أصداء وآراءبأقلام الكُتّاب

رِفْـقـاً بقـلـبٍـك..

مـيّـاء الصَّـوّافـيّة

 

رِفْـقـاً بقـلـبٍـك..

 

عليك أن تترك ما يؤثر على إحساسك بأن لا تجعله يصل إلى أغوار قلبك؛ كي لا يندبه فيؤثر على صحته، فقط اجعله مجرد عرض عابر.

وإن كان لا بد أن تلفحك منه بعض سهامه، فلا تجعل هذه السهام تهزمك، أو ترفع لها راية الاستسلام.

إن القلب هو محرك الحياة، وهو مركز إقامة المشاعر، ففي الطب الصيني ينظر إلي القلب على أنه مركز الوعي والنفس والروح، وليس للدماغ في ذلك شيء.

وهذا ما أكده ديننا الحنيف قبل هذه النظريات فقد جاء في تفسير الآية (٤٦) من سورة الحج كما فسرها (البغوي)* وغيره من علماء التفسير قال الله (تعالى) : “أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لاَ تَعْمَى الأَبْصَارُ وَلَكِن تَعْمَى القُلُوبُ الَتِي فِي الصُّدُورِ”؛ فسرها بأن حواس الإنسان  تعتبر فقط حواس بدون إحساس ما لم تسر على المعنى المنشود منها ألا وهو البصيرة ، فالبصيرة في معناها تعني قوة الإدراك والفطنة، ونظر نافذ إلى خفايا الأمور، وكما نرى في هذه الآية الكريمة بأن محل هذه البصيرة هو القلب؛ وعلى ذلك فيعنى أن ما تتلقاه حواسك كله سينعكس على قلبك؛ فهو موضع الوعي والتعقل بعد الحواس وكأنه قائد لها فيتعارك مع ما تتلقاه حواسك.

إذن لا تجعله يضعف بل ألزمه خلق التغافل وإلا سيهوي هذا القلب إلى دركات الضعف.

فإذا ما آلمتك كلمة واعترى سرورك فعل غير كريم فما عليك إلا أن تتجاهله وتصده ببصيرة حكيمة فما إن تتلقه حواسك فادفع ببصيرتك واشحنها بكل ما أوتيت من علم وهدى؛ لتكون بمثابة الدرع الحصين لقلبك حتى لا يُهْدَم جداره أو لكي لا تكون هناك ثغرة للوصول إليه.

فإن انفلتت بصيرتك القلبية، ولم تجندها لحماية قلبك، فأعلم أن العاقبة عظيمة، والحدث جسيم؛ لأنه ينتج عن ذلك ضعف قلبك واستسلام كل حواسك المستقبلة لهذا الموقف المؤلم، والكلمة النابئة وسيسهل الوصول إلى قلبك فيرهف.

أجل، إحْمِ قلبك باللامبالاة وبالبصيرة الثاقبة؛ كل ذلك من أجل قلبك من أجل مشاعرك، من أجل صحتك، وميزانك عند خالقك.

قال الشاعر شمر بن عمرو الحنفي :

ولقد أمر على اللئيم يسبني   ..   فأمر وأقول لا يعنيني.

أنظر إلى تلك البصيرة الثاقبة التي قوت قلب الشاعر، والتي أبعدته عن كل ما يضعف قلبه حتى وإن نقلت له حواسه الصورة صادقة؛ فهو رآها بمرآة الحامي لنفسه، وبعين البصيرة وليس بمرآة المستسلم التي تقوده الصورة البصرية إلى إهلاك نفسه وزجها في تيارات جارفة، وإلى ظلمة أعماق لا تنتهي تلك الظلمة التي ستلون بصره بسواد ليلي قاتم لا تسرج فيها النجوم ضياءها.

فما عليك إلا العمل ببصيرة، وإدارة كل ما يتلقاه بصرك وتعقله حواسك إلى العقل الواعي القابع في قلبك، وعلى هذا ستستجدي جمال الشعور حتى من اللحظة الكئيبة والموقف المُخْذِل؛ لأن حواسك وشعورك القلبيين منصتان إلى ما وراء الحدث محاولان محو سطور السواد من الصفحة البيضاء لتظهر لك صفحة التجربة على ما كانت عليه؛ لتعلمك الفحوى من وجودها .

*البغوي : هو إمام حافظ وفقيه ومجتهد واسمه الكامل أبو محمد الحسين بن مسعود بن محمد الفراء البغوي، ويلقب أيضا بركن الدين، ومحي السنة، أحد العلماء الذين خدموا القرآن والسنة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى