أصــداء منوعةثقافة ، أدب ، إصدارات

رواية وادي الرمال .. الحلقة 7..

حـمـد الـنـاصـري

 

رواية وادي الرمال .. الحلقة 7..

 

رانَت أعْين الرجال إلى عيني وليد في تَرقّب مُوحِش وقد كمّمها الرُعب ، فالنظرات الصامتة تُوحِي بأمر آتٍ وخوف مُزعج ورُعب يُعشعش في المكان .. هكذا قرأ وليد عيون الرجال المُمتدة إليه ، قال كبيرهم بوجه بلا ملامح:

ـ قُل ولا تَخف .. لك الأمان.؟ فأنا كبير القوم .؟

أطْرَق وليد هنيهة كأنّها دهراً، وأخذتْ عيناه تدوران في الفراغ المحيط به في توجّس .. سقطت دمعة على لحيته .. فرَك أُنْفه مُداراة لمشاعره ولكيْ لا يَنتبه الحاضرون إلى تلك الدمعة .. وبدا أحد المُجْتمعين لكأنهُ لاحَظ دمْعَة وليد رغم جهُد وليد لإخفائها :

ـ الرجال لا يبكون ..؛ اتّخذ موقفاً وكن شجاعاً.؛

نظر كبير القوم إلى ذلك الرجل الذي أخذ يُعنّف وليد ، ثم نظر إلى وليد وقال بهدوء :

ـ لمَ هذا الصمت المُريب ؟ قُل لنا الحقيقة.. لماذا أنتَ هُنا.؟ وما الّذي جاءَ بك.؟ وما هيَ حقيقتك.؟ وماذا تفعل في الوادي .؟ ولماذا غيّرت اتجاه سَيرك حينَ شاهدتنا .؟ وماذا تعرف عن الجُثّة المُلقاة على الصُخور .؟ وهَل الجُثّة لقتيل أم أنّها مجرّد صُدفة في هذا المكان الأجْرَد.؟ وكيف تُثبت لنا بأنه قَتْل مَقصود أم هو قَتْل خَطأ .؟

ظل وليد صامتاً ولم يبزم بحرف .. امسك دموعه وتغيّرت ملامح وجهه.. وبدا عليه حزن عميق.. نَهض كبير القوم تَعبيراً عن نفاد صَبره وأخذ ينظُر فِي الجمع الذين تَحَلّقوا حوله ، والذين أخذت أعينهم تَرصُد حركاته وسكناته مُنتظرين أوامره في وليد ، ويرقبون ردة فعل وليد وإجابته… ولكنّ وليد بقيَ صامتاً لم يَنبس ببنت شفة.. وحدّث نفسه:

ـ ما بال القوم واجِمَة وجُوههم وأعْيُنهم سارحة كأنّ على رؤوسهم الطَيْر .. ما الذي يحدث بينهم؟ أهُم يُبَيّتون شراً امْ هم على نيّة خبيثة ، ام هم يخدعونني بها، ويُظهرون خلاف ما يُبطنون .. ترى ما هو الواجب عليّ فعله تجاههم .. لا احب العدائية بل أنّ تصويب الفكر والنهي عن استخدام اساليب مُجتثة ، فيها خداع فكري ونوايا شرانية تلك هيَ أسوأ المعاملات البشرية؟ واستدركَ حديثه النفسي.. ربما يفعلون ذلك بسبب جَهلهم بنيتي وانْكارهم لطريقتي ومُعارضتهم لما أقوم به من عمل لخدمة الحياة والناس ، اخشى ان يحول بين الناس والحقيقة فالمعرفة الصحيحة ، هي الخير للناس ..! رَفع عَينيه بتحدّي وصوّبها إلى الجمع وقال .. سأحدثهم عن هيبة الموت، رُبما سيفهمون ما اقول ويتعرّفون على حقيقة الحياة التي اسعى إليها، ويَعون بشاعة القتل ومعنى بُقع دم ويُدركون فهمَ جريمة بالوادي.؟ اسْتقام في جلسته قليلاً وتحدث بهدوء امام الجميع :

ـ إنّ وجود بُقع دَم في مكان لا يَصِلهُ أحد إلاّ بشقّ الأنفس هو أمرٌ خطير ، لمْ يَعهده أهل الوادي، تلك هي الحقيقة الغائبة  التي يجب أن نواجهها جميعاً.. وأما عن رُؤيتي تّجاه بُقع الدم على صُخور الوادي ، إنها تبدو لي نشأتْ من صدام احتدّ بينهم ، وصل حدّ الخلاف المُستعر ، عاطفية المنشأ ، تُنبئ عن مخاطر قادمة ، إنْ لم نعمل معاً لمعالجة خطورتها .. فالقتل مشهد مُريع ومُقزّز.؟ واياكم والتأويلات التي لا تمت بصلة للحقيقة .. فالتأويلات من كل هبيب ودبيب دون سند لواقعة الجُرم ، قد تتحوّل إلى حكاية يتناقَلُها الناس بجهل وقد تتحوّل إلى اساطير لا يقلّ جرمها من بقع ظلامية بقع الدم نفيها على حصيّات الوادي بل وتُصْبِح واقعاً مُزيّفاً يُصدقه الناس؟ وسوف يصِل بنا الحال إلى واقع مُخيف في قادم الأيّام البَعيدة او القريبة . ! ذلك أنّ للموت هيبة لا تُعادله هيبة على الاطلاق ، وقد تقضي على الطُموح الإنساني .. فيما انّ غاية الانْسان الأماني المُجيدة وكل غاية لا تُحقق الطُموحات تكون في قوائم مُجسّدة كقوالب لا أفعال لها البتة .؛ خالية من مقوّمات الحقيقة لكون الغاية مرتبطة بالحياة اما الاماني فأكثرها يرتبط ما بعد تحقيق الغاية .!

دعوني أحدثكم عن الموت وحقيقته .. الموت لا يَسْتثني أحداً فأمْهَر العارفين وأعزّ الرجال وأشَدّهم بأسَاً يُدركهم الموت وبعد حين يُصبحون نَسْياً منسياً .. الموت يَجْعَل أهْيَب القوم في غيابة قاهرة .. يُبدّلها من جسد ينبض بالحياة إلى جُثّة هامدة لا حِراك لها.؛ فتَزول هيبة الانسان بَعْد سُكون جسَده فلا صَدى يُسمع ولا حركة تُخشى ، ثم تتحوّل إلى ذكريات غابِرَة ثم تُنسى..! الموت سلطة خفية لا يَطّلع إلى سرّها أحد .. الموت لحظة لا اختيار فيها ، تُفهم إذا خرست السَكنات وتجمّدت الحركات.. هيبتها الصدمة المفزعة بأغلال مُصفدة ، تَرتَبِك الحركات وتَخْتَلج الأعضاء في بَعضها  وتكون في كومَة كأنها لمْ تَكُن شَيئاً.؛ واما مشهد الموت هو انْقضاض مُفاجِئ بعلم وادراك مقطوعة الحواس ، مسكونة الحركة ، قوية الصدمة ، لا يُشْبِهُها شيء .؛

قال احد الرجال و كانَ يَقِف بجوار كبير القوم :

ـ تباً لك .. أجِئْت أعالي الوادي بتفاهات القول لِتَسْألنا عن الموت .. كُلّنا يَعْلَم ما هو الموت وكُلّنا شَهِدناه في أحِبّتنا وأقربائنا.. فما الجديد فيه .؟ الموت  يا وليد نهاية كُلّ مخلوق ، الموت محتوم  لا جدلية فيه … قل ما هي الفلسفة التي  جئتنا بها وما هي تلك الفُجاءَة التي تتحدث عنها.؟ ، اعلم يا وليد أنّ  النهاية كائِنَة في الجسَد المادي.؛ وازيدك دَهْشَة حتى الرّمال تموت وهذا الوادي وجباله يشعرون بفجائية الموت..؟!

مَدّ وليد عينيه في عين مُحدّثه باسْتغراب .. قال رجل عُرف بين قومه بالحكيم .. سأحدّثك بأمْر يَنفعك  فاسْمع مني..! رفع سَبابته وهو يُحرّكها بشَكْل دائري مُشِيراً إلى ذلك الجمع ، نحن جميعاً ،منذ ولدنا لمْ نجد بقع دم على حجارة الوادي .. والسؤال من الذي نَقلها إلى هذه البُقْعَة من الأرض ؟ وكيف انتقلتْ وما هي أداة الإنْتقال .؟ لا تتعجّب ولا تندهش بفجائية الموت.. حدثنا فقط عن حقيقة انتقالها إلى حصيات الوادي وتفاصيل نقلها وانتقالها .؟

رد كبير القوم مُقاطعاً الرجل:

ـ هَوّن عليك ، مُشِيراً إلى الحكيم ، دَعْهُ يُحدّثنا عَمّا يدور في خُلده .. لربّما يكون فَهْمَه أقرب للحقيقة .؟ ونظر إلى وليد .. تفضّل .. هات  ما عندك .. حدّثنا عن الموت أوّلاً ثم يُمكنك أنْ تُعَرّفنا عَن بَحثك في أعْماق الوادي وحدثنا عَن تفاصيل حادثة الجُثّة المُضَرّجَة بالدماء .؟ وعن سَبب انتقالها إلى حَصِيّات الوادي.؟ ويُمكن أيضا أن تبيّن لنا الفرق بين دم إنسان ودم حيوان.؟

هزّ وليد رأسه إيجاباً.. واستأنس بترحيب كبير القوم بحديثه وقال  :

ـ لقد عَرّفت الموت من قَبل .. وما زلتُ أقول أنّ الموت سُلطة وسطوة لا تُشبهها سطوة ، سُلطتها لا تُرد ولا تؤجّل .؟ مصدرها القُوة والتمكّن على كُلّ مَخْلوق وكائن بلا اسْتثناء .. الموت يُنْهِي الجَسد ، تَركع لِسَطوته رُؤوس الجبال وتخشع لهيبته الرمال ، الموت هيَ الحقيقة الحاسِمَة بالفُجائِيّة غير المُدركة وهي اللحظة المباغتة.. ، وقد تأمّلت كثيرا فيها وتفكّرت وكانَت نتائج ما تدبّرته فيها، أنّها نِهاية إلى مرحلة امتناع الجسد عن اسْتقبال أي شيء.؛ وعلينا أن نتّعظ باللحظة الحاسمة ونأخُذ بأسْبابها بمحَمل الجَد ,؛ ـ لماذا .؟ قال كبير القوم.

لأنّ الموت في حقيقته وعي صارخ صامتٌ لا يَعلمه أحد في الوجود ، ولكي نعلم حقيقته الصامتة أن يَعُد إلينا أحد ماتَ فيخبرنا عن تلك الحقيقة الصارخة في الاعماق.؟ فالموت وَعْد مجهول غيرَ مدرَك .؛قد نعلم بواعِث الأسْباب ، لكنّا لا نُدرك كَنهها .. أمّا البَحث في أعْماق الوادي فتلكَ حكاية الحكاية .. ولا أُخْفِيكم سِرّها .. فعِنْدَما اقتربت من الرمال الجرداء شعرت بانتشاء غير عادي ، دَغْدَغ حواسي ، واغراني سحر الرمال وانجذبت نحو المزيد وتغلغلت في أعماقها ، واندفعت إلى اقصى ما استطيع الوصول إليه ، فأسكنني هواءها وأرهبني ظلامَها ومَشِيت .. وعندما انتبهت اكْتشفت بأني قد بلغت أعماق الوادي ولستُ في أعالي الرّمال ، وقتها كنت واقفاً ، فجلست ،وأحسست بأنفاسي تتصاعد شهيقاً وزفيراً فتماسكت. وقد تمكّنت من لملمة اشِلّاء كياني واسْترجعت بَعض قُوتي كيْ لا أضعف في لحظات الرُعب فيأتِيْني الموت بَغْتَة .!

قاطعه رجُل كان يقف على يمين كبير القوم وكان مُتكأ على حجر كبير وبيده عصاً خشبيّة ، تَبدو صلبة كحجارة الوادي  :

ـ هل فَعلت ذلك وأنت مدرك للحظة سُكون الموت وهل أحسست بِدُنوه منك ؟ والسؤال الآخر ، وهل توقعت بقوة تنقذك من فجُائيتها .؟ أم أنّك ادركت أنّ الموت يَنتابُ الجسد بِشَيء من الخوف فيربكه بشدّة تستغل ضعفه ، كما تقع الفريسة في قبضة مُفترسها في لحظة ضَعف .؟!

ـ لا.. لا ..قال وليد ، الموت اشْكاله مُتعددة ومَخاوفه مُختلفة ومُتفاوتة ، لكنّ الاخْتلاف فيما يُسَاق إليه الجسد وموقف اللّحْظة ، قد تَنجو وقد تَضعف وتستسلم وتكون تلكَ هي النهاية ، وفي كِلا الحالتين سِرّان لا تُدركهما عُقول البَشر ولا تَفْهَمها ، ذلك لانّ حدود مُقدّراتها تخفى عن الابصار والأسماع ويكون العقل ساعتها مُغلقاً .. نعم هناك مخاوف حسّية ، وشُعور من الفزع والخوف والضعف والإنكسار، قد يأتِي في أجمل اللَحظات واسْعده ، قال جدي الكبير في ذلكَ الشأن ، إذا أحْسَست بالضَيق ودُنو المَحتوم فاجلس حتى تهدأ رُوحك وتستعيد أنفاسها ، ولا تَخشى مَجاهل السُّكُون ، وإنْ ادركتَ ما في داخلك كالهم والضعف ثُم آمنت بما خشيته أمنت مصرع يومك.؛ أمّا عن الوادي وما يُحيط به ، فأنا عندما أنظُر إلى أعماق الوادي وانظُر إلى اسطحه، أجدها رمال تُوحي بالأمان والاسْتقرار ، وإنْ بدا على أَمْكِنَتها الجفاف.؛ أمّا من حيث شُعوري تّجاه الحياة والناس فقد ظلّ ذلك الشُّعور يُؤْلِمني بالجهل والعجز.؛ والخير لنا أن نطمئن على حياتنا بالوادي والرمال .؟ وينبغي علينا فِعْله كَمُجتمع في الوادي والرمال أن نطمئن ونعيش سُعداء.؟

قال محدثه مُقاطعاً :

ـ وهل هُناك طريقة تُمَكّننا من الوصول إلى مستوى الأمان والإستقرار بالوادي لخلق حياة صالحة بين الناس..؟

عقّب وليد :

ـ حماية النفس بالسلوك القويم فهو مطلب آمن لحياة مُستقرة.؟  فالانْجرار وراء الرغبات المؤذية قد تصرف عنا الاهتمام عن الفيد في الحياة .؟.

ـ لماذا .؟ قال كبيرهم .

ـ لأنّ كُل انحراف يجر إلى الظُلم يُؤدي إلى القلق والخوف على معيشة الناس، وأيّ حياة مليئة بالأذى لا تستقر.!

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى