أصداء وآراءبأقلام الكُتّاب

شاهـيـن مدرسة عُـمانية في حـب الوطـن..

الكاتـب/ حـمـد النـاصـري

 

شاهـيـن مدرسة عُـمانية في حـب الوطـن..

 

قد يكون مَقالي مُتأخراً قليلاً ، ولكنني انتظرتُ حتى يَنْجَلي غُبارها كما يقولون ، ولكيْ اسْتوعب كُل الأحداث التي رافَقت إعْصار شاهين ، بَعضها كان كمُحزناً ، ولكنّ أكثرها مُفرح بلْ هو عظيم.

لقد مَرّ اعْصار شاهين على سَلطنة عُمان بكُلّ قوته وسَجّل أرْقاماً قياسيّة مِن حيث كميّات الأمْطار والمساحة التي انْتَشر تأثيره عليها ولكنّ قطرات مَطره الباردة أيْقَظت فينا وجْداناً ومشاعرَ بقيَتْ دَفْيْنَة لمدة طويلة.

لقد أثْبَتت تَجربة شاهين رغم مَرارة الخسائر وفقدان أعزّاء مِن اخْواننا في السويق والخابورة والمصنعة ؛ أثبتت أنّ مَعْدَن العُماني الأصِيْل لا يَظْهَر بكامل لمَعانه إلّا في الشدائد وشَهِد العالم كُلّه مَلْحَمة عُمانية وطنية قلّ نظيرها في التكاتف والتلاحُم والإيثار والعطاء أمام قسْوة الطبيعة وشِدّة المِحْنة ، وسطّر العُمانيون مَواقِفَ رائِعَةً بماء الذهَب في سِفر عُمان المُجِيد.

لقد ابرزت مِحْنَة إعْصار شاهين معدن العُمانيّين الأصيل وأنهم جسَد واحد في توادّه وتراحُمِه كما ذُكِرَ في الحديث الشريف ، وضَربوا أروع الأمْثلة في التكافُل والسَخاء الباذِخ بالمال والعَرق والجُهد الكبير وظهرَت الرُوح الوطنية بأجْمَل صُورها .. وأقول لِمَنْ حاولوا التَقليل مِن عَظمة الموقِف الوطني قد أسَأْتُم الظن ، وأخْطأتم الفهم ، وجانبتم الصواب ، فالعُماني شأنه البَذْل والعَطاء والتَضحية في الحرب دفاعاً عَن الارض والعَرض ومَلْحَمته الفِداء والايثار في السِلْمِ ، ولكنْ مِثْل ذلكَ الوَهْج والعُنفوان قدْ يُعْمَي البَصِيرة قبل البَصَر لِبَعض ضِعاف النفوس وواهِنِي الهِمّة.

وقد سارت قافلة عُمان ولم تَضُرّها الأصْوات النابحة والمَبْحُوحة ، وسَطّرت مَلْحَمة رَجُلها وقائِدَها السُلطان هَيْثَم بن طارق حفظه الله. ذلكَ الرُجُل الجبل الذي لا تَهزّه زوابع الرياح ولا تَنال مِنْ عزيمته المُبْتغيات الفاشلة ؛ فأفْعاله هيَ مَن تتكلم  ، اعْتَزّ بالوطن وأهله ، واعْتَلى مَركبته لِيَرى بأمْ عَينيه شَعبه الوفيّ وهو يتعامل مع إعْصار شاهين وآثاره المُدمّرة ؛ مُؤكداً أنّ عُمان نَبض واحد قيادة وشَعْباً .. لا فرقَ بَيْنهما في السِلْم والحرْب..؛ وعُمان كُلّها تسير خلفهُ يداً واحدة ، وصَوتاً هادراً لا يَحِيدونَ عن ذلك الصِراط وتلك المَسِيرة الشَّمّاء ، مَسِيرة نقلتْ عُمان إلى الرُقيّ والتطور وجسّدتْ تاريخاً مُشرّفاً في الذاكرة العُمانية قديماً ومَسِيرة ظافرة حديثاً ، بدأها جلالة السُلطان قابوس طيب الله ثراه .. أعزّ الرّجال وأنقاهُم ، ويكملُها  أرْشَد الرجال وأوفاهُم هَيْثم السُلطان حفظه الله ورعاه فوطّد ارْكانها وثبت أسسها بالنّماء والعزيمة بوطنية ثابِتَة راسِخَة بالعِزّ والأمان وليَنعم المواطن بالرّخاء والاسْتقرار…

قرأت تقديرات مُرْسَلة إليّ عَبْر برامج التواصل الاجتماعي ، غير مُوثقة مَفادها ، أنّ خسائر العالَم مِن الأعاصير يومياً تَتجاوز 200 مليون دولار ، وأنّ نَصِيب عُمان هيَ الأعْلَى نَصِيباً مِن بينَ كافة الدُول العربية .. نظراً لوقوعها في مَنطقة مَناخية مُضْطربة .. فبلغَت خسائرَها مِن الأعاصير حتى جونو 4 مليارات دولار. وتلكَ الأعاصِير جاءَتْ تباعاً .. جونو 2007 فيت 2010 نيولوفر 2014 نانوك 2014 آشوباه 2015 ميج 2015 مكونو 2018 لبان 2018 هيكا 2019 كيار 2019 وهذا هو شاهين 2021.

ولا شَك أنّ عُمان تعرّضَت لِمَوجَة أعاصِير وسوف تَزداد تعرضاً ، نظراً لوقوعها تَحت ضَغط مَنطقة مَناخية أخرى .. وقد تناولت وسائل التواصل وبرامجها خبَراً أسْعد كُلّ مُواطن على أرض عُمان المِعْطاء .. أنّ السُلطان هَيثم بن طارق كانَ موجوداً بينَ شَعبه في مِحْنة الباطِنَة بلا جعجعة ولا بَهْرَجة إعْلام ولا ضَجِيج يُفْقِد السَمْع.

ذكرَ فضيلة الشيخ محمد بن علي الشعيلي في قصيدة شِعرية في وصفه لهبّة العمانيّين لنجدة إخوانهم في البَلدات العُمانية المتضررة  في مَلْحَمة وطنيّة رائعة :

رأينا ليوث الله أهلاً ونجدةً .. لإخوانهم من كلّ شِبْرٍ بموطني.

لقد سطروا أعجوبة حين سيّروا .. قوافلهم تسري بزادٍ وأبْطنِ.

وقد أوفدت إبراء شواحنَ جمّةً .. محمّلة بالأرز والزيت مُشحّن.

وألف من الأفراد هبُّوا تطوّعاً .. سِراعاً ومن كل القبائل تعتني.

إذ ما ذكرناها بنظم فإنها .. تجود بموفور ولم تكُ تنثني. (إلى آخر القصيدة).

وصَلتني رسالة إلكترونية مُؤثرة جداً ، بعنوان : “إلى والدي السُلطان قابوس” ؛ أقتبس منها ما عبّر فيها قائلها دون تصرّف مِنّي، أنْقُل مُختصراً منها :

(السلام على روحك .. والدي العظيم .. يؤسفني إخبارك أن إعصاراً يدعى بـ “شاهين” ، قد عصف بعمانك الغالية .. أما عن شعبك يا والدي فقد ذاق مرارات كثيرة كالخوف والفقد واليأس .. ما مر به شعبك في تلك الليلة كان قاسياً للغاية .. أبي العزيز .. لقد رأيت الكثير من الصفات التي أورثتنا إياها بارزة في هذا الوقت العصيب ، لقد رأيت الحب الذي منحتنا إياه على هيئة تكاتف مَلْحَمي لم أشْهد مِثْله قط). انتهى ما اختصرته لكم.

لقد أفْرَزت تَجربة إعْصار شاهين مَدرسة عُمانية وطنيّة مضيئة قلّ نَظِيرها ، بلْ هيَ مَلْحَمة شعب واجه الكارثة بعزيمة الرجال وثبات الأبْطال  فكانَ كالبُنيان المَرْصُوص يَشُدُّ بَعضُه بعضاً فَنجح في الاخْتبار وأيّما اخْتبار هُو .. إنه اخْتِبار الوطنية الحقّة وتميّز بنجاحه فسطّر رائعته في مَلْحَمةٍ عظيمة خالدة ، سيذكرها التاريخ بالعِزّة والشُموخ .. وأصْبَح العُمانيون مَضْرَب الأمْثال في حُب الوطَن والتضحية في سَبيله ، وفي التآخي والتكاتف والتعاضد.

أخْتِم مَقالي بمقولة لمولانا جلالة السُلطان هَيثم بن طارق أعزّه الله ، بَعد تولّيه مَقاليد الحُكْم في البلاد .. (فكل يد تبني عُمان لها منا كل التقدير والامتنان).

فلله دَرُّكم يا شَعْب عُمان ، ولكم كُلّ التَقدير والاجْلال الذي تَسْتحقونه قولاً وفِعْلًا ، وسَيكتب التاريخ وقْفَتكم بماء الذَهَب ، ويذكْر عُمَانْ الكُبرى على مَرّ التاريخ أنها هي الأعزّ ذِكْراً والأعْظَم مَجْداً ورُسُوخاً.

فأنتم ـ أيُها العُمانيون شَعْبٌ حيٌّ بالإباء ، وفيٌّ بالكرامَة ؛ يُقَدّس أرْضَه ويَعْشَقُها ، وسيَبقى يُعَلّم الشعوب والأجيال اللاحقة مَعنى الوطنية والتضحية والفداء.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى