أصــداء منوعةقصص ، روايات

رواية وادي الرمال .. الحلقة 21..

حـمـد الـنـاصـري

 

رواية وادي الرمال .. الحلقة 21..

 

كان وليد يعتز بمكانة الجدّ الكبير ويُقدره أيّما تقدير، لكنه اختلف مع جماعة الوادي في أصول وصِدق الحكايات القديمة المتوارثة والمُثيرة للجدل، فوليد لا يُحبّذ الأساطير السقيمة الخالية من القيم الأخلاقية والتي تدعوا إلى ثقافة الاتّباع الأعمى لأفكار عقيمة أو تلك التي تُفرز سُلوك التمييز، تلك القيَم المُشوشة قد ترفع رجالاً إلى مكانة عليّة بلا استحقاق، رجال بلا إرث أو نفع، خالِيْن الوفاض من القِيَم العالية.. تحدّث وليد مخاطباً جمع من الرجال، والجد الكبير بينهم قائلاً: ما وصَلتنا من الحكايات المُتواترة من تأريخ الوادي بعضها بَعيد عن الصِدق وأقرب للوهم.. ورغم ذلك انتشرتْ في أرجاء الوادي لعقود وصَدّقها الناس حتى اصبحت جزءاً من التقاليد والموروث.. تلك الحكايات المسمومة تُثير الأسقام وتُسبّب الأوجاع، وتُهيّج التّخاصم.. أولئك الاقوام من الناس، ساد هرجهم وازداد عبثهم فأصبحوا كالأنعام بل هم أكثر ضلالاً، تقودهم الأهواء والاحلام وتأخذ منهم كل مأخذ.. ولا أقول لأولئك النّفر او لغيرهم من الناس والذين قد يأتون بَعدهم إلاّ عودوا لرشدكم وصُمّوا آذانكم عن كل حكاية غريبة او كلام مُريب لا يُصدقه العقل وتَعامُلوا مع تلك الحكايات كتعاملكم مع الأسقام والأوجاع، فهل في الاسقام شيء مُفيد؟ وهل بواطن الاوجاع تأتي بخير غير المرض والسّقم؟ وإني أرى أنّ بعض ما نُقل من الحكايات في وادي الرّمال لا صحة لها ولا مصدراً معروفاً لها.؟ ومن قام بنقلها او تدوينها.؟ على الرغم أنّ تلك الحكايات لا رُسوخ في ثقافتها ولم تُثبت صحتها، وقد تراها كالمرآة المكسورة، مُشَوّهة الصورة، ممنوعة النظر، وهيَ بذلك تَنتفي حاجتها ووجودها نفياً قاطعاً، لأنها ليست فقط بلا فائدة بل فيها أضْرار ومساوئ منها أنّها تُعمى الأعين عن الحقيقة.؟ فالصُورة التي تراها في مرآة مكسورة غير حقيقية إنْ لم تنتفي شُبهتها ، فقد تُرتكب الحماقات وتزداد الاخطاء بسببها وبكثرة تداعياتها، وقد يحدث على آثارها أفعال الخِسّة والدناءة.

وإني لكم ناصح أمين: أصْلحوا أنفسكم، فإن لم نُصْلح حالنا، ونَعتبر ذلك من مفاخر وأمجاد ماضينا فسوف تُسَخّر الحياة علينا رجالاً أولي بأس شديد.؛ فقد قيل قديماً، من لم تُصلحه نواياه لن تُصلحه نصائح غيره.؛ وفي كتاب المجد الأول، قرأتُ” فستخلف الحياة من بعدكم خلف لا يَتّبعونكم في رأي ولا يجدون فيكم صلاحاً، خلفٌ يَتّبع الاهواء والملذّات بعيداً عن سبيل الرشاد، أولئك سوف يَلقون بُؤساً في الحياة وسيميلون إلى الفساد في الرمال. ” ثمّ الْتَفت إلى الجد الكبير، وقال: أليستْ الحكاية المكذوبة المتواترة في أرجاء الرّمال، كغيرها مما سَبق من الخُرافات التي سِيْقت عن القرية وهي منها بَراء.؟ قال الجد الكبير بصوت واثق أجش، وعينين لامعتين، مَشدودتين إلى وليد: كُل الحكايات الغريبة المُشتّتة نُقلت على ألسنة رجال حمقى لا مكانَة لآرائهم في وادي الرمال، فؤلئك الرجال كذبوا على أنفسهم واستعاذوا بشيطنة افْكارهم المُلوثة فاخترعوا الأكاذيب وكتبوا الأساطير، يقولون ما لا يَفعلون ويَكذبون ولا يَصْدقون.. وأيّدهم وصَدّقهم أمثالهم من رجال أخذتهم عِزّتهم بالإثْم الى مهاوي الردى والبُهتان فظنوا أنّهم يُحسنون صُنعاً بتصديقهم وتأييدهم لتلك الأكاذيب يُنمقون أفْكارهم لتبدو مقبولة…! واعلم بُنيّ أنّ أولئك الحمقى غافلون وقوم لاهُون، يَتشبثون بقشّة لعلّها تُنجيهم من غرق وهلاك أكيد.؛ ولكنّ الأمر أعظم وأدهى مما يتوهّمون.؟ ثم نظر إلى الجموع المُتحلّقة حوله، وقال مُلوحاً بيده: عليكم جميعاً، أنْ تكونوا أَكثر وعياً لخسّتهم ونذالتهم، فالانحطاط لا يُورّث غير الدّناءة والخسّة وتلك الخسّة لا تقود إلاّ إلى المهانة، فاجمعوا أمْركم بينكم ورُصّوا صفوفكم أمام المُعتدين الآثمين، وترفّعوا عن كل مهانة وخِسّة.. فأنتم أيها الرجال، رجال الوادي مكانتكم سامية وسيرتكم راقية وقدركم ليس في الرمال وحدها بل في السماء العالية.؟ والتفت إلى وليد وقال: زِدْنا مِن مَعين كلماتك الثريّة، فأنت نُطْق الفصاحة والكلام الجميل، ومن لا يَغترف شيئاً من مَعينك، فقد خاب وخسر.! قال وليد بنفس مُطمئنة وقد داخله سُرور عظيم بتأيْيِد جدّه له: إنّ تضييع المال والحال، طابعه الحسد والخسّة ونتائجه الذلّة والمهانة..؛ وكل أولئك جمعاً من الدناءة.؟ ونظر إلى الرجال المتحلّقين حول الجد الكبير وقال برزانة: انظُروا إلى من يُضَيع المال، قد يكون هو رجل بينكم لكنّ في حقيقته، رجلاً فاقد الُلب سَيئ الحال.؟ لماذا.؟ لأنّ تضييع المال لا يورّث للإنسان غير المهانة والَمْسكنة والذُلّة ولا يُوردهُ غير التهلكة والشقاء.؛ نعم فالمال للإنسان كالصديق يبدأ طيباً فتُحبّه، فيكبر وتتآلف قرابتكما وتنشأ المودة بينكما، حين تكون كبيرة، ربما تدفعك إلى فقدك لصديقك الذي كنت تُحبه وتحترمه، وانظروا إلى الخساسة، كأحمقٍ ، انتهتْ به حماقته إلى ارتكاب الوقاحة وأدّت به إلى الفِتْنة ، وانظُروا إلى أنفسكم في جزع وخوف قبل أن تنظر إليكم ، فيشعر أحدكم بأنه يُفرّط في عِزّهِ ومكانته بمهانة وذلّة؛ وانظروا إلى الدّناءة كأحمق يُفضح عيوبه وهو في أرذل العُمر.؛ وإياكم والغرور فإنّها أشدّ على النفس ضَراوة وبلاءً. وقديماً قالوا الغُرور هاوية .؛ ولا تزيدوا الغيض بينكم فلكل منكم عَيوب ولغيرك ألْسُن.؛ سكت سكتة بدت طويلة والعيون ترقب والآذان تصغي وتنتظر.. قال الجد الكبير وهو يُعدل في جلسته: كما اوجزت بُنيّ.. فالقلب المُظلم لا يجد نوراً ولا حقا؛ والجوهر الحقيقي لحياة الوادي والرّمال، شمسٌ ساطعة، ومكانة رفيعة، والقمر لا يُضيء إلّا في العُتمة وبَعد ذهاب ضوء النهار.؛ ولكل من الليل والنهار سُلطان وعمل وجهد.. ولا يسبق أحدهما الآخر ولكل منهما وقته وأمده.

تبادل الجد الكبير النظرات بينه وبين المجتمعين وتلاقتْ الاعين عبر نظرات وكأنما تآلفت مشاعرهما في لحظات دار في أُفقها مواقف لا تفسير لها، غير أنّ أرواحهما تجاذبتْ وأيقنَ كل منهما، أنّ المنهج القويم، يُنتج عملاً صالحاً، وكل عمل صالح محموداً لدى الناس جميعاً، ومن استحسن فكراً وتميّز به، كان ذلك هو نتاج جميل لقيم إنسانية واخلاق تكون عادة رفيعة يتداولها الناس بينهم، ويتوارثها الرجال.

بدت على وليد، فرحة وسُرور واعجاب، فبادله الجد الكبير بإعجاب مُماثل، فهزّ رأسه وصوّب نظراته في عين حفيده، وتعززّت الثقة في أفكار وليد وازدادت، فقال وعلى وجهه ابتسامة: نعم.. فالليل والنهار ، لكل منهما شأن يَقضيه ليس بوسعه تغييره.

بدت شمس النهار جميلة وهيَ تستوي كقرص رغيف شهيّ ثم أخذت تَضعف ويخفت ألَقها وتبدأ بالتواري خلف أفُق صَحراء الوادي، فيَعتلي السماء قرص زاهرُ يَستقبل الليل ويُضيء العُتمة بهدوء جديد.

******

تبادل رجال القرية القديمة ” مملكة مجن الساحلية ” مع رجال القريتين ” المكينة والعتيقة ” أحاديث الوُدّ والالفة ، واستمدّ كل منهم القوة والعزم من الآخر ، وشرع الرجال يُحدّث بعضهم البعض ، فقال رجل منهم : نحن أهل لها سنعمل من اجل بقاء الرجال بثقة أكبر من ذي قبل.؛ وكان وليد على رأس أولئك الرجال فقال : أيها الرجال ، لم نجد في قصص الوادي ولا في كُتب الاوّلين ما يُوثّق تلك الأساطير المكذوبة، غير روايات بلا سَند ، كانت دوماً مُثار جدل عقيم في الوادي ، وكان لذلك الجدل خطر مُحدق بالقيم والمُعتقدات وانعكس أثره على التقاليد بمجتمع الوادي والقرية.؛ ناهيكَ عن المرجعيات وما أصابها من ضَعف ووهن وما حملته أسانيدها من كذب وتحريف وقد شابها التعنّت ومخالفة الاخر.

قال رجل قد قرأ في كتب الاولين بتعمّق كبير، فقال : نعم صدقت سيدي ، ولكنّ الحقيقة ، أننا لم نجد في سِير الاولين وفي اسفار القرية المَكينة ما يَروي ظمأنا ويجيب على تساؤلاتنا ، إلاّ أنّ شرذمة قليلة من ناقلي الاسفار ، تناولوا بعض ثغرات خطيرة ، لكنّ بعض ساكني مشارف القرية جاؤوا بأمْر أخطر من تلك الثُغرات ، جاؤوا بمكر وجحود وارتكبوا حماقة ، فمكروا برجال كانوا اشدّهم حرصاً وقواماً ، وكانت تلك هي الخديعة ، ظاهرها خير ومنافع للناس، وباطنها سُوء وفتنة ، ونشروا خرافات مُغرضة ، أوهموا بها عُقول الرجال ومَلئوها بترّهات لا طائل من ورائها ، في ظل غياب الحقيقة التاريخية ، فدمّرت اكاذيبهم العقول، وشحنت كلماتهم النفوس بضغينة وفساد كبيرين وتمادَى بعض الرجال مما حملته تلك الأفكار من غلّ بغيض وحقد بائس ، وازدادتْ الحكايات المُتفرّقة ، تُروى عن سفالة رجال وحماقة أقلام، وأخذ الناس يتناقلون تُرّهات المبثوثة ، فجمعوا سيرة رجال وحوّلوها إلى سيرة تائهة وزاد البعض في إثارتها بوصفهم ، أنهم رجال اشدّاء على الكلمة أقوياء بعزّة رمال الوادي ، وانهم قصدوا انتشال حالة ضَعف ووهن مَنعهم من إيجاد سبيلهم وتحقيق غايتهم وهدفهم .. وتلك لعمري حكاية مكذوبة، مُثيرة للجدل، يَعلمها كل ذي لُبّ.؛ نهض رجل ذي عينين بارزتين، من مكانه وتقدّم قُبالة وليد، وقال: وعلاوة على ذلك فقد سَرد اولئك المزيفون الحكايات وأوهموا الجميع أنها حقائق فيما لم تَحتفظ السِيَر الأولى بما يُثبت حقّ الرجال بالوادي وعدالتهم في تقصّي أثر السّرد وأصْل القصص والحكايات المأخوذة من شواهد تاريخ وادي الرمال ورجاله! فسيرة الرّجال في القرية المَكينة والعتيقة شَهد لها الجد الكبير بالمكانة التاريخيّة العظيمة ولا يزال الرجل بَيننا، يسمع ما أقول ويَرى ما أفعل وتلك الامكنة وأحداثها التاريخية لم تزل حاضرة في سيرته وذاكرته؛ قاطعه الرجل الذي قرأ في سيرة الأولين: وحتى رجال القرية الناشئة والتي تزعّمها عدّار ، كانوا يوماً جزءً من مجتمع القرية المكينة وتاريخها العميق ، وربما قد وجدوا أنفسهم مَعزولين ، ورءوا بأنهم في بحر هائج لا قرار له ، تتلاطم أمواجه بلا هوادة ولا سُكون، ولم يكونوا مُتهيئين لما حدث ولم يَقرأ أحد منهم السفر الطويل ، لذلك ليس من الغرابة أنْ يُصيبهم ما أصابهم من مُصيبة الضياع ، فإذا ما أصيبوا بحالة الوهْن انتبهوا إلى مرجعية الاعتداد ، وفُزعوا بهويّة التاريخ المُفرّق وخشوا أنْ يحلّ الغضب عليهم من كل مكان ، فهم لا يملكون قيراطاً مما يَعْتزون به ، لذلك ، فقد حدا بهم الامر للبحث عن إرث جديد يَحل مُشكلة هويّتهم أو على الاقلّ ، يكون مَقبولاً لمشاكلهم العقديّة.؛ ورُبما ذلك هو القلق الكبير بالنسبة لهم ، فَصِدام العادات المُفرّقة تعني صِدام التقاليد المتوارثة لارتباطها بالمكان والزمان ، وذلك الارتباط الوثيق والعميق هو تاريخ القريتين المكينة والعتيقة ولكنهم وما يشغلهم هو ذلك الارتباط المكين مع القرية القديمة إلى درجة الخوف من ضياع تفاصيل التاريخ الذي يبحثون عنه ، وإذا استمروا في ضياع هويتهم وظلوا بلا مرجعية ، فحينها سيكشفون علناً سرقة التاريخ وستعرفون حقيقة إخفاء موروث القريتين المكينة والعتيقة الخالدين إلى جانب عظمة تاريخ مجن الكبرى ، ووقتئذ ستنكشف دناءة الحاقدين وستفضح مؤامراته وكيدهم الغليظ لوادي الرمال.؛ فقال الرجل ذي العينين البارزتين : طالما أنّ التاريخ العميق لا يجتمع مع تلك السيئات.؛ أو مع ذلك الفِعْل المُشين، فلماذا لا يُنكر سيدي وليد ذلك الفِعْل المُشين ، ويُعلن مقاومته لكل جاحد وحاقد ، فإنْكار رجال عدّار ، قوميّة السّفر العتيد وإنْكارهم غير الأخْلاقي ، وغير العقلاني لما جاء في النصوص .. فأنا اعتقد، أنّ مُشكلة في وادي الرمال قد بدتْ في الظهور وإنْ كانت بداية تتأرجح، لكنّ نشاطها ينطوي على شرّ كبير وستخلف ناراً لن تنطفي بسهولة.؛ قال الرجل الأول الذي قرأ في سيرة الاولين: نعم ، ما تقوله ، هو حقيقة نعيشها، تشتدّ تارة بالإنْكار والجحود وتارةً بسرقة التاريخ وتشويه التراث العميق، ذلك الفِعْل أقبح من الذّنب نفسه، وفي تصوّري أنه يَنمّ عن جهل بائس.

******

تحدث رجل ذي عينين غائرتين عميقتين شهدتا أحداث جسيمة في مراحل زمنية من عمر القرية المكينة: رجال رجال القرية القديمة لا يزالون أقوياء بتراثهم أحياء بتاريخهم الضارب في عُمق الوادي، أولئك الرجال هم الذين ترسّخت مبادئهم في الحياة فهم ليسوا كالذين تاهوا عن حقيقة أصْلهم في وادي الرّمال، أولئك هم الثابتون على مَبادئهم لا يَحيدون عنها ابداً.؛ وأمّا القريتين المُتجاورتين العتيقة والمَكينة، كما يبدو أنّ بينهما تاريخ مُشترك ، وجذور مُشتركة ،وكلاهُما عميقتان في التاريخ وفي جذور الحياة على الرمال، ومنذ الزمن البعيد قِيْل انهما كانتا امْتداداً لبعضهما ، وقيل ايضاً أنّهما انتصرتا في الزّمن الغابِر حين بدأتا بتكوين روابط محبّة بينهما ، فتطبّع رجالهم بأخلاق بعضهم البعض كما تشابهت النساء بطباع الحياء ، فلا تكاد تُفرّق بينهما ، وبمثل ذلك الوُد وتلك المحبة نشأت صِلة مُشتركة ايضاً.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى