغم ذلك قبلناهُم ، ولكنهم اغترفوا إثماً بأيديهم ، ولسنا ضِد القصاص إنْ كان هناك من يستحقّ القصاص أو إقامة الحدّ ؟ ولكنّا نختلف معهم بأنّ إحقاق الحق وإنصاف المظلوم ليس أمراً نتهاون فيه ولا نرضى بغير الانصاف سبيلاً وحُكماً .؛ ونحن قوم جُبِلنا على ألاّ نرضى بالظُلم ولا ننام على ضَيْم ولنْ نهضم حقّ المقتول مُطلقاً ؛ ولكنّا ضِدّ تلك الأسباب التي تعلمونها ولا نقبل الخطأ ولو كان في صالحنا وإذا استشرى الظلم بين الناس وقبلوه على انفسهم فستكون عاقبتهم خُسْران وخُذلان.؛ ونخشى أنْ تجرّنا الاخطاء إلى ما لا يُحمد عُقباه ، سواء أكان الحدث بفعل قرار ظالم باطلٍ اتخذه قاضي كنزة أو من خلال استغلال واقع مركزه وتفعيل قراره باستبداد؟ إنّ ذلك القرار غير الموفّق قد تسببّ في لغط وتوتّر كبير بين الرجال ، وشاع خطرهُ بين المجتمع ، فأضْعف بيننا القيَم التي نشأنا عليها، ورغم إنّنا نُؤمن بأنّ النزاعات بين المجتمعات حادثة لا محالة واختلاف الرؤى والأفكار قائمة ولا بُد قادم ، ورغم فداحة ذلك الامر لكنه لا يُعد كمثل خطر غياب العدالة وضِياع الأمانة .؛ ولعمري أنّ ذلك هو أفدح الآفات وأشدّ الفِتَن على الناس والمُجتمعات لما فيه من أثر كبير في إضعاف القِيَم الراسخة في مجتمع الوادي ، وذلك الرجل هو عدّار ابن السداح وتلك المرأة هي زوجة أبيه الثانية وليست أمه .؛ التفت الجد الكبير إليهم وقال اين زعيمكم .؟ فقام زعيم أولاد مخرم وتقدّم جهة الجد الكبير، وقال : أنا يا سيدي ،مخرم ابن اليقظة.

ساد هدوء كبير بين الناس فقطعه شيخ الوادي ، مُشيراً إلى ابن اليقظة ، قائلا: تفضّل ، اشرح لنا الحادثة التي جئتنا بها ، وحدّث الجد الكبير بتفاصيلها..؟ فقال ابن اليقظة : كانَ زعيمهم ، عدّار السداح ، هو رأس الفتنة التي اجتاحت مجتمع الرمال.؟ بل هو الخطر الأكبر الذي يُهدد إستقرار وحياة المجتمعات في الوادي.؛ وهو الذي دفع قومه إلى تلك الأفعال الحمقاء .؟ وهو المسؤول عن تأجيج الفِتن والقتل المُفرط ، فدمّر العقول والاجساد بالخداع واشعال الفتن بالكذب وتأليب بعض الناس على بعض تارة أخرى؛ فاقتبسوا شرائعاً وعقوبات من كتاب المجد للجد الأول ونسخوها على مَبادي وقيم سفر التمكين للجد الكبير وشرّعوا القتل بجناية الآثام من سفر الرمال الأولى ، لقد جعلوا ـ يا سيدي ـ القيم والمبادي وقراءة الاسفار التاريخية صناعة يُقلّبونها كيف شاؤوا وارتضوا ، وسأبيّن في كتابي الجديد الذي شرعتُ في كتابته ، القواعد وطريقة وجودها وكيفية تحليلها وإخراجها إلى حيّز السلام المقبول ، بعيداً عن الغضب والبطش للآخرين. وما تدخّلنا لفضّ النزاع في تلك الحادثة إلا واحداً من إسْهاماتنا في خلق واقع آمن للناس .؛ ودون مَشقّة ولا حرج ، والحقيقة أنني قد شرعتُ منذ فترة ليست ببعيدة ، في تدوين سفر جديد ، مُقتبساً من جموع أسفار بعيدة وليس نقداً لها، ولكني أتطلّع إلى تحديد شرعية ثوابتها ، تحقيقاً للعدالة وضماناً لعدالة الولوج إلى مداخلها ، وسيحمل كتابي ، اسم ” سفر القيم الإنسانية “.؛ ذلك السفر سيكون واقعاً مُشتركاً من القيم، وما تعارف عليه الناس من ثوابت اخلاقية ، وما تناهى عنه كبار الرجال.؛ بالإضافة إلى ثوابت وشواهد جاء بها الرجال عبر مَسيرتهم ، خاصة ما جاء في بعض نصوص كتابكم سفر الكون ورسالة التكوين ، وسفر المجد ، والاسطورة المُحققة للجد الأول.؛

والحقيقة يا سيدي أن تدخّلنا لمنع فِعْل مُشين ، ذلك الفِعْل هو قتل المرأة تعزيراً ، بلا حجّة او دليل او حتى شُهود ولا قواعد أساسية لرفع الثابت منها او إلتزاماً بظواهر تكوينها او أمثلة من سيرة الاولين ،لكان عين الصواب ورأس الحكمة والرشاد ، وعلى الرغم أنّي ومن معيَ قد حذّرنا “ابن السدّاح” بعدم التعدّي بالسَبّ او شَتم المرأة وعدم إهانة كرامتها .. فصحيح أنها امرأة مجهولة النسب ، لكنها قد تزوجت من ذلك الرجل ، أبيه سَدح ابن السدّاح ، والمُدهش أنّ ابن سَدْح نصّب نفسه خصماً وحكماً وجلاداً فارتكب بذلك اخطاء جسيمة، انطوت على اتخاذ قرار غير حكيم؛ فهل تناهىَ لِعِلْم سيدي الجد الكبير ، الاسرار الخفية وراء موت الرجل .. إنّ تلك المرأة لم تقتل زوجها ، وإنما أصابَته لفحة من ضربة شمس فدخل بيته على عجل ، وهو مَصدوع الرأس ، خائر القوى واحضرتْ زوجه ماء فشرب منه ثم ماتَ على الفور؟ فما ذنب المرأة إنْ توقفت ساعته وانتهت لحظته.؟ تلك هيَ القضية قد قصصتُها لكم باختصار ، ونحن أبناء مَخرم نَبْرأ من عدّار السداح، ورجالنا عازمون إنْ نفّذ حُكمه في المرأة البريئة.؛ فسيرى مِنّا ما لا يسرّه .؛ وسنجعله ومن معه خزايا وأذلاء .؛ ولولا وصيّة جدي الأول “اليقظة بن مخرم ” ومعرفتكم به ثريّة ، فإنه كان سيجد من رجالنا بأسا وتنكيلاً، لا تقوم له بَعدها قائمة .؛ ثم هدأت نفسه وهو يُذكّر الجد الكبير بالعلاقة التي تجمعهما .. نحن ـ يا سيدي ـ نلتقي معاً بتاريخ مَتين ، وبإرثٍ عميق بالوادي.؛ لم يهتم الجد الكبير بتذكير ابن اليقظة بنسبِ يجمعهما ، بل أعْرض وكأنه اشمأز منها ، وقال مُنبهاً : تلك حالة بها جهل كبير، فأنْ نتركها خير وأبقى ، ولِنَتدبّر ما يُصلح الرجال والرمال.

استأنف زعيم أولاد مَخرم كلامه بخجل ، وشعر بالأسف ، وكاد يَعتذر ، لكنه اسْتمرّ قائلاً : وكما تعلمون أنّ اولاد مخرم جاؤوك مُستبشرين بحكمك وعدلك ، شاكِين لكم “ابن َالسدّاح ” الذي أصاب العَهد بيننا في مَقتل.؛ ونحن لسنا راضين عنه وإننا ننأى عن كل مِحْنة ومشقّة ، ونتوافق مع كل ما تفضلتم به حُكم ونرضى بما تعقدوه من مَوثق فيما يخص الإصلاح في الحياة وإلى كل ما هو محمود .. فأنتم أيها ـ الجد الكبيرـ سِرّ رباط مُجتمعاتنا ونبض الاستقرار في وادي الرمال.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى