أصــداء منوعةثقافة ، أدب ، إصدارات

روايـة وادي الـرمـال .. الحلقة (17)..

حـمـد الـنـاصـري

 

روايـة وادي الـرمـال .. الحلقة (17)..

عُرف عن الجد الكبير بأنّ في حركته إشارات دلالية وإيحاءات مُعيّنة .. فإذا انقبضت عينيه وصَغرت حدقتهما وقطّب وجْهه وعَبس ، فذاك يَعني أنّ أمراً قد تكشّف بتفاصيل سيّئة .. وإنْ ظهرت على وجهه تقاسيم عابسة فإنّ شيئاً أغضبه أو كلاماً لم يُعجبه ؛ كما عُرف عنه ـ أيضاً ـ بأنّ تعابير وجهه تتغيّر على ملامحها وِفْقاً لمشاعره تجاه مواقف مُعينة.

في اليوم التالي ، استمع الجد الكبير إلى ما جاءَ به الرجال من كلام فيه شِقاق وفِتَن ، وكانوا له كارهين ، تحدّث كبيرهم مُخاطباً الجد الكبير: سيّدي الجد الكبير جِئْنا إليك لنصل إلى الرُشد ، ولِنَنهل من فكرك وحكمتك ما يَدلّنا إلى مكنونات الحق المُبين ونُثبّت أنفسنا على وعي الحقيقة ؛ فهزّ الجد الكبير رأسه بالموافقة ، وتمتم : قوم اجتمعوا على حقيقة ثم اختلفوا ، يشهدون على انفسهم وبينهم شقاق وتباعد وظاهرهم أنهم على وفاق ، أظنّ أنه ينبغي توثيق هذا الحال لتعتبر به الأجيال اللاحقة.؟ بدا على الرجال شك عميق في قول الجد الكبير، فقال أحد الرجال وكان واقفاً على يمين زعيمهم : هل نحن قوم خالفوا الحق أم عنه مُبْعدون.؟ قال زعيمهم غاضباً وهو يُحاول الجلوس إلى جواره : اصْغ إليّ ، أظن أننا أخطأنا بمجيئنا إلى هنا وأننا يجب أنْ نتخلّى عما اجتمعنا من أجله.؟ فقال رجل يبدو أنّ الزمن أكل وشرب من ملامح وجهه عليه غبار الزمن : هل تقصد مُفارقة الجد الكبير والخروج من مجلسه .؟ قال الرجل الهامس : نعم ذاك ما أقصده ؟ فأجابه الرجل : أأنت واثق مما تقول .؟ اتعلم ماذا تعني مُفارقة الجد الكبير والخروج عليه .. إنّها ردّة كُبرى ، وخروج عن العُرف والقواعد التي تحكم مُجتمعنا.؟ ثم اردف مُحدثاً بكلام لم يُقرأ بَعد : دار لست بها مُقيم، علّها لم تكن داري ، ورفاق لستُ منهم بمستفيدٍ كرمال دُسّ بها غُباري.؛ فرد الرجل بكلام أجمل لم يَسمعه الرجال من قَبْل : وإنْ تَكن مُنكسراً بالشيء فتلك نازلة ، لا خير في من ردّد صوت الشّجر ، كن صَلباً قاطعاً كالسيف يَقطع الأجساد ، وإن بدا مُغرياً كالتّبر .. فردّ آخر ظنّ أنه هو المقصود ، فنظّم كلاماً جريئاً : الظّعْن والبأس لا ظِل ولا شَبهِ ، ولا ضوء يُشبه القمرا ، أنتم رجال العزّ والرمال موطنكم ، فهل فوق عِزّكم عِز قد ظهرا.؛ فقال رجل ، كان صامتاً ، منذ حضوره بينهم، هادئ الطبع سليم النفس : أيها الرجال ، مالكم تقولون كلاماً لا يكاد يُفهم.؟ تتحدثون بغموض وطلاسم لكأنّ بينكم ما صنع الحدّاد او خطيئة تُجسّدون غموضها بتراشق مقصود.؛ او هو أمر خطير تُخفونه عنّا.؛

انتقل كبير القوم وجلس قُبالة الجد الكبير وقال: سيدي الجد الكبير .. دعني أُلقي عليك أسئلة طُرحتْ عليّ من قبل الجموع الغفيرة ، وقد كُلّفتُ بدور قيادة الجمع في الاسترشاد برأيكم ، والتشرّف في المثول بين ايديكم، واسمح لي بطرح الأسئلة إلى مقامكم الشريف ، لِتَعلم أنّ ما جئنا به هو اختيارنا الصحيح؛ هزّ الجد الكبير رأسه وابتسم ثم قال تفضل ، قُل ما جئت من أجله .؟ فقال الرجل : هل يجوز استباحة المال بنيّةٍ لا خير فيها ؟ وهل في المغامرات استكشاف نافع عن بيئة نافعة.؟ وهل تجد لنا مَسنداً ، بنص لا تشوبه شائبة .؟ وهل يُشْرع لنا مُعالجة الظن السيء خشية أنْ نهوي إلى المِحَن والمشقة.؟ وهل من الخطيئة أنْ نُخفي نيّاتنا الحقيقية ونُظهر غير ذلك خوفاً من الانتقام.؟ دمعة احتبستْ على خدّ الجد الكبير ، فرد مُتعجباً مُستنكراً: ماذا دهاكم يا قوم ومن أين أتيتم بهذه الأسئلة الشاقة.؟ فليست كل الأسئلة تُجبرنا على الرد بأجوبة بحثاً عن الحقيقة ، ففيها من لا نُطيق إجابته.؛ تلك التي هي فوق قدرة فهمنا ولا تَعِيها عُقولنا.؟ وحتى تلك التي تخطر أجوبتها على البال فلست مُلزماً ببثّها بين الناس لأنها قد تكون فتنة وشر كبير ، فبعض الاسرار كُتِب لها أنْ تبقى أسْراراً ،حتى وإنْ سَلّمنا بها ، أو أنّ وجودها كائن ومَشروع .؛ فالخطأ يأتي من الإهمال ، والإهمال من جهل البشر ، وكل ذلك مُجتمعاً قد يتحوّل إلى شُرور ومصائب لا قِبَل لنا بها .؛ والجواب على بعض تلك الأسئلة قد تضطرّنا إلى التشكيك أو تقودنا إلى سُوء الظن ثمّ تعود إلينا بمُنقلب جديد وبعاقبة قاسية في حياتنا وأفكارنا؟ انْظر معي ، ورفع سَبابته وحرّكها يسرة ويمنة : في هذا الكون الفسيح ألم تتفتّق عقولكم عن خطاب رصين حكيم لا هاوية فيه ولا سُوء مُنقلب.؟ ألم تتوصّل أفهامكم إلى غاية وحكمة بالغة.؟ ألم تُدركوا أهداف الخَلْق ظاهرة بتفاصيلها وباطنة بعمق أسرارها.؟ رفع رأسه وامْتَد عُنقه إلى أعلى واستقام ظهره صَلباً ، وقال : إنّ إساءة الظن تشويه لِسُمعة الاخرين ، وتقليل من شأنهم .. والواجب الاريب أنْ لا يَتِيه ظنكم وينساق إلى الاسْوأ، وتحسبونه هيّناً ، فالرجل النقيّ الطاهر تمنعه أخلاقه الحميدة من الطّعن بغيره بسوء الظن.؛ فكما يُقال : الخيانة أشدّ إيلاماً من ضرب السيف.؛ فما ظنكم بمن يُراقب ويتجسّس على أثر الاخرين بدافع الانتقام ، وهو لا يَفقه في المُغامرات شيئاً ، ولم يصعد جبلاً او يطوي وادياً في حياته.؛ ثم يأتي إلينا فيقول في أولئك المُغامرين كذباً وزوراً.؟ أيها الرجال : أحسنوا ظنكم بأنفسكم وبالآخرين وقوّموا أحوالكم .؟ فليست كل فكرة جديدة هيَ بدعة أو مكر ضار واحذروا من تلك الأفكار السيئة والتطيّر من الآخرين والتشاؤم من افعالهم وتيقّنوا قَبْل أنْ تُطلقوا سهامكم ؟.

سكت الجد الكبير ، وكأنه يُتيح لكبير الرجال فرصة الإجابة ، وبعد حمحمة لتحسين صوته، قال بهدوء : نحن جئناك ولا ندري ماذا نفعل .؟ فإنْ صَمتنا قُلتم ، كأنّهم بلا عقل وإنْ أشَحْنا بأبصارنا عن ما يحدث ، قُلتم بأنّا قوم غافلون.؟ وتلك لعمري قسمة ضيزى ، فنحن نخشى أنْ تُشعل بيننا الفِتن أو أنْ تتقاذفنا الضغائن والأحقاد.؛ بينما نحن نصبوا إلى كلمة منك أو إثارة من فيض علمك تُهدّي بها ألبابنا وتُطفي بها نار الحيرة في نفوسنا وتُريح بال الذين تكشّفت لهم حماقة وجنون وليد.؟ فكان ردّ الجد الكبير كالصاعقة على المُجتمعين : كُفُّوا تحاملكم عليه .. دَعُوه وشأنه.؛

تغيّرت ملامح الوجوه ، لكأنّما شعرَ كبير القوم بالخزي والعار ، وشعر الذين اتّبعوه بالدّناءَة والامْتهان وبالذلّة والمسكنة .. فما حدث للقوم أمام الجد الكبير ، ليس بالسّهل وحكايتهم فيها مَشقة وباؤوا بغضب لم يألفوه مِن الجد الكبير ، فنزل صوته الجهوري كصاعقة من الغضب ، وكانت نبرة صوته ثقيلة .. ولكنّ القوم أصَرّوا واسْتكبروا ووقفوا صفاً واحداً كالبنيان المرصوص ، وحال بينهما التفاهم وكان الجد الكبير في عُزلة، وتردّدت أصوات عالية وضجيج صاخب لم يألفه الوادي ، وقالوا جميعاً للجد الكبير : رُدّ إلينا اعْتبارنا وهَيبتنا ؟ لم يرد الجد الكبير واخذ ينظر في صخرة كبيرة ،كانت على مقربة منه .. وقال : انظروا ، فكم هيَ وقحة جاحدة ، تقع في الجانب الأيمن من الجبل وتقطع على المارّة مِساحة ضيّقة من الطريق .؛ سكت ولم يُعقّب .؛ أخذوا يَتهامسون بينهم وكلماته قوية ولها وقع وقسوة في انفسهم .. ورغم اشتدادهم وصلابة موقفهم وإصرارهم وعزمهم للوقوف في وجه الجد الكبير ، فقد باءتْ شدّتهم بالفشل وانتكس بأسَهم واختلفوا في امرهم ، وأسَرّ بعضهم بعضاً : هل نحن فرّطنا في شيء .؟ هل نحن فعلنا ما يُورّث المهانة.؟ قال أحد المختلفين مع كبير القوم وبدا عليه احمرار غضب : ألا تَعوا قول الجد الكبير.؟ ألا تُعنيكم كلمته في شأن وليد ، ألا يكفيكم غضبه عليكم ؟ ألا تشعرون بالانكسار وقد تجهّم وجهه؟!.
ألا تجدون في كلمته غلظة : كُفُّوا غَيْظكم عَنه .. دَعُوه وشَأنه.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى