أصــداء منوعةقصص ، روايات

رواية : وادي الرمال .. الحلقة (22)..

حـمـد الـنـاصـري

 

رواية : وادي الرمال .. الحلقة (22)..

 

ومُنذ ذلك الزمن الغابر تغيّرت لغة التّخاطب وتبَدّلت الأحرف وتحرّكت اللغة المشتركة ، وتباينتْ مُرادفاتها ، وأحدثت تغييراً في ظواهرها ومَعانيها كالتحوير والإبْدال في لُغة القرية العتيقة ، بينما تجد في لُغة القرية المَكينة اشْتقاقات جديدة وكلمات ذات مَعاني جديدة في حداثة اللُّغة السّائدة ومع مُرور الزمن والتَغييرات التي طرأت على الناس والزمان والمكان حدث ذلك التَغيّر الذي أشرنا إليه ، إلى درجة أنّك قد تُلاحظ الفارق في النُطق عند الأكثريّة الغالبة من الرجال والنساء ، ولكلّ من القريتين لُهجة مُتصلة بتوطِينها ولا عُجب في ترهّلها ، وفي بعض الأحايين تجد ضَعف واضح في النُطق أيضا وفي أحيان أخرى تُلاحظ قُوة لغوية جديدة.

وتمتد جُذور القريتين عميقاً في التاريخ بعُمق امْتداد وادي الرّمال، فالرّجال هم الرجال والأماكن هي الأماكن، والرمال تَنطق بالبداية وسَتبقى لِتَشهد النهاية، وارتبطت القريتان بتلك السّيرة الأزلية وبذلك المُعرّف التاريخي.

قال رجل يُكنى بـ حكيم القرية المكينة: التاريخ أمانة في أعْناقنا سَنُسْأل عنه أمام الجد الكبير وأمام القرية.؛ فالتّاريخ هو نَتاج جُهد وعرق الرجال وسفر انتصاراتهم على اعدائهم.

ولطالما الجد الكبير عظيم بحكمته في وادي الرمال وخَيْمة يعودون إليها أهل القرية، كلما اشتدّت الخطوب واسْتعرت نيران الفِتن.؛ ورغم مقام الجد الكبير وعظمته ومكانته في الوادي.. لكننا وجدنا بعضاً من رجال القرية العتيقة قد جحدوا ما أكْرمتهم السماء من نِعَم وكرامة ومكانة وتنكّروا لكل تلك النِعَم والخيرات التي نَعموا بها لدهور طويلة بل أنهم طغوا فيها وبَغوا، وقالوا لا غالب لنا اليوم.

ويُقال ـ أيضاً ـ بأنّ رجال القريتين العتيقة والمكينة في أيّامهما التليدة عاشوا في ترف وبذخ، فغمرتهم كرامة السماء، وقدّمت لهم الحياة فضلا كبيراً، وأصْبحت القريتين مُتّحدتا القُوة وبَسطتا سطوتهما على كل وادي الرمال، وكان ذلك العصر، عُرف بالعصر الذهبي من تأريخ القريتين ومَثّل نَصْراً للتاريخ الأقوم، فالتاريخ هو كتاب صفحاته بيضاء يُسَطّر فيها الرجال أمجاد الأمم. والتاريخ من أعظم الكرامات وهديّة السماء للرجال الذين يَتوقون لتخليد الأثر الذي يُبْقي سيرتهم حيّة إلى الابد، فإمّا حياة جميلة مِعْيارها الفضيلة، تَستلهم فكرها لصنع العِبْرة والعظمة والمكانة، بأعلى كرامة وأرفع شأن؛ وإمّا حياة خسيسة دنيئة تَسْتلهم فكرها من الخباثة والنذالة.

وذات مرّة جاء رجل غريب لا يعرفونه إلى القرية العتيقة الجاحدة، فراح يُذكّرهم بأمجادهم بالكلمة الطيّبة، فقال: ألا تَتّعظون يا قوم .. هل نسيتم كم كنتم شراذم مُنتشرة ضعيفة بلا حول ولا قوة وكانت تتقاذفكم الأهواء والأمزجة، بلا هيبة ولا سطوة ؟؟ .. ألم تعلموا بأنّ أولئك الغاوين أنكروا عليه الحقيقة، فغدروا به وقتلوه بدناءة وخسّة ؟؟؛ نعم قتلوه ، فقتل الغريب فِعْل مُشين والغدر به دناءة فظة ، فالرجل جاء مُرشداً ، مُبلغاً رسالة النصح القويمة ولتخليد ذكرى طيبة ، لسيرة باقية الاثر بين الناس.. ورغم عطائه، لم يكن يتخيّل انْ تكون كلماته منطلقاً للغدر به ورشادته سبباً لحتفه، فكان مُتحدّثاً ناصحاً وجريئاً في سبيل توثيق عُروة المحبة والالفة الدائمة.

وكانت خلاصة قوله : إني أعظكم لعلّكم تعودون إلى رُشدكم وتَعودون إلى السبيل الذي يُحتّم عليكم قول الحقيقة ، وأنا لكم ناصح ولا أبْغي إلّا نفعكم ولا أنشد إلّا خيركم وأدعوكم إلى ما يُقربكم لخير الحياة ، فالحياة كبيرة والسعادة عليها مُدّة قصيرة وإياكم أنْ تكونوا كؤلئك الذين جحدوا النّعمة ولم يعترفوا بالخير الذي منحتهم إياه الحياة ، ولم يستيقنوا بكرم السّماء ، بل ظلوا في غيّهم واغترّوا بقوتهم وعَلو عُلُوّاً كبيراً ، وعاندوا الحق وأخذتهم العزة بالإثم وتوهموا بمتع زائلة، فَكِرهَ أهل القرية فسادهم واعتبروه فُسوقاً وطغيانا خدم أعْدائهم المُتربّصين بهم ، وانكروا عليه ،واعتبروا فِعْل الرجل مُشين وألْبَسوا الباطل لبوس الحق لِيجَمّلوه في أعين الناس ، وكذبوا على انفسهم حين قالوا : إنّهم جزء من قرية الوادي والحقيقة أنهم بسلوكهم وسيرتهم الخبيثة لا يَنتمون إلى قرية الوادي ولا إلى الرمال.

سكت قليلا لِيَلتقط أنفاسه ثم أردف : لا تكونوا كالرجال الذين تجاوزوا على حق غيرهم، ونكثوا عهدهم في سِيَر الأولين .. وأقول لكم، أنا لستُ منهم .. واشهدكم أنّ كبير أؤلئك القوم قال يوماً قولا بليغاً، ذَكَر في نُصوصه المكتوبة، لم أكُن الرّقيب عليكم يوماً ولن أكون، ولا أقول شيئاً من عندي، وأجزم أنّ الحقّ والعدل في السّماء لا في الرمال.؛ وأنّ اليقين ما يَطمئن إليه القلب وتستسيغه النفس فآمِنوا بما آمنَ به الرجال من قبلكم وأقول لكم بأنّ الجدّ الكبير هو الحارس على هيبة القرية والامين الفطن على مكانة الوادي، واحذروا من قُوة الرّمال التي لَمّت شملكم فإنْ أخْلفتم ما تعاهدتُم عليه، فستتفرّقون وسَتنكأ جروحكم وسَتسود الفرقة بينكم، كونوا يدًا واحدة مع قومكم وإنْ اخْتلفتم معهم فلا تُعادونهم ولا تَضْمِروا لهم الحقد والبغضاء.

استفزّ كلامه رجل من بين المُجتمعين فصاح قائلاً : أيها الناس .. لقد عاهدت نفسي بأنْ أكْمِل رسالة الخيّرين من الرجال وأرى أنه من الحكمة التفكّر بقولي وفهم ما جِئتكم به .. وأشار بيده إلى صدره، أنا من حيث تَعلمون، وجدّي لا يزال بينكم ومهما اشْتدّت مِحَن الحياة أو اشتدّ ضَيْقها، فإيّاكم ونُكْران الجميل.

تدخل الجدّ الكبير واصفاً رجال القرية المَكينة وصْفاً يَليق بهيبتهم قائلا : أنّ رجال القرية المكينة هم نِعْم الرجال صدقوا عهودهم معنا ولم يحيدوا عن سير أجدادهم ومواثيقهم ويَربطنا بهم عهد وصِهْر ونسب ، ولنا معهم صِلات وأواصر تجمعنا ببعض، تاريخنا مُشترك ، وأعرافنا وتقاليدنا في تداخل، خِفّهم الحُلم والأناة وطريقتهم الإِسْتقامة، رجال حين تَعُدّهم ، لا يَجأرون بمصائبهم ولا يخشوْن أحداً ولا يَهابُون عدوّاً ، عِزاً إنْ اقدموا ، تعرفهم بِلِيْنهم، صادقون في قولهم، لا تشغلهم التفاهات ولا يَلتفتون إلى التُرّهات، ولا يسكتون على ضَيْم ولا يَهادنون المُرائين .. كان لهم ملكاً ذا قوة وصَيت، عُرف بالسيّد الحكيم، بليغ إذا تحدّث، راسخ إنْ أوثق، يُنّزهَه رجاله عن تُرّهات الأمور ويرفعونه فوق الأفْعال الذميمة، يُشاركونه برُشدهم، فيجمع بين صواب الرأي ورشاد الحكِمة في القول والعمل .. سكت بُرهة .. ثم أردف .. ومُنذ سِنين وهم يجتمعون في حلقة مُستديرة لا تُمَيّز شبابهم من شيبهم .. وقد عُرفت تلك الحلقة بأنها جزء من سيرة رجال القريتين العتيقة والمكينة ورجال الوادي، وهيَ تَعْبِيراً عن التساوي بين المجتمعين.. رجالٌ عُرفوا بالصدق والمودّة، أخْلاقهم السِّلم بين الناس وشِعارهم الالتزام بالمواثيق والاعراف كمبدأ للحياة الطّيبة.

وضع الجد الكبير يده اليُمنى على صدره بوداعة وسماحة نفس، ابتسم وقال: ذات مرّة تعرّضت قريتهم لجائحة من جوائح الطبيعة وأصابتْ الدّيار ما أصابتهم من عوارض تلك الجائحة، لكأنّ السماء تمتحن إيْمانهم وصبرهم ، فما اسْتكانوا وما وَهنوا بل ازدادوا شكيمة وقوة واصْراراً، كانوا رجالاً أوفياء لقريتهم وحينَ انتشر الوباء بينهم وامتد إلى أقصى أطراف القرية وأدْلهمت الخطوب وبلغ بهم الكُرب مَبلغاً وقد وصلَ بالناس مبلغ العجز واستوطنهَم اليأس والمرض ، وأصبحت بيئة الوادي شديدة عليهم، ورغم كل ذلك فقد زادتهم المحنة قوة إلى قوتهم وأورثتهم صبراً وجلداً ، يَحسدهم عليه الجلمود من الصخر، فكان ذلك الصَبر مناراً ليقينهم.

ورغم تكالب المصائب والفواجع عليهم الواحدة تلو الأخرى.؛ إلا أنّ أهل القرية عُرفوا بمزيّات وخواص تميزوا بها وتفرّدوا بها عن غيرهم ” العقل والحكمة والطيبة “.؛ وبرغم تلك الصفات التي تفوّقوا بها والسمات الطبيعية التي اختصوا بها ، إلّا أنّ البعض القليل الذين اختلطوا بهم سلكوا مسلكاً غير قويم وسوّلت لهم أنفسهم بالسوء والضلال ليشهد عليهم غيرهم بالضلال.؛ فأغاروا على القرية، مما اضطرّ أهلها بالتحالف مع قرى مجاورة لقريتهم اتّقاء وحفظاً للصفات التي تميزوا بها ، وانتشروا مُتفرقين إلى حدود الوادي، تجنّباً لتعريض حياة الناس في الوقوع في الخلافات والمناوشات وتجنباً لأي آثار جسيمة قد تقع ، فقد أرشدهم كبيرهم بالسير نحو قرى ظاهرة على بحر طويل أو إلى أعالي الرمال.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى