أصداء وآراءبأقلام الكُتّاب

ريّـان ضـد النـسـيـان..

 

شـيـخـة المـحـروقـيـة

 

ريّـان ضـد النـسـيـان..

 

أتعلم عزيزي ريّان ماذا كنت أفعل أنا يوم الجمعة؟ نعم تلك الجمعة .. اليوم الرابع لك وأنت في البئر وأكاد أجزم أنك قد فارقت الحياة؛ فالأطفال من قبلك وبعدك لم يتمكنوا من الصمود أكثر من ثلاثة أيام، يومها بثت العربية والجزيرة مباشرة أعمال الحفر وسبقهما في ذلك بعض القنوات والحسابات على مواقع التواصل أو ما يسمّيها البعض اعتباطًا “الإعلام الحديث”. لم أخبرك أنني كنت أقضي وقتًا ممتعًا مع عائلتي .. كنّا نغمر بعضنا بالدفء والسعادة، وبين الفينة والفينة نسأل : أخرجوه؟ أما الآخرون حين سألتهم أجابوني بإجابات متفرقة جميعها تختزل صورة جماعية واحدة : نقضي جمعتنا كما تعودنا ونتابع قصة ريّان .. هكذا كنت عزيزي ريّان، قصة نتحدّث عنها بين عدّة قصص نتسامر حولها في جمعاتنا، وإني أعتقد أن معظم العالم العربي كان معنا في تلك الصورة .. نعم تألمنا لأجلك وتعاطفنا مع والديك واتفقنا على أننا لا نستطيع أن نتخيّل أنفسنا مكانكم .. هذا الأمر الوحيد الذي اتفقنا عليه؛ فلا يغرنّك المغرّدون الخائبون الذين جعلوا منك رمزًا للوحدة العربية، لعمري أنّهم دفنوك في قاع البئر أكثر حينما رموا على أكتافك خيباتهم، وكسروا قلوب أهلك ومُحبيك حينما جعلوا منك مادة إعلامية يلتهي بها القاصي والداني.

لقد كنت قضية كبقية القضايا الإنسانية التي يلتف حولها الكثير من محرري الأخبار ومنتجي النشرات والبرامج ليعرفوا كيف يكتسبون ويحققون الربح من ورائها، إن كان فعلا إعلامنا إنسانيًا لوضعَ اعتبارًا لمشاعر والديك؛ فهو ذات الإعلام الذي تغنّى مع المُتغنّين بإنسانية الدنماركيين حينما سقط لاعبهم كريستيان إريكسون في الملعب فأحاطه زملاؤه بستار من قماش لحماية مشاعر عائلته من مشهد علّه أقل وطأً من مشهد جسدك الضعيف وهو يرتجف بردًا في قاع ذاك البئر، لم يفكّروا بقلب أمك حين كانت أكبر أمنياتها في تلك اللحظة أن تعود لتدفأ بحضنها، لم يكن يعنيها أن تكون رمزًا وطنيًا لوحدة مزعومة، أو صحوة عربية لا يبدو أنها قريبة طالما إعلامها مغمور في آبار الانتفاع.

أتعلم .. قبل أربعة أعوام سقط طفلٌ هندي في بئر ولقد شغلت قصته كل العالم عدا العالم العربي، فهو هندي هندوسي لا ناقة له ولا جمل مع مشكلات العرب، ولكن الإعلام الهندي ليس بأفضل حالاً، صوروا الطفل الصغير وهو في أضعف حالاته بذريعة الاطمئنان عليه، تمامًا كما فعلوا هنا معك، وتناقلوا ذاك المقطع الأليم دون الاكتراث بقلب أمه المكلوم حين تشاهد طفلها يصارع الموت لا حولٌ لها ولا قوة.

أتذكر الطفل السوري المهاجر إيلان؟ اهتزّ العالم بعد أن انتشرت صورة جثمانه المستلقي على الشواطئ التركية، أرادت الصحفيّة من تلك الصورة المؤلمة جذب اهتمام العالم لقضية المهاجرين واستطاعت، فارتفعت أسهم بعض السياسيين الذين عبّروا عن تعاطفهم علنًا بيد أنهم لم يحركوا ساكنًا، أصبحت قضية المهاجرين أولوية في نشرات الأخبار والبرامج بفضل صورة “إيلان”، زاد حجم التبرعات في ذلك الأسبوع ثم ما لبثت أن تراجعت الحكومات في دعم القضية، ولم تعد أخبار المهاجرين تحظى بذات الاهتمام رغم استمرار غرق العديد من الأطفال وعائلاتهم المهاجرة في البحار والمحيطات، إيلان كان قصة مثيرة ما لبثت أن طواها الإعلام في جنبات النسيان كما سيطويك أنت أيضًا ولن يتذكرك سوى والديك وبعض أحبابك.

هل تعلم يا عزيزي ريّان أنك لست الطفل الوحيد الذي ارتزق بعض الإعلاميين من مأساته؟ لقد قام أحد المصوّرين بالتقاط صورة لطفلة سودانية جائعة تحاول زاحفة الوصول إلى مركز الإغاثة بينما كان النسر ينتظر انهيارها واستسلامها حتى يُسكت بجثمانها جوعه، وحصل المصور بفضل تلك الصورة على جائزة بوليتزر لأنها لفتت أنظار العالم إلى أزمة إنسانية في السودان بفعل الجفاف والمجاعة، ومع ذلك انشغل العديد من الناس بمصير تلك الطفلة، وتساءلوا عن ضمير المصور الذي انشغل باقتناص اللحظة عوضًا عن مساعدتها، فكانت تلك التساؤلات سببًا في عذاب ضميره ثم انتحاره!! لتعلم يا عزيزي أن النوايا والغايات لا تكفي لتبرير الوسيلة والطريقة التي يتعامل فيها الإعلام مع القضايا الإنسانية.

دعني أخبرك عن قصة المراهقات الإسبانيات الثلاث اللاتي قتلن في حادثة هزّت قرية القصر بإشبيلية عام ١٩٩٢م، تلك الجريمة حظيت بتغطية إعلامية استثنائية نتيجة سعي حثيث لأحد الآباء لاكتشاف ما حصل لابنته وصديقتيها، فاستغلت قناتان تلفزيونيتان ألم هذا الأب وحزن العائلات الثلاث لتتحول المأساة إلى دراما فجّة تستقطب المشاهدين، بل وأشعلتا المنافسة أيُّهما يبدع أكثر في إثارة عواطف الجمهور؛ فتمكنتا من تحقيق دخل مادي استثنائي من خلال إعلانات تجارية تُعرض دون مراعاة الوقت المناسب، بعضها كان يُبث أثناء بكاء الآباء وحديثهم بحزنٍ وأسى على ما حدث لبناتهم!.

انتظر .. انتظر .. هل تعرف جمال خاشقجي؟ لا أظن؛ فأنت لم تكن غبيًا مثلنا نحن الكبار عمرًا الصغار عقلاً عندما سلبتنا آجاثا كريستي الجزيرة عقولنا وأوقاتنا ونفسياتنا لتقدّم لنا عرضًا مخيفًا عن مقتل ذلك الصحفي.

لعمري أنك وجميع الأطفال كنتم أذكى منّا، كنتم تلعبون وتمرحون ولم يتملّككم ذاك الشعور بالخوف والهلع والحزن، لم تكونوا مثلنا قطعَ حديد صمّاء عمياء لم تستطع الانفلات من مغناطيس تلك الأخبار العاجلة المتوالية مرتقبة نهاية هوليوودية، وعلى مدى شهر كامل تسمّرنا أمام الجزيرة كما تسمّر العالم العربي أمامها مرة أخرى في انتظار نهاية بطولية سعيدة لقصة وقوعك في البئر .. لا تقلق يا صغيري فالجزيرة لن تنزعج من حديثي؛ فهي أكثر من ينادي ويقاتل من أجل حرية الرأي والكلمة.

ريّان .. هل تشعر بالاشمئزاز مثلي؟ هكذا هو الحال يا عزيزي، لقد أراد الله لك وللعديد من الأطفال كل الخير بأن ترحلوا عن هذا الكوكب المتهالك أرضًا وإنسانًا، فالمشاعر هنا وهناك قد تبلّدت، وغدت أحوال البشر سلعة للمرتزقة، فالمتربّح من الطب يتمنى أن يمرض الناس كل يوم، والمحامي المتربّح يتمنى أن تحدث الجرائم وينزل الظلم بالناس كل يوم، وكذلك الإعلامي المتربّح يتمنّى ألاّ تنتهي المآسي ويصلّي ليعاني البشر كل يوم؛ فقضاياهم بالنسبة له لا تعدو أكثر من كونها ملفات وقصص للمتابعة والإثارة الإعلامية، لتُغلق بعدها وتؤرشف في مخازن النسيان.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى