أصداء وآراءبأقلام الكُتّاب

شـاهـيـن .. والـدروس المسـتـخـلـصـة..

الدكتـور/ م. محمـد المعـمـوري

كاتــب وباحـث – العـراق

 

شـاهـيـن .. والـدروس المسـتـخـلـصـة..

 

بعد ان تضع الحرب اوزارها و يتم الله نصره على عباده المؤمنين ، يسعى اولي الالباب الى التفكير في استثمار النصر  والتركيز على الدروس المستخلصة من هذا النصر بعد وقبل ان تضع الحرب اوزارها ، ”  وهنا يجب الاشارة الى ان الحرب ليست بمعنى ان نسمع طبول الحرب تقرع او ان تضج الفضائيات بالمحللين العسكرين متداركين وساعين الى كسب فوزهم في تغطية الحرب ليكونوا كل واحد منهم اقرب الى الحدث من زميله في المهنة ” ، فالحرب التي شنت على اهلنا في سلطنة عمان من قبل شاهين هي حرب اكتسحت بيوت ومزارع وبنى تحتيه اجتهد واجهد العمانيين في انجازها على مدى سنين عجاف وسنين كانت هي الاسمى والاكثر اشراقا في تاريخ السلطنة وبالتحديد في عصر النهضة ( الحقيقة ) عصر السلطان قابوس طيب الله ثراه ، نعم كانت حرب شرسة استطاعت ان تدمر ما لا تستطيع ان تدمره الطائرات او تكتسحه الدبابات في ساعات كما فعل شاهين و لا نها حرب المنتصر فيها واحد وهو الصابر والمحتسب الى الله ، … فأنها  “ابتلاء” وقد وقع الابتلاء وانتصر الشعب العماني بفضل الله ومن ثم بعزم هذا الشعب العريق ، وبعد النصر جاءت الملحمة ملحمة بناء ما تم تدميره من قبل شاهين واستمرت الملحمة ولازالت مستمرة منذ أكثر من عشرة أيام..

وبعد..

ماذا بعد الابتلاء والملحمة ، أعتقد هي اللُّحْمَة ، وكذلك الشعور الذي لا يمكن أن يوصف أو تتداركه الكلمات في أسطر أو مقال وأعتقد هو الكلام الذي سوف لن يعجز رواد المقاهي والمجالس العامة أن يذكروه أكثر من قصص أبو زيد الهلالي ، وأجزم بأن هذه الملحمة  جعلت أبناء عمان الشباب الذين لم يعيشوا عصر ما قبل السلطان قابوس ، جعلتهم يزدادوا إيماناً بوطنيتهم ، وحبهم لوطنهم وقائدهم الذي أرسى قواعد هذا الحب ، وبنى بلاده على أساس المحبة والتسامح والتعايش ، والإيثار ونكران الذات ، والمساواة والحرية واحترام المعتقد والدّين..

نعم أصبحت ملحمة ما بعد شاهين هي الفوز الذي يجب أن يستثمره العمانيّون لتذكير أبنائهم الشباب ، بأيام كانت لا تنتخي شعاب عمان إلى جبالها ولا أوديتها إلى سهولها ولا يمتزج الماء الذي يرتوي منه الجميع في سيقان نباتها ؛ فتنكرت كل الطبيعة لبعضها وكان الشعب بين تناحر وتجافي ، ولم يكن سؤالهم عن وطن بل كان سؤالهم عن ولاية أو قرية صغيرة هم ساكنوها ، وإذا حل بهم ضيف من قرية مجاورة لم يكن بداية ترحيبهم به ؛ منحه قسطاً من الراحة وتقديم ما أجاد الله به لهم  من خير ، بل كان سؤالهم عند أول لحظة يحل بها ضيف عندهم (أخبارك) لأنهم كانوا يتوقعون عند زيارة حليف لهم في ولاية قريبة أو قرية مجاورة وجود خطر قد وقع على تلك الولاية أو القرية وقد جاء لهم هذ الضيف لا ضيفاً بل مستنجداً بهم ، كانت رماحهم مجهزه وسيوفهم لا تدخل (الغمد) جاهزين منتظرين لا لمقاتلة الأعداء من خارج الحدود او نصرة بعضهم عند حلول الخطوب ، ولكن كان همّهم هو نصرة حلفائهم في بلدهم على من يقاتلهم من بلدهم ، هكذا كانت عمان قبل تولّ جلالة السلطان قابوس رحمه الله ، وكان مصير أبنائها مجهول فتأخر التعليم وانهارت مقومات الدولة المدنية وكانت هي الوحيدة في النصف الأول من القرن العشرين إلى عام 1970 ، تتجه نحو القبلية والثأر بعضهم من بعض..

صورة حزينة يجب أن تبقى عالقة في ذهن الأجيال لكي يعلموا كم هي النعمة والفضل الذي وهبه الله لهذه الارض الطيبة ولأهلها الكرام بأن جعل على يد ابن من أبنائها البررة عزيمة التغيير وعزيمة البناء والتطوير ، والانتقال من عصر القبلية الى عصر النهوض وعصر النهضة الحديثة الذي قاد لواءه جلالة السلطان قابوس طيب الله ثراه ، نعمة وفضل من الله وتأييد من لدن العزيز الجبار إذ جعل على يد هذا الفارس مقومات اللُّحْمَة الوطنية وتشابكت الأيادي مع يديه لبناء عمان اقتصادياً وثقافياً وسياسياً ، وأصبح قطاع القضاء والتعليم من أرقى نظامين طُبِّقت مبادئه الصحيحة في السلطنة مقارنةً مع ما يحيطها من الدول ، وهنا يجب الإشارة بتمعن الى أهمية قطاع العدالة والتعليم في المجتمعات ، وقد نجح المغفور له بإذن الله جلالة السلطان قابوس في وضع أسسه الرصينة متوازية مع كافة القطاعات الأخرى التي تهم الوطن والمواطن..

فأية دروس نستخلصها بعد شاهين ونحن ننظر إلى سلطنة عمان وهي تسير كالبرق مسابقة الزمن لتكون كما يجب أن تكون ، ولتبقى سلطنة عمان بهذا الشموخ بين بلدان العالم أجمع ، فبفضل الله وتأييده لجلالة السلطان قابوس أصبحت ثلاثة مذاهب تصلّي في مسجد واحد ، يأمهم إمام واحد لا ينظر المصلي إلى من يصلي جنبه ليتمعن في طريقة صلاته ، ولكن ينظر إلى الروح التي تنبعث منذ أن يقول الإمام “الله أكبر” معلنا لقاءه مع رب السماوات والأرض ، في بلد أصبحت نَفَساً واحداً ، ورجلاً واحداً ، وتوحّدت الأرواح لتصفوا وتتّحد على قلب رجل واحد..

هذا هو أهم درس استخلصناه من شاهين بعد ملحمة ما بعد شاهين ، وما تلاها من صور مشرفة لأبناء عمان من شرقها وغربها وجنوبها وشمالها ، وهي تزهو بالإخاء والمحبة ولازالت مدرسة جلالة السلطان قابوس تخرج من بين فصولها  الجيل بعد الجيل ، ولكن ينبغي علينا أن نذكر الأجيال بتلك الملحمة التي قادها جلالة السلطان قابوس فغيّر أمة وبنى شعباً وحافظ على وطن ، فأصبح الجميع يفتدونه بأرواحهم ومالهم وولدهم..

بلد طيب ورب كريم..

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى