أصداء وآراءبأقلام الكُتّاب

روايـة وادي الـرمـال .. الحلـقـة (8)..

حـمـد الـنـاصـري

 

روايـة وادي الـرمـال .. الحلـقـة (8)..

 

قال كبيرهُم مُعقّباً :

ـ ما الذي دَفَعك إلى هذا الفِعْل الكثير.؟

ـ هُموم الناس جُزء من الحياة التي نعيشها . فإنْ خسرنا الرجال، خسرنا الحياة ..! سكت سكتة خفيفة .. ثم استأنفَ حديثه ، وصوّب نظرهُ إلى كبيرهم ، قُل لي ، من ذا الذي يُنشيء العلاقات بين الناس ، أليس هُم الرجال.؟

أَوْمأ مُحدّث وليد برأسه إيجاباً:

ـ  ايْ نعم .!

ـ إذنْ الرجال جُزء من القيم ، فإنْ نحنُ خسرنا الرجولة خسرنا القيم .؛ وإنْ ضاعتْ العلاقات او أصابها خَلل ما ، فَقَدْنا توادّ الرجال وخسرنا تحابّهُم و ذلك سيؤدي إلى تشتّت آراؤهُم ووهن عزيمتهم وضياع قوتهم ناهيك عن نشوء العداوات والفتن وضياع الأمانة بين الناس  .؛

نظر وليد في وُجوه الجمع الذين تحلّقوا حوله ، وسأل مُحدثه كبيرهم :

ـ أليس تبادل المنافع بين الرجال هو سرّ ترابطهم.؟

ـ نعم …؛ قال كبيرهم! .

ـ إذنْ وبما أننا اتفقنا على ذلك فلنجعله أساسا لحوارنا فالمسؤولية مُشتركة ويجب أنْ يَعِيَها الجميع فكُل فرد مسئول عن جزء من هموم الناس.!

تجادل المُتحلّقون حول وليد بينهم واستنكروا أُسْلوبه وتعامله الفظّ مع كبيرهم وانْفِعَاله وأسئلته عن جريمة الوادي وعن وجود آثار الدماء على جنبات الوادي ، فقال أحدهم  ، لكأنه يُناصر وليد:

ـ لا اعتقد أنّ وليد كان فظاً وقحاً ، بل أنه كشاب له رَغْبَة في المُغامرات ولديه فضول كبير للمعرفة والاسْتكشاف وَولع في دراسة غموض الرمال الواسعة ، فلا شكّ في أنهُ سيجد مُعارضة ورفض من بعض الناس ولكنه يشعر أنه لا بُد له من الوصُول إلى المعرفة التي يَنشُدها والإحاطة بها رغم كل المعوقات علماً أنه كأن يُحاور ويُناقش بمنطق حكيم وكان جديراً بكبيرنا الحكيم  أنْ يُوسعه علماً ويزيدهُ معرفة .؛ وبالتالي ألم يكن كبيرنا هو من سمح له بذلك ، وفتح له المجال لكي  يُحدثه عما في داخله .. واستطيع أن أؤكد لكم أنه قد صَدق في قوله وفي مُبتغاه .. ويبدو لي واضحاً ومن فكر وليد أنّ حريّة الناس هي قمة غايته وينشد الوصُول إليها وأنّ حريّة الرأي هي هدفه الآخر  وغايته.. وأظُنها ـ ايضاً ـ حريّة منقوصة في وادي الرّمال.؟ 

شقّ على أحدهُم فَهْم كلام الرجل .. فقال:

ـ هل أنت مع القوم ام ضدّهم ..؟ لماذا ترمي بكلامك حول رأي وليد .. وحريّة الناس في الرمال وهدف وليد وحُرية الرأي المفقودة بالوادي .؟ وكلام آخر لم افهمه ولم يرقَ لي .. والسؤال اطرحه عليكم جميعاً.. هل ينبغي على كُل احد منكم أن يأتي بشيْ لم يأتِ به احد قبله ثم ُيسميه هدف وغاية وأن لديه الحلول لكل غموض ومشاكل الوادي والرمال.. وهل حقا تظنّ أنّ وليد يُحب المغامرة ومهووس بها وأنّ له هدف وغاية .. ! كلام كبير لا أفقهه ولا آخذه  بمحمل الجديّة أبدا ، بل هو فتى متهور  وجامح واما مُغامراته التي جاءنا بها وقصّها عليكم فهي مردودة عليه ، لا تهمنا ولا نحتاج للتهافتْ عليها ولا نُريد سماعها.؟

قال رجل آخر بدأ الشيب يغزو رأسه معقباً على كلام الرجل :

ـ أتفق مع  ما قاله سعيد ـ وأشار إليه ـ  كيف هذا .؟ كيف يمكننا التيقن من كلام وليد وليس لديه شاهد ولا دليل.؟

قال وليد وهو ينظُر في عين سَعيد :

ـ قرأتُ في السِّيَر الأُولى سواءً في الرمال القريبة أو البعيدة، إنه مِن أَقْدَس الواجبات ، أنْ يُكافِح الإنسان في سَبيل حُريّته وحرية الآخرين، لتبقى الطمأنينة في قلبه ولكي يردع من يتطاول عليها ويمنع شر الأشرار وكيد الكائدين.؛

قال سعيد وقد مَد نظره إلى الجمع المُتحلّق حول وليد :

ـ مَطالب وليد رائعة ، لنبقى بالوادي على حياة مُسْتقرة لا تعب فيها ولا مشقة .!

قال رجل كثّ الشَعر غائر العينين من نفس المجموعة وهو ينظر إلى المُتحلّقين، مُوجّهاً سبابته إلى وليد :

ـ طيب هل لك أنْ تدُلّنا عن معنى او مفهوم الكرامة والحرية بالاطْمئنان ؟ ومن هو غير المُطْمئن ؟ وكيف الحفاظ على الكرامة وقواعد الاطمئنان ؟

أجاب وليد بابتسامة :

ـ الانسان قد يكون مُطْمئن إنْ وجد أو لمسَ ما يَجعله مُسْتقر بلا خوف، وهذا الاسْتقرار لنْ يكون إلاّ بحفظ كرامة عادلة .؟ أما غير المُطمئن ، فهي حالة حين تهين العدالة كرامة الانسان فيضيع الاسْتقرار ومعه يضيع الاطمئنان .؟إذنْ نقول وجود الإنسان كرامة وميزان الحياة عدالة.؛ وأنّ الحياة كمَصْنع يخرج منه الرجال على اختلاف أخلاقهم ومشاربهم ولكن يبقى همّ الجميع الحرية والكرامة و وجودهما ضمان الأمن والطمأنينة وبهما نشهد رغد عَيشنا وقوتَ يومنا ورفاهية حياتنا؟ فرزق قليل مُطْمئن خيرٌ مِن كثيرٌ مع خوف ؛ فالإنسان مُنذ أنْ يُولد حتى نِهاية حياته يحيا قلقاً خائفا من القادم ومُضْطرباً في كثير مِن خيارات حياته ؟ انْظُر وتفكّر لماذا يُولد الإنسان باكياً .؟ لأنهُ يتنفّس الحياة ويدخُل الهواء إلى جوفه ، وقد يَبْكي دونَ أنْ نُدرك أو حتى يَحزنْ حينَ تَلِج  إليه نهايته أو عندما يَنقطع الهواء فلا يَصل إلى صدره ، والسؤال لماذا يَنقطع الهواء .؟لماذا لا يمرّ إلى صدره، لمَ ذلك الاحْتباس للهواء وما تأثيره .؟ أليس في ذلك علامة بشَلّ حركة الجسد وإيذاناً بدنو الأجل.؟ وسأطرح عليكم أسئلة اعمق من ذلك ، لماذا يأتي الموت مَكتوماً.؟ وهل كُل الموت يكون مكتوماً ، وهل هو في البشر دون الحيوان وهل يتساوى الموت في الجبال والرمال.؟ وهل الكرامة صفة تقتصر على الإنسان دون غيره .؟ وهل قاعدة الاطمئنان سرّ مِن اسْرار السماء على الرمال.؟ وما الذي علينا فعله للكشف ن ذلك الغُموض أم يجب علينا أن نَتدبّر الحكاية ونبحث فيها حتى نجد لها سبيلاً ومخرجا ثم يأتي غيرنا ليبدأ من حيث انتهينا ويكشف اسْراراً لم نكتشفها ويفُكّ غموضاً لم نفهم كنهه ؟ فالحرية ليست تصرفا أو سلوكا فقط بل هي قاعدة الحياة .. فلا أحد يستطيع أن يرى ما خلف الباب الموصَد وخصوصا عندما يَشُق عليه فتحهُ وكذلك المعرفة والسلوك والفهم لا يمكن أن نصل لأي منهما دون أن نرى و نلمس ونستكشف ونتعلم.؛ وسألقي عليكم قولاً واحْفَظَوه في صَدْوركم .. إنّ الذين لا يخشون عاراً ولا يَمْلكون حياءً لن يكون  بِوُسْعهم إِمْلاء قناعاتهم لأنهم لا يميزون بين مُظلم ومُشرق ولا بين حق وباطل ، فالحياة الكريمة المطمئنة حقّ لكل الناس ومُلك مُتاح للتعايش بسلام ولكن بشرط ألا نضر الآخرين وتلك حدود محرّم تجاوزها والقناعة تتحقّق بالرّضا والرضا يوصل إلى الاطمئنان فحتى الهواء الذي نتنفسه نتقاسُمه مع الآخرين وعلينا أن نتقبل ذلك ، كما أنّ الكرامة والحرية ليستا بلا حدود والتعدي على الآخرين بلا سبب ليس حرية بل ظُلم وعدوان  ، وثِق أيّها اللبيب بأنّ الرّضا والاطمئنان لنْ يأتيان يوماً دونَ وُجود وسِيلة تصل بها اليهما وتعيش لحظتها ، فالاطْمئنان إذنْ مَسوغ حياة يشترك فِيها الجميع وتتحقّق على أرضيّتها القواعد بثلاثتها الوسيلة والمسوغ والغاية بوجوب الثلاثة التالية الرّضا والقناعة والاطمئنان والفِعْل المُشترك بينهما الإلْتزام بالثلاثة الواجبة، الاحترام والحياة والعَمل .؛ وعلى كُل فَرد عليه أنْ يَتطهّر من شُرور الثلاثة، الجشع، الكبر والأنانيّة والتي هي مركز البلاء وبداية الشّعُور بالانعزالية ولنْ يَشْعُر بها غير الذي يُلج في متاهاتها المخيفة ، وتلك الحالة  قد يشعُر بها الغير وقد لا يَشْعُر بها الا بعد فوات الآوان  ، لكنّ المحصلة ، الحياة لن تستقيم إلا بالاحترام في كل شُؤونها وشجونها ، وأنّ العمل واجب تُفرضه القواسم المُشتركة بلا استعلائية ولا أنانية .. وإني لكم ناصح أمينٌ ، فاتّبعني بالثلاثة ثم اتْبعها بثلاثة وهكذا دواليك ، تصل مُبتغاك بلا خسارة وتحقق رشاد الحياة .. وإيّاك ثُم إيّاك أنْ تُغتر بنفسك وتنظر الى الناس من مكان عالي فإن الانحراف عن  الطريق السوي قد يكون سهلا لكن العودة لن تكون بنفس السهولة وعليك أن تدفع ثمن أخطائك في النهاية.؛ ولا تَصنع شَراً فينقلب عليك فمردّ الشَر إلى صاحبه ولو بَعْد حين وما الشَر إلا وبالٌ ونِقمة وإذا انْعدم الاطمئنان كان بقاءك في ذلك المكان ندم وحسرة.! واعْلَم أنّ صَوْن حُقوق الغَير واجبٌ مَفْرُوض ، لِكيْ يفعل الآخرون كما تفعل فيصونوا حقك ، واحفظ الثلاثة الأهم في الحياة ، سلام بلا قسوة واسْتقرار بلا خوف وحُريّه مكفولة بالعدالة لا استلاب فيها ولا قَهْر ..! واعْلم أنّ الاستبداد معرّة سواءً أكانَ بِعلْم أو بغير عِلْم .. وقرأتُ في الكُتب العتيقة أنّ الإثْم المقصود ذنب كبير ، قصاصه فكّ الرّقاب .. وإنْ التزمت وبقِيتَ على القواعد الثلاثة ، الرّضا والقناعة والاطمئنان وعملت بالثلاثة الصالحات في الحياة ، الإحْترام  والحياة والعمل .. وابْتعدت عن الثلاثة المُهلكات، الجَشع والأنانيّة والكبر .. أضْمنُ لك ارتْقاءً ثابتاً بالكرامة والعزّة اللتينْ لا تُضَاهِيهما كرامة وعزّة وعيشا رغيدا مطمئنا.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى