أصــداء منوعةثقافة ، أدب ، إصدارات

روايـة .. “وادي الرمال” .. الجزء (1)..

الكاتـب/ حمـد الناصـري

 

روايـة .. “وادي الرمال” .. الجزء (1)..

 

مرت سُنون طويلة ورِجال وادي الرِّمال في شِقاقٍ وفُرقةٍ وتمزّق ، فذَهَبَ كل امرئ  حَيث رَغِب وارتَضى ، وباتَ الناس بالوادي يَتَصَارعون تتقاذفهم أهوائهم وتقودهم رغباتهم في كُل رُكن مِن أركان وادي الرمال وفي خًضم كل تلك الفوضى والتناحر شبَّ فتى يافِع طيب ، يُحِبّ الخَـير ، ويَسْعى لأجـل إِسْعاد المُحِيطين به.

وقد قرر وليد الشاب اليافع أنْ يَولي وَجهه شَطْر صَحْراء الوادي التي أحبُّها مُنذ نعومة أظفاره ، ليخلو بنفسه بين رِمَالها السّاحرة ويَنعم بهدوء وسكينة تلك الرمال الناعمة لعلّها تَبعده عَن أجواء ،الصَخب والفتن  التي يَفتعلها رِجالات قَريته الوادِعَة ، فالصحراء وديعة مُستكينة بِسُهولها وأودِيَتها ،تحتضن مَن يأتيها وتُبدّد همومه ، ولم يَلبث أنْ يغادرهاُ حتى يَشده الشوق إليها يُؤمّل نفسه بالعَودة إليها :

لا شك أنّ تلك الرّمال مليئة بالحِكايات الجميلة حيناً والقاسِية أحياناً.. ولا شكّ أيضاّ أنّ حبّات رمالها تَختزن ذاكرَة أزليّة، مُنذ بَدء الخلقة وقد شهدَ ذلكَ البَدء كثيراً مِن الأحداث والتّهَاويات المُتقلّبة .. ولِعَمري فأنٍي أظنّها مُتواصلة مع بَعْضها.. قال عَنها جدّي ، حياتِها عِبارة عن تِيهَ وأباطيل!!.

هكذا حدّث وليد نفسه.

وذات مَرّة قَرّر وليد أنْ يُسافِر إلى أعماق صَحرائها المُوحِشة ، ويَبتعد كثيرا عَن قَريته، وهو في طريقه لِتَحقيق هدفه التقاه أحد رّجال القرية ظَهِيرة يَوم شَديد الحَرارة وحدثهُ قائلاً:

إن هذه الصّحراء واسعة كأنّها بلا نهاية، يُحِيطَها غُمُوض عَمِيق، فالذي يَتمكٍن مِن سَبر أغوارها يجب أنْ يكون ذو جلَد وحكمة وشجاعة عنيد ذو إرادة تهدّ الجبال ، فكم من رجل حاول أنْ يخوض غِمارها فخسر حياته وتاهَ في أرجائها المُترامية ، إِنّها رِمَال قاسية لا ترحم ، تَسْكُب الشمـس أشِعّتـها الحارقَـة فيها على الوُجوه بلا مُبالاة ، فَتُعَمِّق أثرها في الوجوه  .

قال وليد وهو مُنشغل بأفْكار تتلاطم في رأسه، بَعضها خوف .. وكثير منها فضول لِلْمَعرفة .

– لماذا .؟!

– لأنّ رِمَالها قاسية وأمْكنتها مُتشابهة وأوديتها قَفْر.. نهاراتها جافّة مُوحِشة ولياليها مُظْلمة مُخيفة ، تُفتّت الأكْباد .. كما لو كانتْ سَيّئات الشّر وآثاره قد قَسَتْ على أَمْكِنتها ؛ “هكذا يُعَرّفها العَارِفون”.

– يا إلهي.. ألا تَعْتقد بأنّ هُناكَ ، سَبباً  لشِدّتها ؟ أَلا تَعْتقد أنّ في الأمر ثِمّة قَسْوة غامِضة.؟ أولسنا نحن البَشر مَسْئولون عَمَّا تَقْترفه ايدينا ، قد تكون قسوتها لحماية طبيعتها النقيّة مِن دنَس البَشر!!.

نَظر الرجل في وجه وليد نظرة غير مُصدق و اشْتدّت نظرته صَّلابة :

– لا أعتقد ذلك .. ففي ذلك البَحر المُتلاطم مِن الرّمال الجافّة ، ثِمّة قَسْوة تتحرّك ، فلا شَيء ، يُمكن أنْ تَنْظُر إليه إلّا وتخاف مِنه.! فحتى الفراغ مِلْئهُ رهبة ، يُحيط بك مِن كُلّ جانب ..والسّهل ليس سهلاً كما يبدو   ، تفترش انْبساطه حِجارة صَلْدة خشنة، والجِبال أشدّ وُعُورة وصَلْابة ، ألوانُها باهتة ، وفَضاءات الوادي واسِعة ، تتشكّل كما لو أنها مُلتصقة مع الأفق ، لا حُدود لإتّساعها  ، والسّماء غَير بَعِيدة عن الرّمال وتراهُما يَلتقيان في الأفق لا يَقطع حبال تواصلهما الا بزوغ الشمس .

ـ كيف ؟ قال وليد .. وقد فتح راحة يَديه تعجباً!!.

ـ ألا ترى أنّ السَّماء بلا لَون ، والرِّمَال بقَسْوتها تَطْبق عَلى كل شيء حتى طبَعت تلك القسوة في قلوب وعقول أهل وادي الرمال ،فاصبحوا أشدّاء على بَعضهم رُحماء على الرمال ، والقلّة الذينَ توصّلوا إلى أبعادها وفَلْسَفتها في حيرة بينَ انْ يبقوا مع البشر او انْ يَتّحدوا مع الرمال، َيبحثون في أُتونِ مَعْرفتها ، أكثُرهُم يَدّعُون بأنّ بِها كُهُوفاً وأوديةً مُوحِشة ، مُرعِبة ، نَهارهُا كَلَيْلُها ، قَتامَتِها تَهُزّ الرُّوح في سَكناتها .. تُغطّيها السّماء نَهاراً ، لكأنّها كهوف بلا نهار ، تَلْتَحِفها العُتْمة في سَاِئر أوقاتها إلاّ مِن بصيص ضوء يخترق عِتْمتها ساعة مِن نهار  وخُلاصَة القول أنّها مُوِحشة ومُرْعِبة.

لم يَهْتز وليد لِلكَلمات التي نطقها الرّجل، ولَم تهتز عزيمته ، لم يَسْكُنه الخَوف .. ظَلّ صَامِتاً لا يَتكلّم ، يَنْظُر في وجه مُحدّثه بِاستغراب ، بل وازداد رَغْبَة وهِمّة ، وقال :

– حَدّثني عنها أكثر .. فَإنِّني أتشوّق إلى الوُلوج إليها . وأَتُوق لخوض غمارها والوصول الى حيث لم يَصل أحد مِن قبلي، فقد أثٌرت فُضُولي أكثر وأكثر!!.

– ولكني أخشى عَليك .!!

– لماذا ؟ أو تَظَنني صَغيراً ؟! .. أم تظنّني ضعيفاً ؟! أم تعتقد أنني جاهل مُغامر؟!  إطْمَئن ، سَأسِير وفق مَنهج سَليم وسأتعلّم الكثير من تَجْربتي .. فالصّحْراء مَدْخَل لِلتّفكّر في الحَياة والناس .. وفي جنبات رمَال الوادي ، سِرّ العِلاقة مع الوُجُود ؟.

سَحب مُحدّث وليد نَفَساً وقال :

ـ ألَم أقل لكَ ايضاً أنّّ سُكّانها يُدْعَون بأصحاب الوُجوه البَشِعة ، لِما لِوجُوههم من كَلاحَةٍ مُلْتهبة.!

ـ أنا أرى أنّ الكَون برِمَاله وأوديتهِ وقِفَارهِ وبحاره ، وسَمائِه ، ما هُو إلاّ سوق كبير ومَنبر لا يَصعد درجاته إلا القادرون .. وكَلاحة الوُجوه قد تعبّر عَن القسوة ولكنها أيضاً سِمَة مِن سِمات الصَبْر والجَلَد …تلك الصحراء تتملّكني ويَسْكُنني هاجسها  منذ زمنٍ بعيد.

– ولكن عليكَ أنْ تأخذ حِذْركَ ، حتى وإنْ بدا اهتمامك بالرّمال والوادي والناس والصّحراء عظيم ومُتغلغل في نفسك التَوّاقة للمغامرة ، فَتلك الرمال إنْ أحبّتك أخذَتك إلى غير رجعة وإذا كرهَتك أحْرقتك..  وإنّني أعلم أنكَ رَجُل صَلْب ذو عزيمة وإرادة، وذو نَظْرة بَعِيدة . ولكنْ تذكّر جيدا أنّ كِل مِن خاضوا تلك التجربة لم يعودوا ليرووا لنا حكاية الرمال .!

بَدا الغُبار يَتصاعد ويُغطي القَرية ، مع بَدء مَغِيب الشّمس ، اختلاجات غير مُنتظمة تتولّد في قلبه ، قسوة الرّمال هو جُلّ ما يشتكيه النّاس بالقرية.

ـ قال عنها أحَدهم نقلا عَن القُدماء ، أنّ ثمّة انفجاراً كونياً ، أَحدث ضَربة هائلة ، فقستْ على الرّمال ، فأحدثتْ جبالاً وصُخوراً ثمّ نتج صَعْقاً قوياً أدّى الصّعْق القَوي إلَى تناثر حَجراً جَلمودا صَلْدا ثم تفتّت وتَفّرق وتناثر عَقِب الصّعْق لتتحوّل حِجارتها إلى قَسْوة ورمَالها إلى خَوف مُتَقلّب.!

 

 

* إلـى اللـقـاء فـي الجـزء الثـانـي..

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى